القرآن وتجديد المجتمع (2)
أسباب النزول
نحاول في هذه
المقالة توجيه بناء جديد في التعامل مع منحى أسباب النزول، الذي يُعد موردًا من
موارد فهم القرآن والوقوف على معانيه، ونحاول أن نجيب عن تساؤل مفاده كيف يمكن أن
يكون منحى أسباب النزول مدخلًا لتفعيل دور القرآن في تجديد المجتمع؟ وهل يمكن طرح
رؤية بديلة عما سكن في العقل التفسيري تجاه منحى أسباب النزول؟ وكيف يمكن تطوير
النظرة إليه بما يحقق مقصد القرآن الأعلى وهو تحقيق الهداية للناس في كل زمان
ومكان؟
المفهوم
والأهمية
يعرف سبب النزول
بأنه العلم بواقعة أو حادثة أو سؤال يتعلق ببيان القرآن أو نزوله بخصوص أيًا مما
تقدم، ويصنف نزول القرآن إلى قسمين؛ قسم نزل ابتداء: أي لم يتطلب واقعة أو حادثة
أو سؤال بشأنه، والثاني: يتعلق نزوله بسؤال أو حادثة أو واقعة يجيب القرآن بشأنها
يسجلها أو يصوبها أو يقرر بعض منها أو يلغيها أو ما شابه.
ومن الفوائد
التي يشير السيوطي –في «الإتقان»- إليها لمعرفة سبب نزول الآيات: أنها تساعد في
معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، والوقوف على المعنى وإزالة الإشكال
الملتبس به في بعض الأحيان، ويذكر ابن دقيق العيد أن بيان سبب النزول طريق قوي في
فهم معاني القرآن، وهو ما يعضده ابن تيمية بقوله: إن معرفة سبب النزول يُعين على
فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
إشكالات
يمكن كما تقدم
الاستفادة من معرفة سبب نزول الآيات في تحديد الفهم وإزالة اللبس والإشكال الخاص
ببعض المعاني، لكن برزت إشكالية مصاحبة لتضخم هذا العلم من ناحية وتوجيه العقل
المسلم ناحية الارتباط بأسباب النزول فأدى ذلك إلى تضييق فهم معاني القرآن حتى في
كثير من التفاسير التي توقفت في شرح الآية وبيان المراد منها بالواقعة أو الحادثة.
وفي ذلك انتقد
السيوطي، في «الإتقان»، هذا المنحى، وذكر ردًا على المنحى بقوله: إن العبرة في
نزول الآيات عقب الواقعة أو السؤال ليست بخصوص اللفظ -إلا في حالات قليلة لانضباط
النص بها- وإنما العبرة بعموم السبب.
ومما التبس
أيضًا في منحى أسباب النزول: هو ربط الآيات بوقائع واهية موضوعة من خلال الاستسهال
في رواية الأخبار والحوادث التي جاءت فيها، حيث إن كتابات أسباب النزول لم تراع في
كثير منها الدقة والحذر الموجود في كتب الحديث كالبخاري، ومسلم، وغيرهما.
أيضًا، فإن
القول بأن القرآن لا بد وأن يفهم في ضوء الحوادث الجزئية الواقعة التي نزل فيها،
أمر من شأنه أن يعطل مبدأ أن القرآن هدى للناس جميعًا في الأماكن والأزمان، وأن
هدايات القرآنية عامة وشاملة وخالدة، ويحصر القرآن في كونه كتاب للتاريخ أو لتسجيل
بعض الأحداث والوقائع التاريخية، وهذا أبعد ما يكون عن حقيقة القرآن.
تنزيل
القرآن وتجديد المجتمع
إن خطة جديدة لا
بد وأن يصنعها المسلمون من أجل إعادة النظر في منحى أسباب النزول وكيفية توظيف هذا
المنحى في تجديد المجتمع المسلم المعاصر وإزالة الركام الذي أحاط به وبتصوراته
ومفاهيمه وبحركته في الحضارة والعمران.
منطلق هذه الخطة
الجديدة هو البحث في السبب الكلي والأصلي الذي نزل القرآن من أجله، وكيف استطاع
القرآن تغيير المجتمع الذي نزل فيه في ضوء الاشتباك مع الواقع كنموذج واقعي
وتجريبي.
ونجيب حول السبب
الكلي الذي نزل القرآن في ضوئه وفي سياقه: الأوضاع الاجتماعية المخالفة للفطرة
الإنسانية، والمفاسد التي استشرت، والمظالم التي تمددت في النفس الإنسانية،
وانهيار المبادئ الأخلاقية وتبديد نظام القيم الإنساني، وكان ذلك على المستوى
الإنساني العام.
ويمكن التعرف
على ذلك من خلال الكتابات التاريخية التي تؤرخ لفترة ما قبل بعثة النبي صلى الله
عليه وسلم، ويمكن الملاحظة كل هذه الأوضاع بكل سهولة في النظم الاجتماعية القائمة
آنذاك سواء كان ذلك داخل شبه الجزيرة العربية أو خارجها، ومن ثمة فإن تعلق قسم من
القرآن بالوقائع والأحداث في هذه البيئة التي بُعثت فيها النبوة الخاتمة هي
بالأساس بقصد معالجة لعينة من المجتمع الإنساني آنذاك ظهرت فيها كل مفاسد
الإنسانية في وقتها؛ مفاسد إيمانية، ومفاسد اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية
ومعرفية وغير ذلك.
فكان ارتباط
القرآن بهذا الواقع توجيه لاستهداء المجتمع الإنساني بهذا الهدي حتى يخرج من
ضلالاته إلى أنوار القرآن الحكيم، وتحقيق المعالجة الإنسانية في ضوء المبادئ
والقواعد المقررة التي تضمنها الوحي الكريم في هذا السياق الاجتماعي.
وهذا مبدأ علمي
مقرر في المنهج العلمي المعاصر، فإن نجاح الحلول المقدمة لمشكلات ما في سياق ما،
تصلح لنفس المشكلات في سياق مشابه، هذا فضلًا عن المبدأ الإيماني الذي يقوم على
يقين بأن الله تعالى خبير عليم؛ أي خبير بأحوال الناس وعليم بما يصلحهم، وبما أن
القرآن هو الرسالة الخاتمة فإن القرآن يتضمن هذا الخبر وهذا العلم بأحوال الناس.
من ناحية أخرى،
فإن الأمة مأمورة باتباع القرآن في كل زمان ومكان، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ
صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم: 1)، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، فهذا
القرآن هو روح الأمة وصراطها المستقيم الذي يجعلها على خط الوصول إلى الله تعالى،
ولا يمكن للأمة أن تفقد روحها، بأن تنظر إلى القرآن على أنه كتاب مضت معانيه في
زمان ما أو مكان ما، فإن الأمة باقية، وبقاؤها وروحها مرهون باتباع معاني القرآن
وهداياته.
موجهات
خطة تنزيل القرآن على أوضاع المجتمع المعاصر
نشير إلى بعض
الموجهات الخاصة بخطة تنزيل القرآن على أوضاع المجتمع الإسلامي المعاصر، التي نرجو
أن تكون مدار نقاش الباحثين والغيورين من أبناء هذه الأمة على أحوالها وأحوال
القرآن فيها، وذلك فيما يلي:
1- الوعي بقيمة
القرآن الاجتماعية والإصلاحية وتجديد المجتمع: لا بد أن يتكون وعي جمعي إسلامي
لقيمة القرآن المركزية في عملية تغيير الأوضاع الفاسدة في مجتمعاتنا، وتطوير
الواقع، ومعالجة الإشكالات والمعضلات، وذلك لأن مهمة القرآن بالأساس مهمة اجتماعية
تتمثل في تحقيق كل ما سبق، وتشييد مجتمع جديد قائم على التوحيد والخلق والحق
والعدل والإنسانية والعلم وغير ذلك من أصول العمران البشري ومتطلباته.
2- تحقيق قيمة
المدافعة بالقرآن لكل ألوان وصور الشر والمفاسد المجتمعية التي أدت إلى التردي
المجتمعي والحضاري، ووضعت الأمة المسلمة خارج خارطة سلم الحضاري، وذلك لتخلفها عن
القرآن، لذلك فإن طريق العودة يكون بوضع أقدام الأمة من جديد على خط هدايات القرآن
الإصلاحية لوجوه المفاسد والشرور الاجتماعية، والمدافعة لحفظ الضرورات المجتمعية:
النفس والعقل والدين والمال والنسل ووحدة الأمة.
3- الدراسة
المستبصرة لواقع الأمة وتحديد أهم الإشكالات التي تعاني منها بميزان العصر وميزان
القرآن، وذلك في دوائرها المتعددة، ومجالات هذه المشكلات والوقوف على العوامل
النفسية والثقافية والمادية التي تشكلها وتؤثر فيها، لا سيما ما يتعلق بالضرورات
الأساسية في حركة الأمة؛ حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال وحفظ النسل
وحفظ وحدة الأمة، ثم العروج على مجال التحسينات والكماليات.
4- البحث
المستبصر عن هدايات القرآن الكريم وبصائره فيما يتعلق بالمشكلات التي تم التوصل
إليها، وتحقيق اشتباك القرآن مع واقع المسلمين وتنزيل الدلالات والمعاني للألفاظ
والآيات والأحكام والقيم على هذا المشكلات، وإيجاد الحلول المناسبة لها، وهذا
يتطلب بدوره إيجاد وإعداد باحثين يمتلكون الحكمة القرآنية والذين يستطيعون تجسير
العلاقة بين القرآن وبين واقع الأمة في تنزيل جديد على أسباب (وقائع وحوادث قديمة
أو جديدة)، بما يضمن الوقوف على حيوية النص القرآني الذي يتجاوز حدود الزمان
والمكان.
5- إنشاء
المؤسسات القرآنية الاجتماعية التي تهيئ إعداد قاعدة من المعلومات والبيانات
والدراسات عن واقع المجتمع، وأهم الهدايات القرآنية المستنبطة لمجالات هذه
الدراسات، بحيث تؤسس لمعالم الوظيفة الاجتماعية للقرآن في المجتمع المسلم المعاصر.