من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (1)

أثر الوصية بالتقوى في ميدان القتال

في صحيح مسلم عَنْ ‌سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، ‌وَلَا ‌تَقْتُلُوا ‌وَلِيدًا».

في هذا الحديث عدد من الوصايا النبوية التي تعد أصولاً للسياسة الشرعية وقواعد ضابطة للسلوك القتالي، لتمييز المسلم عن غيره، والتأكيد على عدالته وإنسانيته حتى في وقت النزاع وساحة الحرب.

وأول الوصايا النبوية في ذلك قول بريدة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ».

وتقوى الله تعني الوقاية، وهي حفظ الشّيء ممّا يؤذيه ويضرّه، (المفردات: للراغب)، وقيل: هي التّجنّب عن كلّ ما يؤثّم من فعل أو ترك، وقيل: هي امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه، بفعل كلّ مأمور به وترك كلّ منهيّ عنه حسب الطّاقة، (بصائر ذوي التمييز، 2/ 300)، والمتقون هم الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته، (تفسير الطبري، 10/ 203)، والوصية بتقوى الله تعني الحث والحض على اجتناب ما نهى الله عنه وفعل ما أمر به.

أثر الوصية بالتقوى في ميدان القتال

1- الانضباط بأوامر الشرع:

إذا كانت التقوى تستلزم اجتناب المنهيات وفعل المأمورات؛ فإن ذلك في ميدان القتال ضرورة قصوى، حيث إن ساحات الحرب تحتاج إلى قلب حي وضمير يستحضر مراقبة الله تعالى، حتى لا تحركه الأهواء ولا تدفعه نوازع الانتقام إلى فعل الحرام مهما كان.

ففي الحرب قد تنكشف العورات، وتستباح المحرمات، وهنا يرتكز المسلم على التقوى، فلا تمتد يده إلى ما ليس له، ولا تمتد عينه إلى ما حرم الله عليه، فالحرب في الإسلام ليست فوضى، بل عبادة منضبطة بضوابط التقوى.

2- المنع من الظلم والبغي:

تسهم التقوى في منع المقاتل المسلم من تجاوز الحدود بعد أن منعته من انتهاك الحرمات، فالمسلم الذي يتقي ربه لا يعتدي على الأبرياء، ولا يظلم أحداً، بل يقاتل من قاتله، امتثالاً لقوله عز وجل: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‌الَّذِينَ ‌يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا ‌يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: 36)، فالحرب عند من يتقي ربه وسيلة لإحقاق الحق، لا تجاوزه أو تعديه إلى الظلم والبغي.

3- التحقق بصفات أهل النصر:

في ميدان القتال يبحث كل فريق عن الانتصار ويسعى إليه، والنصر وعد من الله تعالى لمن أخذ بأسبابه، من طاعة الله واستشعار معيته، وتلبية أوامره بالأخذ بالأسباب، فمن فعل ذلك؛ نصره الله عز وجل، حيث قال تعالى: (‌وَلَيَنْصُرَنَّ ‌اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)، وقال عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ ‌مَعَ ‌الَّذِينَ ‌اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: 128)، وقال أيضاً: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ ‌بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران: 123).

ومما يدل على أن الطاعة لله ورسوله التي هي معنى التقوى، أهم أسباب النصر ما كان من أمر الصحابة رضي الله عنهم في غزوة «أُحد»، حيث كان النصر حليفهم، فلما خالف بعضهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك سبباً في انكسارهم، فالتقوى ليست شيئاً زائداً أو ثانوياً في ميدان الحرب، بل هي شرط أصيل من شروط النصر.

فقد كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، ومن معه من الأجناد: أما بعد، فإني آمرك، ‌ومن ‌معك ‌من ‌الأجناد ‌بتقوى ‌الله على كل حال، فإنّ تقوى الله أفضل العدّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوّة، وإلّا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوّتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم.

ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شرّ منا، فلن يسلّط علينا، فربّ قوم سلّط عليهم شرّ منهم، كما سلّط على بني إسرائيل -لمّا عملوا بمساخط الله- كفّار المجوس، فجاسوا خلال الدّيار، وكان وعدا مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم. (جمهرة رسائل العرب، 1/ 210).

4- المنع من الفساد في الأرض:

تمنع التقوى في الحروب من التخريب والتدمير والإفساد، فالحرب في الإسلام ليست وسيلة دمار؛ بل دفع الأذى ورفع الظلم، دون التعدي على العمران، فليس للمقاتل المسلم أن يقطع شجرة، ولا يقتل طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة ولا عابداً منعزلاً في معبده.

ففي «السنن الكبرى» للبيهقي عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأصحابه: «انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

وفي «موطأ» الإمام مالك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الأََرْبَاعِ، فكان مما قاله له في وصيته الطويلة: «وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، إِلَاّ لِمَأْكَلَةٍ، وَلَا تُغَرِّقَنَّ نَحْلاً وَلَا تَحْرِقَنَّه».

فهذه وصايا الإسلام لمن ينزل إلى ميدان القتال ألا يفسد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، فمن استجاب لذلك فهو من المتقين، وإلا كان من الهالكين، الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ {205} وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة).


اقرأ أيضا

3 فئات أمر الرسول بحمايتهم في الحروب

الشريعة وحماية المدنيين

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة