أسماء بنت أبي بكر الصديق.. ذات النطاقين ومدرسة الثبات
أسماء بنت أبي
بكر الصديق، شخصية جمعت بين الذكاء الحاد والصلابة في الحق والزهد في الدنيا، كانت
من السباقين للإسلام، وتشربت الثبات على العقيدة في بيت أبيها الصديق في وقت كان
الجهر بالإسلام فيه يعني المغامرة بالحياة.
نقف على محطات
في حياتها يبرز فيها هذا الثبات وهذه الشجاعة، وأول تلك المحطات رحلة الهجرة؛ وهي
المحطة الأبرز التي تجلى فيها الذكاء والشجاعة، عندما هاجر النبي صلى الله عليه
وسلم، وأبو بكر الصديق، وكانت أسماء هي من تنقل لهما الزاد والأخبار في غار ثور.
«ذات النطاقين»؛
وسر هذا اللقب جاء من أنها لما لم تجد ما تربط به وعاء الطعام للنبي صلى الله عليه
وسلم، فشقت نطاقها نصفين، فربطت الطعام بنصف ولبست الآخر، فبشرها النبي صلى الله
عليه وسلم بنطاقين في الجنة.
أسماء بنت أبي
بكر لم تكن مجرد ذات النطاقين في رحلة الهجرة فقط، بل في كل موقف؛ نطاق يربط بيتها
بالتقوى، ونطاق يربط أبناءها بالتاريخ والخلود؛ فقد ربت أبناءها عبدالله بن الزبير
القائد السياسي والعسكري، وعروة بن الزبير العالم الفقيه، على الإيمان الحق
والثبات عليه.
أسماء.. والحجاج الثقفي
تروي كتب
التاريخ أن ابنها عبدالله دخل عليها يستشيرها عندما حوصر من قبل جيش الحجاج بن
يوسف الثقفي، وهو يرى تفرق الناس عنه، فكان ردها الذي خلدته الكتب: «يا بني، إن
كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض عليه، فقد قتل عليه أصحابك، وإن كنت إنما
أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك».
وهو الثبات ذاته
الذي واجهت به الحجاج بعد قتله لابنها عبدالله وهو يحاول إذلالها بقوله: «كيف
رأيتني فعلت بعدو الله؟»، يقصد ابنها؛ فردت عليه بكل ثبات: «رأيتك أفسدت عليه
دنياه، وأفسد عليك آخرتك».
امرأة صابرة
ذات النطاقين
أسماء بنت أبي بكر الصديق كانت إضافة إلى ذلك امرأة صابرة ثابتة على الحق وكريمة
النفس واليد وفي الوقت نفسه، زاهدة راضية بما قسمه الله، كانت صابرة على خدمة
بيتها وإعانة زوجها الزبير في شؤون بيتهما.
ورغم ضيق الحال
في بداية حياتها، فإنها كانت كريمة ومن أجود الناس، حتى إن ابنها عبدالله كان
يقول: ما رأيت امرأتين أجود من عائشة، وأسماء؛ أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى
الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء فكانت لا تدخر شيئاً لغد
يقيناً بما عند الله تعالى.
وكانت إضافة إلى
تلك الخصال، وفية لزوجها الزبير، رغم أنها طلقت منه في سن متأخرة لشدة في طبعه،
وبعد سنين من الكفاح والصبر، لكنها رغم ذلك فقد أظهرت رقياً كبيراً، فقد رفضت
الزواج بعده رغم أنها محل تقدير الجميع، وقد كان ذلك عملاً بنصيحة أبيها أبي بكر
عندما جاءت تشتكي ذات يوم زوجها فقال لها: «يا بنية، اصبري فإن المرأة إذا كان لها
زوج صالح ثم مات عنها فلم تتزوج بعده، جمع بينهما في الجنة».
لقد كانت أسماء
بنت أبي بكر الصديق تجسيداً حياً لقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب: 23)، وبالرغم من أن الآية ذكرت رجالاً، فإن أسماء ذات
النطاقين كانت في مواقفها وعلمها وحكمتها وصبرها تزن آلاف الرجال بخصالها الحميدة
التي كانت تتصف بها وتمثل قدوة حسنة لكل من يبتغي تلك الخصال وتلك السيرة العطرة.
إن الناظر في
سيرة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها يرى مواقف يعجز عن مثلها الشديد
القوي من الناس؛ فها هي تقف في وجه أبي جهل رأس الكفر عندما جاءها غاضباً فلطمها
لطمة شديدة سقط منها قرطها من أذنها.
لم تضعف ولم
تخبره بمكان والدها أو النبي صلى الله عليه وسلم، بل بقيت صلبة رغم صغر سنها
حينذاك.
وها هي في موقف
آخر، وهذه المرة في بيتها تتحمل المشاق والتعب الجسدي لمساندة زوجها، تقول أسماء:
تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه.
كانت تعلف الفرس
وتسقي الماء وتخرج لتنقل النوى على رأسها من أرضه التي أقطعها له النبي صلى الله
عليه وسلم على مسافة بعيدة.
لم تتذمر من
التعب والإرهاق رغم أنها ابنة أبي بكر، بل تحملت تلك المشاق لمساندة زوجها.
غيرة الزبير
ومحطة أخرى في
حياتها نلقي الضوء عليها وهي مراعاتها لغيرة زوجها، وصدق رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين قال: «ألا أخبرك بخير ما يكتنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها
سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته».
تروي الكتب أنها
كانت يوماً تحمل النوى على رأسها، فلقيها النبي صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من
الأنصار، فأناخ ناقته لتركب معه، فاستحيت وتذكرت الزبير وغيرته، فمضت تمشي، وعندما
أخبرت الزبير بذلك قال لها: «والله لحملك النوى كان أشد عليَّ من ركوبك معه»، زوجان
صالحان يقدر كل منهما الآخر ويراعيه في حضوره وفي غيابه.
أسماء راعت غيرة
زوجها وابتعدت عن كل ما يمكن أن يعكر الصفو بينهما، والزبير تألم لشقائها وقدر حيائها
ومراعاتها لمشاعره، فعبر عن تلك المشاعر بالكلمات التي تحمل في طياتها جبراً
للخواطر وتطييباً للأنفس.
السيدة أسماء
بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، ذات النطاقين، نموذج فريد من النساء، جمعت بين
رباطة الجأش والذكاء الفطري والوفاء لبيتها ودينها.
ولم تكن مجرد
صحابية عادية، ابنة صحابي، أو زوجة صحابي، بل كانت كياناً مستقلاً من الإرادة،
علمتنا أن الصبر ليس استسلاماً، بل هو عمل واجتهاد في بيتها (مع الزبير)، وثبات
على المبدأ في المحن الكبرى (مع الحجاج).
السيدة أسماء
بنت أبي بكر سجلها التاريخ كواحدة من أعظم نساء التاريخ.
اقرأ
أيضاً:
أسماء بنت
عميس.. صوت المرأة الذي لم يغب عن طاولة القرار
أم سلمة
المخزومية.. قراءة في فقه السياسة والحكمة النسوية
خولة بنت
ثعلبة.. نموذج الوعي الحقوقي والمطالبة بالعدالة
الهجرة رجال ومواقف.. أبو بكر الصديق رضي الله عنه
أرادت البر بأُمٍّ مشركة فأذن لها القرآن
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً