أذربيجان تعيد تشديد الحظر على ارتداء الحجاب في المدارس

جمال خطاب

30 سبتمبر 2026

13

أذربيجان تعيد تشديد الحظر على ارتداء الحجاب في المدارس

عادت قضية الحجاب في أذربيجان إلى واجهة المشهد السياسي والاجتماعي، لتشعل مجددا واحدة من أكثر القضايا حساسية في الدولة الواقعة عند ملتقى أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، فبينما تؤكد السلطات في باكو أن إجراءاتها تأتي في إطار تطبيق قوانين التعليم والحفاظ على الطابع العلماني للمؤسسات التعليمية، يرى منتقدو القرار أن الأمر يتجاوز تنظيم الزي المدرسي إلى استهداف أحد أبرز الرموز الدينية لدى غالبية السكان المسلمين.

وأثار الإعلان عن اتخاذ إجراءات قانونية بحق أولياء أمور الطالبات اللاتي يمتنعن عن الذهاب إلى المدارس بسبب منع الحجاب موجة جديدة من الجدل، فقد أكدت الناطقة باسم وزارة التربية والتعليم الأذربيجانية أن بقاء الفتيات في المنازل بسبب رفض القيود المفروضة على الحجاب يمثل مخالفة للقانون، في مؤشر واضح على عزم الحكومة المضي قدمًا في سياسة التشدد تجاه هذه القضية.

وتكتسب الأزمة أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الديموغرافية والدينية لأذربيجان؛ إذ يبلغ عدد سكان البلاد أكثر من 10.2 ملايين نسمة وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024م، بينما تشير تقديرات متعددة إلى أن نحو 96 إلى 97% من السكان يعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون، مع أغلبية شيعية تتراوح بين 60 و65% وأقلية سنية تقدر بنحو 35%.

جذور إسلامية عميقة

دخل الإسلام إلى أذربيجان خلال الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لتتحول المنطقة تدريجيًا إلى جزء أصيل من العالم الإسلامي سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا.

وخلال قرون طويلة أصبحت مدن أذربيجان محطات مهمة على طرق التجارة والثقافة الإسلامية، وأسهم علماؤها ومفكروها في إثراء الحضارة الإسلامية، ونتيجة لذلك ترسخت الهوية الإسلامية في وجدان المجتمع الأذري رغم التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد لاحقًا.

لكن هذه الهوية تعرضت لهزات واختبارات قاسية مع التوسع الروسي في القوقاز خلال القرن التاسع عشر، حين أُلحقت أذربيجان بالإمبراطورية الروسية بموجب معاهدتي كلستان عام 1813 وتركمانجاي عام 1828م.

70 عامًا من الحكم الشيوعي

مع قيام الاتحاد السوفييتي دخلت أذربيجان مرحلة جديدة اتسمت بسياسات رسمية تعادي الإسلام وتدعو إلى تقليص الدور الديني في الحياة العامة، ومثل غيرها من الجمهوريات السوفييتية، خضعت البلاد لبرامج واسعة من اللادينية القسرية، شملت إغلاق المساجد وتقييد التعليم الديني ومحاربة كل المظاهر المرتبطة بالإسلام والتدين.

وقد تركت هذه المرحلة بصماتها العميقة على البنية السياسية للدولة الأذرية، ورغم انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م واستعادة أذربيجان استقلالها، فإن كثيرًا من المؤسسات والأطر القانونية احتفظت بالتصور السوفييتي الشيوعي اللاديني التقليدي.

وتؤكد تقارير دولية أن أذربيجان لا تزال تعتمد نموذجًا علمانياً لا دينياً صارماً يمنح السلطات رقابة واسعة على النشاطات الدينية، ويلزم المؤسسات الدينية بإجراءات تسجيل وتنظيم دقيقة.

الصحوة الإسلامية بعد الاستقلال

بعد الاستقلال شهدت البلاد عودة ملحوظة للمظاهر الإسلامية، فالمساجد التي أُغلقت خلال العقود السوفييتية عادت إلى العمل، وازداد الإقبال على التعليم الديني، وبرز الحجاب بوصفه مظهراً اجتماعياً إسلامياً بين النساء والفتيات.

غير أن هذه العودة تلقتها الدولة بمخاوف حكومية من تنامي التأثيرات الدينية السياسية، خصوصًا في ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة التي أحاطت بأذربيجان منذ استقلالها، ولذلك تمسكت السلطات بخيار العلمانية بوصفه أحد الأسس الحاكمة للدولة الجديدة.

وبمرور الوقت تحول الحجاب إلى ساحة مواجهة رمزية بين رؤيتين مختلفتين؛ الأولى ترى فيه حقاً دينياً وشخصياً، والثانية تعتبر أن المؤسسات التعليمية يجب أن تظل علمانية.

الحجاب بين المنع والاحتجاج

الأزمة الحالية ليست الأولى من نوعها، ففي عام 2010م أعلنت وزارة التعليم منع الحجاب داخل المدارس من خلال تطبيق قواعد موحدة للزي المدرسي وإعادة نماذج مستوحاة من الحقبة الشيوعية السوفييتية، وأدى القرار آنذاك إلى احتجاجات واسعة في باكو ومدن أخرى، وتبعته حملة اعتقالات طالت عشرات المشاركين في المظاهرات.

وخلال الأشهر الأخيرة عادت القضية بقوة إلى الواجهة بعد تداول تقارير عن منع طالبات محجبات من دخول عدد من المدارس، وأفادت تقارير إعلامية محلية بوقائع فصل أو منع عشرات الطالبات من حضور الدروس بسبب ارتدائهن الحجاب، ما أثار موجة استياء واسعة بين الأهالي والنشطاء المدافعين عن الحرية الدينية.

وتقول السلطات: إن الزي المدرسي الموحد يهدف إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الطلبة وتعزيز الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، بينما يرى المعارضون أن الحجاب لا يتعارض مع العملية التعليمية ولا يخل بمبدأ المساواة بين الطلاب.

انقسام داخل المجتمع

تظهر ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الانقسام داخل المجتمع الأذري، فقد اعتبر عدد من المدونين والناشطين أن القرار يمثل انتهاكًا للحرية الدينية ويفرض قيودًا غير مبررة على حق الفتيات في التعليم مع الحفاظ على معتقداتهن الدينية.

في المقابل، دافع بعض العلمانيين اللادينيين المؤيدين للحظر عن موقف الحكومة، مستندين إلى مبدأ الفصل بين الدين والدولة، ومعتبرين أن المؤسسات التعليمية العامة يجب أن تبقى بعيدة عن المظاهر الدينية كافة.

ويعكس هذا الانقسام طبيعة المجتمع الأذري نفسه، الذي يجمع بين أغلبية مسلمة واسعة وإرث سياسي علماني شيوعي ممتد منذ الحقبة السوفييتية.

الحسابات السياسية والإقليمية

لا تنفصل قضية الحجاب عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بأذربيجان، فالعلاقات الوثيقة التي تربط باكو بالكيان الصهيوني في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا جعلت كثيرًا من خصوم الحكومة يربطون بين سياساتها الداخلية وتوجهاتها الخارجية.

كما تؤدي العلاقة المعقدة مع إيران دورًا محوريًا في هذه المعادلة، فرغم أن غالبية سكان أذربيجان ينتمون إلى المذهب الشيعي، فإن السلطات الأذرية تنظر بحذر إلى أي نفوذ ديني أو سياسي إيراني داخل البلاد، وتعتبر أن بعض الأنشطة الدينية قد تتحول إلى أدوات للتأثير على الجماهير.

وفي المقابل لا تخفي طهران قلقها من التحالف المتين بين باكو والكيان الصهيوني، خاصة في ظل القرب الجغرافي بين البلدين.

ومع أن تركيا، الحليف الإستراتيجي الأبرز لأذربيجان، قد عززت حضورها السياسي والعسكري في البلاد خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد حرب ناجورنو كاراباخ، إلا أن ذلك لم يغير من تمسك الدولة الأذرية بطابعها العلماني المتطرف.

هاجس التطرف أم تقييد للحريات؟

تؤكد الحكومة الأذربيجانية أن سياساتها لا تستهدف الإسلام، وإنما تهدف إلى منع توظيف الدين سياسيًا وحماية النظام العام من النزعات المتطرفة، ويستند هذا الخطاب إلى تجارب شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وإلى المخاوف الأمنية المرتبطة بالنشاطات الدينية غير الخاضعة لإشراف الدولة.

لكن منظمات حقوقية وتقارير دولية انتقدت مرارًا القيود المفروضة على حرية المعتقد والتنظيم الديني في أذربيجان، معتبرة أن السلطات تستخدم دوافع أمنية لتبرير رقابة مشددة على المؤسسات والنشطاء الدينيين

وفي هذا السياق، تبدو قضية الحجاب جزءًا من جدل أوسع يتعلق بحدود الحرية الدينية في دولة تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها نموذجًا علمانيًا حديثًا في منطقة ذات غالبية مسلمة.

بين العلمانية والهوية

تأتي الأزمة الأذرية في وقت تشهد فيه عدة دول حول العالم نقاشات مشابهة حول الحجاب والرموز الدينية في الفضاء العام، ففرنسا، وبلجيكا، والدنمارك، وسويسرا، وهولندا، والنمسا وغيرها اعتمدت خلال السنوات الماضية قيودًا متفاوتة على بعض أشكال غطاء الرأس أو الوجه في المدارس أو المؤسسات العامة.

غير أن خصوصية الحالة الأذربيجانية تكمن في أن الجدل يحدث داخل دولة تعد من أكثر المجتمعات المسلمة تجانسا من الناحية الدينية، حيث يشكل المسلمون الأغلبية الساحقة من السكان، لذلك فإن أي قرار يتعلق بالحجاب لا ينظر إليه باعتباره قضية إدارية فقط، بل بوصفه اختبارا للعلاقة بين الدولة وهويتها الثقافية والدينية.

وفي ظل استمرار الاحتجاجات والاعتراضات الشعبية، يبدو أن ملف الحجاب سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية في أذربيجان خلال المرحلة المقبلة، لأنه يمس مباشرة التوازن الدقيق بين مشروع الدولة العلمانية من جهة، وتمسك قطاع واسع من المجتمع بجذوره الإسلامية من جهة أخرى، وبين هذين المسارين تتواصل معركة الرموز والهوية، في بلد لا يزال يحمل إرثاً سوفييتياً بغيضاً، لكنه يعيش في الوقت نفسه وسط محيط إسلامي لا يمكن تجاهل تأثيره التاريخي والثقافي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة