3 فئات أمر الإسلام بحمايتهم في الحروب
إن مما يميز الشريعة
الإسلامية أنها جعلت للحروب أخلاقيات ومبادئ تحكمها، ومنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم نهى عن قتل فئات لا صلة لها بالحرب، ومن يطلع على تلك القيم يجد فرقاً كبيراً
بين أخلاق الحرب في الإسلام وغيره من الشرائع والقوانين الأخرى تجاه المدنيين(1).
فمثلاً، اليهود
يعتبرون باقي الشعوب من عبدة الأوثان والمسيحيين والمسلمين أعداء لهم؛ دماؤهم
مهدرة، وتزيد شهرتهم بقتل النساء خاصة الحوامل منهن، والأطفال والشيوخ، ولم يسلم
منهم حتى الجماد والحيوان(2)!
ولذلك، غلظ الله
عز وجل العقوبة على بني إسرائيل الذين استحلوا الدماء، فجعل قتل إنسان واحد كمن
قتل الناس جميعاً، فقال تعالى: (مِنْ
أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة:
32).
وهناك ثلاث فئات
أمر الشرع بحمايتهم في الحروب؛ النساء والأطفال والشيوخ.
والمؤمنون –إن
اقتتلوا– فهم إخوة، مصونة دماؤهم وأعراضهم وأموالهم، لا يُستباح فيها ترويعٌ ولا
تخريب؛ ولذا، فإن الأحاديث النبوية التي نهت عن قتل النساء والأطفال والشيوخ أو
الرهبان والمدنيين، تتحدث عن الحروب مع غير المسلمين، فعن أنس بن مالك أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشاً قال: «انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخًا
فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلُّوا، وضُموا غنائمكم، وأصلِحوا،
وأحسِنوا إن الله يحب المحسنين»(3)، وعن عبدالله بن عمر قال: «وُجِدَت
امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، وفي رواية: «فأنكر» (متفق عليه).
وعن رباح بن
الربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على
شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر علامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال:
«ما كانت هذه لِتقاتِل»، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، قال: فبعث رجلاً،
فقال: قل لخالد: «لا تقتلَن امرأة ولا عسيفاً (أجيراً)» (حسنه الألباني)، وقال
النووي: أجمع العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا(4).
متى يباح قتل نساء العدو وأطفاله؟
وأمر تحريم قتل
النساء والصبيان ليس مطلقاً دون شروط، ولذلك فقد أباحت الشريعة قتل بعض نساء العدو
في حالات استثنائية، وهي:
1- أن تشارك
المرأة في القتال وحمل السلاح، أو أن تقوم بوسيلة ما على التحريض على قتل
المسلمين، أو تقوم بعمليات تجسس ويثبت عليها ذلك، أو تساعد العدو على انتهاك أعراض
المسلمات، وهذا كله مفهوم من الحديث: «ما كانت هذه لتقاتل»، فيفهم منه ضمناً أن
المقاتلة تقتل كالمقاتلين من الرجال.
2- إذا احتاج
جيش المسلمين للقيام بهجوم مباغت على العدو، في هذه الحالة قد يصعب التمييز بين
المقاتلين وغيرهم، فتقتل بعض النساء أو الأطفال دون عمد وقصد، وفي ذلك سئل النبي
صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين، يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟
فقال: «هم منهم» (أخرجه البخاري، ومسلم).
3- في حال تترس
العدو بالنساء والشيوخ والأطفال، واتخاذهم كدروع بشرية يحتمون بهم ويقومون من
خلفهم بالقتال، هنا يضطر المسلمون القيام بهجوم عام قد يقتل فيه هؤلاء النساء مع
محاولة تجنب قتلهن قدر الإمكان.
قال ابن قدامة
في «المغني»: إن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم، جاز رميهم، ويقصد المقاتلة؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق -وهو يشبه الصواريخ اليوم- ومعهم
النساء والصبيان، ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد، لأنهم متى علموا
ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد(5.
المسلم في سِلمه
وحربه صاحبُ رسالة هداية، لا ينفك عن سياج الدين والأخلاق في كل أحواله، يبدأ
جهاده الحقيقي بانتصاره على أهواء النفس من انتقامٍ وحقدٍ وطمع، لتبقى غايته إعلاء
الحق لا شهوة الغلبة.
وحروبه استثناءٌ تفرضه الضرورة، وهو فيها شجاعٌ مقاتل، ميّالٌ إلى السِّلم متى لاح أفقه، وفي ميادين القتال تُختبر أخلاقه، فيُري العالم كيف يصنع الإسلام السلام حتى في خضم الحرب، فالمعركة الأعمق الثبات على القيم عند اشتداد الفتن، حيث يتميّز من يقاتل بأخلاق عمّن يبرّر الانفلات باسم الحرب.
اقرأ أيضا
الهوامش
- 1 عرفهم الماوردي في الأحكام السلطانية، ص 211 بأنهم «من أضعفه الهرم أو أعجزته الزمانة»، وعرفهم د. وهبة الزحيلي في «آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة» ص 503 بأنهم «الذين ألقوا السلاح وانصرفوا إلى أعمالهم، وكل من له صفة حيادية فعلا عن معاونة العدو كالملحقين العسكريين الأجانب، ومراسلي الصحف، ورجال الدين التابعين للقوات الحربية، فهؤلاء لا يعتبرون محاربين بهدر دمهم.
- 2 حماية المدنيين أثناء الحروب في الفقه الإسلامي، أ.د. عبدالفتاح بهيج العواري، يناير 2024م.
- 3 حسنه محقق جامع الأصول بشواهده.
- 4 شرح النووي على صحيح مسلم.
- 5 في فتوى للمكتب العلمي بهيئة الشام الإسلامية بتاريخ العاشر من سبتمبر 2013 بعنوان «حكم قتل نساء وأطفال الأعداء من باب المعاملة بالمثل».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً