أسس إدارة الخلاف الأسري حول القضايا الكبرى
من الطبيعي أن ينشأ تباين أو تعارض في الآراء
والمواقف، بل وحتى في المصالح بين أفراد الأسرة الواحدة، سواء كان ذلك بين الزوجين
أو بين الوالدين والأبناء أو بين الإخوة، فالخلاف في ذاته ظاهرة بشرية طبيعية أقر بها
القرآن الكريم في أكثر من موضع ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118)؛ وهو المعنى الذي أكدته
أيضاً الأحاديث النبوية الشريفة كما جسدته مواقف الصحابة في تعاملهم مع اختلافات الاجتهاد
والرأي.
ولا يعني وجود هذا الخلاف داخل الأسرة أنها
تعاني فشلًا أسرياً، فالبشر يختلفون في الطباع والشخصيات والخلفيات التربوية ومستويات
الوعي والنضج فضلاً عن تباين الأمزجة والميول؛ ومن ثم فإن الخلاف يعد جزءاً من دينامية
الحياة الأسرية.
ولا يتحول إلى مشكلة حقيقية إلا إذا ظهر في
صورة نقاشات حادة أو توتر مستمر أو صمت وجفاء ولم يُحسن التعامل معه، ففي هذه الحالة
قد يتحول الخلاف إلى نزاع دائم يترك آثاره السلبية؛ مثل التوتر النفسي للأبناء، وضعف
الشعور بالأمان داخل البيت، وتآكل الاحترام المتبادل بما يهدد استقرار الأسرة ووحدتها.
الخلاف والقضايا الكبرى
لا شك أنه ليس كل خلاف داخل الأسرة يمكن أن
يثير مخاوفنا حول العلاقات الأسرية، فالخلاف حول كثير من المسائل الحياتية البسيطة
من الأمور التي يمكن أن تمر مروراً عابراً دون التحسب لآثارها النفسية، وهو ما يدركه
عناصر الأسرة كلهم تقريباً، فلا يتحول مثل هذا الخلاف في العادة إلى مصدر قلق حقيقي
على تماسك الأسرة أو استقرار علاقاتها، إذ سرعان ما يتم تجاوزه مع مرور الوقت أو عبر
قدر من التفاهم والتنازل المتبادل بين الأطراف المختلفة.
غير أن النقاش حول هذه القضية يزداد أهمية
حين يمتد الخلاف الأسري إلى القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام كالحروب والصراعات
الدولية، حيث تنتقل حالة الاستقطاب من المجال السياسي والإعلامي إلى داخل البيوت، كما
هي الحال في النقاشات التي أثارتها الحرب الدائرة مؤخراً على إيران في كثير من الأسر
العربية والمسلمة.
وتنطلق خطورة آثار هذه الحرب على إيران وتداعياتها
من كونها تأتي في سياقات دينية وتاريخية وسياسية وأمنية واقتصادية متشابكة تلامس بشكل
أو بآخر الكثير من القناعات والهويات الفكرية والثقافية والدينية، فضلاً عن الواقع
الأمني للكثير من أبناء الأمة العربية بل والأمة الإسلامية كلها، فهي إذن ليست مجرد
أحداث خارجية يراقبها المسلمون فحسب، وإنما تتحول بفعل هذا التشابك إلى قضية حاضرة
في وجدان كثير من الأسر ما يجعلها مادة ثرية للنقاش وربما للخلاف داخل بعض البيوت.
دوافع التباين الأسري
تتعدد الأسباب التي يمكن أن تدفع إلى وجود
خلاف أسري حول مثل هذه القضايا، وأبرزها التحيزات المعرفية لدى أفراد الأسرة الواحدة؛
إذ يميل كل فرد إلى تفسير الأحداث بناء على عدة اعتبارات ربما لا تتشابه بين الجميع،
ومنها التجارب الشخصية السابقة، والتكوين الفكري والثقافي، والتربية الدينية والسياسية،
فضلاً عن الضغط العاطفي المصاحب لاندلاع الحروب، التي ربما قد يشعر إزاءها أحد عناصر
الأسرة بالقلق الأمني أو الاقتصادي، بينما يدافع عنصر آخر عن أحد أطراف هذه الحرب نتيجة
قناعات خاصة بصوابية موقفه.
كما تعد وسائل الإعلام سواء كانت القنوات
الفضائية أو مواقع التواصل الاجتماعي بما لها من انحيازات ذات أثر كبير على تباينات
تشكيل الوعي لدى أفراد الأسرة؛ لهذا فهي الأخرى تعزز الانقسامات في المواقف والآراء
فكل وسيلة إعلامية تقدم الحدث من زاوية محددة تتوافق مع توجهاتها السياسية أو الأيديولوجية،
بينما بات كل فرد يتعرض لفيض من المعلومات والتحليلات والتعليقات المتباينة من خلال
مواقع التواصل، الأمر الذي يؤدي إلى تعدد السرديات وتباين طرق تفسير الأحداث ما قد
ينعكس على النقاشات داخل الأسرة الواحدة.
ويأتي عامل الاختلافات الجيلية كأحد الأسباب
وراء الخلاف، حيث ينظر كل جيل لمسألة الصراع أو الحرب من منظوره الخاص، فالشباب تتشكل
نظرتهم في ضوء ارتباطهم بواقعهم المعاصر وما يحيط بهم من تحولات سريعة وهو ما يجعل
بعضهم أكثر تأثراً بالخطابات العاطفية أو السرديات المتداولة متبنيين مواقف حادة أو
حماسية، أما الأجيال الأكبر، فإن رؤيتهم ترتبط غالباً بخبراتهم التاريخية ومعايشتهم
لأحداث وتحولات كبرى، فضلاً عن ميلهم إلى قراءة الصراعات في ضوء توازنات القوى والمصالح
السياسية.
وقد بدا واضحاً أن هذه العوامل شكلت رؤى متباينة
حول الحرب التي استهدفت إيران فوجدنا في الأسرة الواحدة انقساماً بين أفرادها، فمنهم
من يركز على الأبعاد السياسية والإستراتيجية للصراع، وبينهم من يقرأه من منظور ديني
أو إنساني، فيما انعكست هذه الرؤى المتباينة على طبيعة النقاشات فتصاعدت أحياناً إلى
حد الجدل الحاد.
كيفية إدارة الخلاف
لعله أصبح واضحاً أن المشكلة الحقيقية لا
تكمن في وجود خلاف داخل الأسرة، ولكنها تتجسد في الطريقة التي يُدار بها هذا الخلاف،
التي لا تعد مسألة عفوية، بل هي عملية واعية تتطلب قدراً من الحكمة والانضباط في الحوار
إذ يضعف التواصل والحوار وسوء الفهم المتبادل لدى الكثير من الأسر إما لأسباب تتعلق
ببنيوية هذه الأسرة، أو لعوامل خارجية تسهم بشكل أو بآخر في تأجيج الخلافات.
وعليه، وفي ضوء استحضار الأسباب الرئيسة لاحتمالات
تجذر الخلاف الأسري حول القضايا الكبرى، ومنها الحرب على إيران كنموذج، فإنه يمكننا
وضع بعض من الأسس التي يمثل الالتزام بها فرصة كبيرة لتفادي تفاقم الخلاف وانعكاسه
السلبي على واقع الأسر، ومنها تبني ثقافة الحوار الهادئ فتتاح لكل فرد الفرصة للتعبير
عن رأيه دون مقاطعة أو سخرية مع الإصغاء ومحاولة الفهم.
ويتبع بكل تأكيد هذه المرحلة استشهاد كل طرف
بأدلته التي يبرهن من خلالها على أسباب انحيازه على ألا تتجاوز معايير ضبط هذه المواقف،
وأهمها الالتزام قدر الإمكان بالتوجيهات والمقاصد الدينية، ووحدة الأمة والمصلحة العليا
للأوطان، ومعاداة أعداء الدين والأمة، فضلاً عن البحث عن تحديد نقاط الالتقاء بين وجهات
النظر المتعددة التي تحقق أيضاً المصالح المشتركة للأسرة.
كذلك لا بد أن يحرص رب الأسرة أو المسؤول
عن إدارة الحوار الأسري على أن يرسخ لمبدأ الفصل بين الرأي وصاحبه، فلا يتجاوز حد الخلاف
حول الرأي إلى اتخاذ موقف نفسي سلبي من شخصية صاحبه، فلا يكون الهجوم عليه أو التشكيك
في نواياه أو الانتقاص من الاحترام المتبادل، وهو مبدأ يحفظ أواصر المحبة بين أفراد
الأسرة ويبقي قدرتهم على تفهم كل منهما للآخر.
واستحضار هذا المبدأ بالغ الأهمية في المسألة
الإيرانية، فبعض الأسر العربية ينتمي فيها كلا الوالدين لمذهب ديني مختلف؛ ما ينعكس
بكل تأكيد على تبني رؤية محددة يشكل التطرف في تبنيها والاعتقاد بالصواب المطلق لها
خطراً على استقرار الأسرة.
وأما في حال انسداد أفق الحوار بين أفراد
الأسرة، فلا مانع على الإطلاق، بل ربما يكون من المفيد الاستعانة بمستشار أسري أو شخص
ذي خبرة للمساعدة في تهدئة الأجواء وإعادة بناء جسور الحوار.
اقرأ
أيضاً:
كيف تواجه المرأة تداعيات الحرب؟
ركائز تحصين الجبهة الداخلية في أزمنة الحروب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً