الدعاء المستجاب (3)
أذكار الصباح والمساء.. فضائل وفوائد (1)
أخرج مسلم في «صحيحه»
أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان يذكر ربَّه في كلِّ أحيانه، فكان لا يدع
ذكرَ الله عز وجل في أيِّ حالٍ من الأحوال؛ في ليله ونَهاره، وصباحه ومسائه، وسفره
وحضره، وقيامه وقعوده وسائر أحواله، فلا يُباشر أيَّ عمل من الأعمال إلاَّ وبدأه
بذكر الله عز وجل ودعائه.
ففي الهدي
النبوي أذكار للنوم والانتباه، وأذكار للصلوات وأعقابِها، وأذكار للطعام والشراب،
وأذكار لركوب الدابة والسفر، وأذكار لطَردِ الهمِّ والغم والحزن، إلى غير ذلك من
الأذكار التي تتعلَّق تعلقاً مباشراً بأحوال المسلم في يومه وليلته.
وسوف نسلط الضوء على أذكار الصباح والمساء:
1- إنَّ من
الأذكار العظيمة التي كان يقولها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كلَّ صباح، ما
رواه الإمام أحمد عن عبدالرحمن بن أَبْزى قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، وَكَلِمَةِ
الإِخْلاَصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى
مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ».
فما أجْمَلَ أن
يَفتَتِحَ المسلمُ يومَه بهذه الكلمات العظيمة، المشتملة على تجديد الإيمان،
وإعلان التوحيد، وتأكيدِ الالتزامِ بدين محمد صلى الله عليه وسلم، والاتِّباع
لِمِلّة إبراهيم الخليل عليه السلام، الحنيفية السمحة، والبُعدِ عن الشرك كلِّه
صغيره وكبيره!
2- عن عبدالله
بن مسعود قال: كَانَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا
وَأَمْسَى المُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ للهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ
شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا،
رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ
عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي القَبْرِ».
وَإِذَا
أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضاً: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ..».
الفرق بين العجز والكسل
العجز: عدم
القدرة على إتيان الشيء، أما الكسل: عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور القدرة عليه،
ومَن كان كذلك فإنَّه لا يكون معذوراً، بخلاف العاجز، فإنَّه معذورٌ لعدم قدرته.
والمرادُ بـ«سوء
الكِبَر» ما يورثه كبرُ السن من ذهاب العقل، واختلاطِ الرأي، وغير ذلك مِمَّا يسوء
به الحال.
3- كان النبي
صلى الله عليه سلم يُعَلِّم أصحابه، فيقول: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا،
وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ
بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ
المَصِيرُ» (رواه الترمذي، وأبو داود، وحسَّنه الألباني).
وقوله: «بك
أصبحنا.. أمسينا»: بنعمتك وإعانتك وإمدادِك أدركنا الصباح والمساء.
وقوله: «وبك
نَحيا وبك نموت»؛ أي حالُنا مُستَمرٌّ على هذا في جميع الأوقات والأحوال.
فائدة: وقد جعل صلى
الله عليه وسلم قوله: «وإليك النشور» في الصباح، وقوله: «وإليك المصير» في المساء
رعايةً للتَّناسب والتشاكل؛ لأنَّ النوم موتةٌ صغرى، والقيامَ منه يشبه النشرَ من
بعد الموت.
والإمساء يُشبه
الموتَ بعد الحياة؛ لأنَّ الإنسانَ يصير فيه إلى النَّوم الذي يشبه الموت فكانت
بذلك خاتمةُ كلِّ ذِكرٍ متجانسةً غايةَ المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه.
4- عن عثمان
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ
كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ
اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ،
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ» (رواه أبو داود، والترمذي، وصحَّحه
الألباني).
فائدة: قال القرطبي: هذا
خبَرٌ صحيحٌ وقولٌ صادق علمناه دليلَه دليلاً وتجربة، فإنِّي منذ سمعته عملت به
فلم يضرَّني شيءٌ إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمدينة ليلاً، فتفكرتُ فإذا أنا
قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات (الفتوحات الربانية لابن علان).
فضل الدعاء وعن أبان بن
عثمان وهو راوي الحديث أنَّه قد أصابه طرف فالج -وهو شللٌ يصيب أحد شقي الجسم-
فجعل رجلٌ منهم ينظر إليه فقال له أبان: «ما تَنظر؟ أمَا إنَّ الحديثَ كما
حدَّثتُك، ولكنِّي لَم أَقُلْه يومئذ ليمضي اللهُ عليَّ قَدَرَه» (رواه الترمذي).
5- عن أبي هريرة
قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قَالَ: «أَمَا لَوْ
قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» (رواه مسلم).
وفي رواية
للترمذي: «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ
التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ حُمَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ»؛
والحُمَةُ: لدغةُ كلِّ ذي سمٍّ كالعقرب ونحوها.
فضل الدعاء: وعن سُهيل بن
أبي صالح أنَّه قال: كان أهلُنا تعلَّموها، فكانوا يقولونَها كلَّ ليلةٍ، فلُدغَت
جارِيَةٌ منهم، فلَم تَجِدْ لَها وجَعاً.
فائدة: والمراد بكلمات
الله: قيل: هي القرآن الكريم، وقيل: هي كلماته الكونية القدرية، والمراد
بالتامَّات الكاملات التي لا يَلحقُها نَقصٌ ولا عيبٌ، كما يلحق كلامَ البشَر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً