أستراليا تشرّع قانوناً سيئ السمعة يقوّض الحريات باسم مكافحة الكراهية

جمال خطاب

22 يناير 2026

459

أستراليا تشرّع قانوناً سيئ السمعة يقوّض الحريات باسم مكافحة الكراهية

استثماراً لهجوم بوندي الذي استهدف احتفالاً يهودياً بعيد «الحانوكا» كان يُقام في حديقة آرتشر بارك، في 14 ديسمبر 2025ن، بمنطقة بوندي بيتش في مدينة سيدني الأسترالية، اندفع البرلمان الأسترالي لإقرار قانون مكافحة الكراهية على عجل، تحت عنوان «قانون مكافحة معاداة السامية والكراهية والتطرف 2026»، وقد استُخدم ذلك الحدث، وهو عبارة عن جريمة إطلاق نار جماعي، كذريعة لتبرير تمرير تشريع عنصري وُصف بأنه صارم وذو طبيعة قمعية، إذ توسّع في تعريف جرائم الكراهية ومنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة لحظر جماعات بعينها دون الحاجة إلى إدانة قضائية.

وقد أثار هذا الربط بين هجوم بوندي والقانون الجديد جدلاً واسعًا؛ فبينما اعتبره الموالونللكيان الصهيوني ضرورة لحماية المجتمع من أخطار العنف والكراهية، رأى آخرون أنه توظيف سياسي للأحداث لتقييد الحريات العامة وتضييق مساحة النقد والاحتجاج المشروع؛ ما يهدد حرية التعبير ويضعف التوازن الديمقراطي في أستراليا.

كيف يمكن أن تصبح جماعة ما جماعة كراهية محظورة؟

بموجب القانون الجديد، يمكن حظر جماعة كاملة إذا أصدر الحاكم العام لائحة بحظرها، ويتصرف الحاكم العام بناءً على نصيحة وزير الشرطة الفيدرالية الأسترالية، وهناك عدد من الشروط التي يجب استيفاؤها قبل حظر جماعة.

شروط مضحكة للتخلص من المعارضين!

أولاً: يجب أن يقتنع الوزير على أسس معقولة بأن الجماعة قد انخرطت في سلوك يشكل جريمة كراهية، أو ارتبطت بجريمة  كراهية من خلال الإعداد أو التخطيط أو المساعدة أو الدعوة للانخراط في مثل هذا السلوك، وهذا هو الشرط الأولي لحظر جماعة ما.

ثانياً: يجب أن يقتنع الوزير بأن حظر الجماعة ضروري بشكل معقول لحماية المجتمع الأسترالي من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والجسدية، كما ينص على أن هذا الضرر الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والجسدي يمكن أن يتمثل في مجرد استمرار وجود الجماعة في أستراليا إذا كانت قد انخرطت أو ارتبطت بسلوك يشكل جريمة كراهية، وبالتالي لن يجد الوزير صعوبة كبيرة في الاقتناع بهذا الشرط الثاني.

ثالثاً: يجب أن يتلقى الوزير نصيحة من المدير العام للأمن؛ رئيس جهاز الاستخبارات الأمنية الأسترالية، يوصي بالنظر في حظر الجماعة، ويجب أن يقتنع المدير العام بأن الجماعة قد انخرطت في أنشطة من المرجح أن تزيد من خطر العنف السياسي أو العنف المجتمعي، وأنها إما دعت إلى مثل هذا العنف أو انخرطت فيه، أو هناك خطر من أن تفعل ذلك في المستقبل.

قد يظن البعض أن هذا يجعل حظر جماعة ما ليس بالأمر السهل، ومع ذلك، كما كتبت د. آن توومي، الأستاذة الفخرية في القانون الدستوري بجامعة سيدني، يمكن التغلب على مثل هذه الضمانات من خلال تعيين موالين سياسيين في تلك المناصب، والادعاء بأن كل معارضة أو احتجاج يزيد من خطر العنف السياسي والأضرار المجتمعية.

المجتمع المدني والمسلمون يستنكرون القانون

منذ إقرار البرلمان الأسترالي لقانون مكافحة معاداة السامية والكراهية والتطرف 2026م، تصاعدت موجة من الانتقادات من قبل المنظمات الإسلامية والمجتمع المدني، فقد اعتبرت هذه الجهات أن التشريع صدر بشكل متسرع عقب هجوم بوندي، دون منح الوقت الكافي للنقاش المجتمعي أو التشاور الحقيقي مع الأطراف المتأثرة.

وأكد الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلامية (AFIC) أن فترة التشاور التي لم تتجاوز 72 ساعة غير كافية إطلاقاً للتعامل مع قانون بهذا الحجم، خاصة وأنه يمنح الحكومة صلاحيات واسعة لحظر جماعات وتصنيفها كجماعات كراهية دون المرور عبر القضاء، هذا التسرع، بحسب المنتقدين، يقوض المبادئ الديمقراطية التي يفترض أن يحميها القانون، ويثير مخاوف من استهداف المسلمين بشكل غير عادل تحت غطاء مكافحة الكراهية.

إلى جانب ذلك، جادلت منظمات المجتمع المدني بأن القانون يعكس انتقائية واضحة في الحماية، إذ صرحت الحكومة علناً أن الهدف الأساسي مواجهة الجماعات  المعادية  للسامية، بينما لم تُمنح نفس الأولوية لمواجهة أشكال أخرى من الكراهية مثل «الإسلاموفوبيا» أو العنصرية ضد السكان الأصليين، وقد اعتبرت جهات حقوقية أن هذا التركيز الانتقائي يخلق تمييزاً هرمياً للضحايا، حيث تُعطى الأولوية لمجموعة معينة على حساب الأقليات الأخرى؛ ما يضعف الثقة في عدالة التشريعات ويجعلها أداة سياسية أكثر من كونها وسيلة لحماية المجتمع بأسره.

كما أشار تقرير لموقع «Crikey» إلى أن المجتمع المسلم كان آخر من تمت استشارته، ولم يحصل حتى على نسخة من مسودة القانون كما حصلت منظمات أخرى، وهو ما يعكس تهميشاً واضحاً في عملية التشاور.

الأثر الأوسع لهذا القانون يتمثل في المخاوف من تقويض الحريات المدنية وتقييد حرية التعبير والاحتجاج المشروع، فقد حذرت منظمات حقوقية وأكاديمية من أن التعريفات الفضفاضة لجريمة الكراهية قد تُستخدم لتجريم المعارضة السياسية أو النقد المشروع لسياسات دول أجنبية، كما أثيرت مخاوف من أن المجتمعات المسلمة ستخضع لتدقيق غير متناسب يعزز الصور النمطية السائدة.

ورغم أن الحكومة تبرر القانون بأنه ضروري لمكافحة جماعات الكراهية بعد هجوم بوندي، يرى المنتقدون أنه يخلط بين الإرهاب وخطاب الكراهية والعمل المجتمعي؛ ما ينذر بأخطار تجاوز الصلاحيات وتهميش المسلمين والأقليات الأخرى، وبذلك، فإن القانون الذي كان يُفترض أن يعزز التماسك المجتمعي قد يتحول إلى أداة لتوسيع الانقسام وإضعاف الثقة بين الدولة ومواطنيها.

انتقائية صارخة

وصرحت الحكومة علناً أن الهدف الأساسي مواجهة الجماعات المعادية للسامية، وهو ما اعتبرته المعارضة والمجتمع المدني انتقائية واضحة في الحماية، حيث ركّز القانون على معاداة السامية وأهمل أشكالاً أخرى من الكراهية مثل «الإسلاموفوبيا» والعنصرية ضد الأقليات؛ ما خلق ما وصفه نواب من حزب الخضر والمستقلين بهرمية للضحايا وأثار مخاوف من استخدام التعريفات الفضفاضة لجماعات الكراهية لتقييد حرية التعبير وحظر جماعات سياسية أو دينية لا تنخرط فعلياً في العنف.

وقد انتقدت باحثة القانون الدستوري كاثرين جيلبر في ABC Religion & Ethics تمرير القانون بعد يوم واحد فقط من النقاش البرلماني، معتبرة ذلك تسرعاً تشريعياً يهدد حرية الاحتجاج، فيما وصف معهد الشؤون العامة (IPA) التشريع بأنه اعتداء على القيم الأسترالية يسمح للحكومة بفرض رقابة وسجن المعارضين السياسيين ويعزز الانقسام الطائفي، وحذرت مقالات في «The Spectator Australia» من أن القانون قد يُستخدم لتجريم حتى النقاشات الجادة حول سياسات الهجرة أو انتقاد دول أجنبية إذا اعتُبر ذلك تحريضاً على الكراهية، وهو ما يترك أثراً عميقاً على حرية التعبير والتواصل السياسي في أستراليا.

هكذا تحاول الحكومة الأسترالية إسكات الأصوات المعادية لـ«إسرائيل»، الدولة المعتدية التي يرأسها رئيس وزراء مطلوب للعدالة، عبر قوانين فضفاضة تُمرَّر تحت غطاء مكافحة الكراهية والتطرف.

إن قانون مكافحة معاداة السامية والكراهية والتطرف 2026م لم يكن سوى استثمار سياسي في مأساة هجوم بوندي، حيث استُخدم الحدث كذريعة لتشريع يمنح السلطات التنفيذية صلاحيات غير مسبوقة لحظر جماعات بأكملها دون إدانة قضائية، ويُرسّخ انتقائية صارخة عبر التركيز على معاداة السامية وإهمال «الإسلاموفوبيا» والعنصرية ضد الأقليات الأخرى.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة