الحوكمة الإستراتيجية للسيادة البحرية العالمية (3)

أخطار ما بعد هرمز وباب المندب.. السويس ومن يملك قرار الحرب المشترك؟

خريطة_لمضائق_هرمز_وباب_المندب_والسويس

للبحر فقه في العبور، وللقوة فقه في الحضور، وللتحالف فقه في الالتزام؛ أما السيادة، ففقهها أن يبقى للدولة قرارها حين تضيق أمامها مساحة الاختيار.

فالاستراتيجية لا تبدأ عند وقوع الخطر، بل قبل أن يصبح الخطر واقعًا؛ ولا تُختبر بكثرة الأدوات، بل بالقدرة على ألا تستولي الضرورة الآنية على المشروع البعيد؛ لأن ضغط المستعجل قد يحجب المستقبل، بينما يقتضي التفكير الاستراتيجي إدارة المخاطر، واستكشاف الممكن، والإبقاء على البدائل؛ وهو ما يلتقي مع ما نعتقده ونميّز به العمل المنظم: الفصل بين الضرورة الاستراتيجية التي يفرضها المشروع، والضرورة التكتيكية التي تفرضها الظروف؛ فالاستراتيجية عين على المستقبل، ووسيلة لإدارة المخاطر والتغيير، وليست استغراقًا في «الحريق اليومي» على حساب ما بعده.

غير أن معرفة الطريق لا تكفي ما لم تُعرف غايته؛ وهنا تنطلق الاستراتيجية من المقاصد: الأولى تنظّم الفعل في ضوء المستقبل والمخاطر والإمكانات، والثانية تزن غايته بما يجلب من مصالح وما يدفع من مفاسد؛ فلا تصبح القوة قيمة في ذاتها، ولا السرعة فضيلة لمجرد اختصار الزمن، ولا التحالف غاية لمجرد جمع القوة؛ وإنما تُقرأ جميعها في ضوء المقصد والمآل، بما يصل الفكر بحاجات العصر، والنظر بأثره في الواقع؛ وهو اتصال بين النظر والعمل يبرز بوضوح في المنهج الإصلاحي المقاصدي.

ومن هذه الزاوية نعود إلى البحر؛ لا ماءً بين شاطئين، بل مجالًا تتقاطع فيه الجغرافيا بالقوة، والتجارة بالأمن، والسيادة بالمصلحة؛ فمن هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى السويس، تحمل السفن بضائعها فوق الماء، بينما تتحرك حولها شبكات لا تظهر على خرائط الملاحة: التأمين والتمويل والمعلومات والأساطيل والتحالفات والاتفاقيات؛ فتشارك جميعًا في صناعة إمكان العبور وكلفته ومخاطره.

حين تختصر السرعة زمن السياسة

يعلمنا التاريخ، ومن سبعينيات القرن الماضي تحديدًا، أن السرعة ليست خاصية تقنية فحسب، بل مورد من موارد القوة؛ وهو المدخل الذي صاغ منه بول فيريليو مفهوم «الدرومولوجيا»، قارئًا الحرب والدولة والحركة من زاوية سلطة السرعة؛ فكلما اختصر التطور التقني زمن الوصول، ضغط معه زمن السياسة.

غير أن التحالفات المعاصرة تدفع السؤال خطوة أبعد؛ فما يضغط السياسة ليس سرعة الصاروخ وحدها، بل سرعة انتقال الأزمة عبر دوائر الالتزام؛ فقد تقع الضربة، فتبدأ عملية التحقق والإسناد، ثم يُستدعى التزام دفاعي، وتدخل اتفاقية حيز التفعيل، فتتحرك دوائر أخرى مرتبطة بها؛ وهكذا قد تنتقل الأزمة من واقعة محدودة إلى منظومة التزامات متشابكة قبل اكتمال تقدير مآلاتها.

ومن هنا تتقدم هذه الدراسة من حوكمة الممر في فصلها الأول، إلى حوكمة التدفق والتجارة في الثاني، وصولًا في فصلها الثالث إلى المرحلة الأشد حساسية: حوكمة قرار الحرب.

عُمان وما وراء خط هرمز

لا تنتهي قراءة هرمز عند أضيق نقطة فيه؛ فالساحل العُماني يفتح المضيق على بحر عُمان، ثم بحر العرب والمحيط الهندي؛ حيث تنتقل السفن من اختناق جغرافي محدود إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه طرق الطاقة والتجارة مع الحضور العسكري الدولي.

وهنا تتجاوز أهمية عُمان كونها دولة مشاطئة للمضيق؛ فهي تقع عند المفصل الذي تتحول عنده نقطة الاختناق إلى شبكة حركة، وتتصل فيه مياه الخليج بطرق المحيط الهندي؛ ولذلك فإن قراءة هرمز بمعزل عن بحر عُمان وبحر العرب تقرأ البوابة ولا تقرأ الطريق.

وتزداد دلالة هذا الامتداد مع تداخل الملاحة التجارية وحركة ناقلات الطاقة والانتشار العسكري والمناورات البحرية؛ بما يجعل أمن الممر حاصل تفاعل بين الجغرافيا والقوة والسوق والمعلومة، لا مجرد سيطرة على مساحة من الماء.

«اتفاق مكة» والردع وسؤال التفعيل

في 7 أغسطس 2026م، وقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»؛ وينص البيان الرسمي على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، وأن الاتفاقية تستهدف تعزيز الردع المشترك وتطوير أوجه التعاون الدفاعي (السفارة السعودية).

لكن النص يفتح سؤالًا تشغيليًا يتجاوز إعلان التضامن: من يقرر أن الواقعة بلغت مستوى «الهجوم المسلح»؟ وكيف تثبت نسبتها إلى فاعل؟ وما طبيعة المساعدة التي يستدعيها الالتزام؟

وهنا تفيد المقارنة المؤسسية بالمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي؛ فهي تعتبر الهجوم المسلح على عضو هجومًا على الجميع، لكنها تُلزم كل عضو باتخاذ ما يراه ضروريًا من إجراءات للمساعدة، وقد يشمل ذلك استخدام القوة المسلحة أو لا يشمله؛ أي إن الدفاع الجماعي لا يلغي بالضرورة تقدير كل دولة لكيفية تنفيذ التزامها داخل الناتو.

بين التضامن الدفاعي وقرار الحرب إذن مساحة قانونية وسياسية؛ وفي طريقة تنظيمها يتحدد ما يحتفظ به كل طرف من حرية التقدير.

من التحالف إلى شبكة الالتزامات

ولا يبدأ المشهد باتفاق مكة؛ ففي سبتمبر 2025م، قرر مجلس الدفاع المشترك الخليجي زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية عبر القيادة العسكرية الموحدة، ونقل صورة الموقف الجوي إلى مراكز العمليات، وتسريع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، وتحديث خطط الدفاع المشترك، وتنفيذ تمارين جوية مشتركة؛ بما يعكس انتقال الدفاع الجماعي من النص إلى أدوات التشغيل.

وبالتوازي، تجمع آلية «R4» مصر والسعودية وتركيا وباكستان في إطار للتشاور السياسي؛ وقد عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعهم الخامس في 5 أغسطس 2026م، وناقشوا التصعيد الإقليمي ومضيق هرمز وحرية الملاحة وآليات تطوير التنسيق بين الدول الأربع.

وهكذا تظهر بنية متعددة الدوائر: تشاور سياسي، وتنسيق أمني ووظيفي، وتعاون دفاعي، ثم دفاع مشترك؛ وهي مستويات مختلفة في طبيعتها وآثارها، ومن ثم لا يصح التعامل معها باعتبارها درجة واحدة من الالتزام.

حين يختبر التاريخ معنى التحالف

ويقدم مجلس التعاون العربي، الذي جمع مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي منذ 1989م، مثالًا تاريخيًا على أن التوافق المؤسسي لا يضمن تطابق المواقف عند الأزمة؛ فبعد الغزو العراقي للكويت عام 1990م، وجدت دول المجلس نفسها أمام مصالح ومواقف متعارضة، ثم شاركت مصر في التحالف الدولي الذي واجه العراق.

ولا يعني ذلك أن التجمع صنع الأزمة؛ بل إن الأزمة كشفت حدود الاتفاق حين تغيرت المصالح والظروف.

وتقدم أوروبا صورتين مختلفتين للدرس نفسه؛ فقد أسهم تشابك التحالفات في توسيع نطاق أزمة 1914م، دون أن يكون سبب الحرب الوحيد؛ كما كشفت المفاوضات البريطانية–الفرنسية–السوفيتية عام 1939م أن تعريف العدوان، ونطاق الضمان، وطبيعة المساعدة، ليست تفاصيل تُؤجَّل إلى ساعة الخطر؛ بل عناصر تدخل في هندسة الالتزام قبل اختباره.

السويس حيث تلتقي السيادة بحرية العبور

وعند السويس تلتقي خيوط الرحلة؛ فمعاهدة القسطنطينية لعام 1888م تقرر بقاء القناة حرة ومفتوحة للسفن التجارية والحربية، في السلم والحرب ودون تمييز في العلم، وتحظر إخضاعها للحصار؛ كما تحظر الأعمال العدائية أو الهادفة إلى تعطيل حرية الملاحة داخل القناة وموانئ مداخلها، وفق نطاق المعاهدة.

ولهذا لا يبدأ أمن السويس استراتيجيًا عند بورسعيد؛ فما يحدث عند هرمز يمكن أن ينتقل أثره عبر بحر العرب وخليج عدن إلى باب المندب والبحر الأحمر، حتى يصل إلى القناة.

وقد ظهر هذا الترابط تجاريًا في سبتمبر 2026م؛ حين أعلنت «ميرسك» و«هاباغ لويد» إعادة أربع خدمات حاويات إضافية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مع إبقاء قراراتهما اللاحقة مرتبطة باستقرار البيئة الأمنية في الشرق الأوسط؛ وهو مثال مباشر على انتقال تقدير المخاطر الأمنية عبر الجغرافيا إلى قرار تجاري يتعلق بمسار الملاحة.

فالسيادة على القناة حقيقة أساسية؛ أما أمن التدفق خلالها، فيتأثر بمنظومة بحرية أوسع من حدودها.

من حوكمة القوة إلى حوكمة قرارها

وتضيف الاستراتيجية الصينية زاوية تحليلية أخرى، حين تعرض مفاهيم «التحالفات المرنة وسيولة اللاشكل» و«تأمين الممرات والحياد النشط» في قراءتها للسلوك الصيني؛ فتربط بين المرونة وتجنب الاستنزاف وتأمين الطرق.

وبصرف النظر عن مدى انطباق هذا التوصيف على كل حالة صينية، فإن قيمته هنا تكمن في توسيع مفهوم القوة؛ فلا يقتصر تحليل التحالف على قدرته العسكرية، بل يمتد إلى مرونة القرار، وحماية الممرات، وإدارة التصعيد، والقدرة على إعادة الأزمة من القوة إلى السياسة.

نقطة الاختناق الجديدة هي قرار الحرب

كانت نقطة الاختناق في الجغرافيا البحرية هي المضيق؛ أما في شبكة التحالفات فهي قرار التفعيل.

ومن ثم تبدأ حوكمة الدفاع المشترك قبل الأزمة، لا في أثنائها؛ بتحديد ما يُعد هجومًا مُفعِّلًا للالتزام، ومعيار التحقق من مصدره، ونطاق الضمان، وكيفية التعامل مع الوكلاء والهجمات السيبرانية والتخريب البحري؛ ثم تدرّج الاستجابة بين السياسي والاستخباري واللوجستي والعسكري، مع إبقاء طريق واضح لوقف التصعيد.

ويمكن وصف هذه الهندسة بـ«فصل مسارات القرار»؛ قياسًا على فصل مسارات الملاحة، بحيث لا يؤدي تشابك التحالفات إلى تصادم الالتزامات؛ ويعرف كل طرف أين يبدأ التزامه، وأين ينتهي، وما الذي يستوجب قرارًا سياديًا جديدًا.

من المضيق الجغرافي إلى المضيق الزمني

تكشف هذه الحالات تحولًا في مفهوم السيادة؛ فالدولة لا تواجه سؤال السيطرة على المكان وحده، بل سؤال الاحتفاظ بزمن كافٍ للفهم والاختيار.

وهنا يعود منطق «فقه الاستراتيجية» إلى قلب المسألة؛ فالاستراتيجية تتعامل مع مستقبلات وسيناريوهات ومسارات متعددة، بينما يعني القرار الانتقال من الممكنات إلى اختيار محدد؛ ومن ثم تصبح المحافظة على البدائل حتى لحظة الاختيار جزءًا من المحافظة على حرية الفعل ذاتها.

فالمعضلة ليست في وجود التحالف أو غيابه؛ وإنما في تصميم العلاقة بين الالتزام والاختيار، بحيث يضيف التعاون قدرة إلى الردع، من دون أن يلغي زمن التحقق والتقدير.

تقوم حوكمة قرار الحرب على ست حلقات مترابطة: تعريف إجرائي للعدوان؛ وآلية مشتركة للتحقق والإسناد؛ وتدرج واضح لمستويات الاستجابة؛ وترتيب مسبق للعلاقة بين الالتزامات المتداخلة؛ ومسار مستقل للتهدئة والخروج من التصعيد؛ وحماية الملاحة المدنية من التحول الآلي إلى امتداد للصراع.

ويخدم ذلك نظام إنذار مبكر لا تكون وظيفته تسريع الرد وحده، بل تحسين القرار؛ فالمعلومة المبكرة لا تحقق قيمتها الاستراتيجية إذا اختصرت الطريق إلى القوة ولم توسع الطريق إلى الفهم.

المسار الإستراتيجي

المسار ليس تفكيك التحالفات، ولا تحويل الالتزام الدفاعي إلى نص بلا قوة؛ وإنما الانتقال من تحالف القوة إلى حوكمة القوة؛ ومن جمع القدرات إلى تنظيم استخدامها؛ ومن رد الفعل إلى صناعة البدائل؛ ومن حماية الممر إلى حماية القرار الذي يحكمه.

وبذلك تكتمل رحلة الفصول الثلاثة: حوكمة المكان، ثم حوكمة التدفق، ثم حوكمة اللحظة التي تتحول فيها القوة إلى فعل.

فالمضيق قد يختنق بالسفن، والدولة قد تختنق بالالتزامات؛ والجغرافيا تضيق بالممر، والسرعة تضغط زمن السياسة؛ وبين ضيق المكان وضغط الزمان يبقى جوهر السيادة: ألا يسبق السلاح التقدير، ولا الالتزام الاختيار، ولا الغضب التدبر.. فالأيام دُوَل، وللشعوب قرار.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة