خولة بنت ثعلبة.. نموذج الوعي الحقوقي والمطالبة بالعدالة
نبدأ هذا المقال
بذاك المشهد التاريخي: عمر بن الخطاب «الفاروق»، عملاق الإسلام يقف منصتاً لسيدة
كبيرة في السن تعظه وتقول له: يا عمر، كنت تدعى عميراً، ثم قيل لك: يا عمر، ثم قيل
لك: يا أمير المؤمنين؛ فاتق الله في الرعية، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست
رجالاً من قريش على هذه العجوز، قال: ويلك تدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة
سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني
إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضرني صلاة فأصليها ثم أرجع إليها
حتى تقضي حاجتها.
واقعة الظهار
نعم، إنها خولة
بنت ثعلبة رضي الله عنها، المرأة التي واجهت مأساة اجتماعية، وهي الظهار، عندما
قال لها زوجها: «أنت عليَّ كظهر أمي».
جاءت رسول الله
صلى الله عليه وسلم مسرعة، وعلامات الخوف والارتباك تعلو وجهها؛ كيف لا، وأسرتها
مهددة بالانهيار والتفكك، وبيتها مهدد بالضياع والتشرد، كل ذلك جراء كلمة غضب
قالها لها زوجها، كادت أن تقضي على أسرة بأكملها، وتنهي حياة زوجين عاشا معاً زمناً
مديداً، فجاءت إلى رسول صلى الله عليه وسلم علها تجد حلاً لمشكلتها، فوجدت بيته
مفتوحاً، ليس بينه وبين الناس حجاب ولا بواب.
تلك هي خولة بنت
ثعلبة رضي الله عنها، التي قالت عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: الحمد لله
الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا
في ناحية البيت، تشكو زوجها، فأنزل الله سبحانه في القرآن الكريم سورة كاملة
بحقها، سماها سورة «المجادلة»، افتتحها سبحانه بقوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: 1).
أدب الاعتراض
إن ما يثير الإعجاب
في نموذج خولة أنها قدمت لنا درساً في أدب الاعتراض، لقد كانت تشتكي بثها وحزنها
إلى الله تعالى، لكنها في الوقت نفسه كانت تطالب بتشريع يحمي الأسرة من عادة
جاهلية وقانون جاهلي ظالم.
هذا المزيج بين
اليقين الروحي والتحرك العملي هو ما نحتاجه اليوم، وكأنها تقول لكل امرأة معاصرة:
إن إيمانك لا يكتمل بالخنوع، بل بالبحث عن الحق بشجاعة وعقلانية.
خولة بنت ثعلبة
رضي الله عنها ليست مجرد حالة فقهية في سورة «المجادلة»، بل هي منهج حياة، هي تثبت
للمجتمع أن المرأة شريكة في صناعة النص التشريعي بوعيها وإصرارها ومواقفها الصادقة
القائمة على إيمان قوي.
خولة بنت ثعلبة
هي الأم التي خافت على ضياع أطفالها، هي الزوجة التي لم تقبل الإهانة، هي المواطنة
التي مارست حقها في الرقابة على السلطة.
هي النموذج الذي
يتجاوز حدود الزمان ليقول: إن العدل ليس هبة تعطى، بل هو حق ينتزع بالمنطق والصدق
وقوة الكلمة.
ونقف قليلاً عند
لفظ «تجادل»؛ (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ
قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ
يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)؛ المجادلة ليست صراخاً، بل هي احتجاج عقلي ومنطقي، هي
محاورة لصاحب السلطة والقرار، سيد المرسلين النبي صلى الله عليه وسلم؛ بحثاً عن
الإنصاف في جدار الظلم.
ثورة وعي
إن أعظم
التحولات البشرية لم تبدأ دائماً بجيوش جرارة، بل قد تبدأ بكلمة صادقة من امرأة
آمنت بكرامتها.
خولة بنت ثعلبة
رضي الله عنها كانت بمثابة ثورة وعي ونموذج يمكن أن نستلهم منه منظومة قيمية
متكاملة يمكن أن نلخص أثرها التطبيقي في نقاط:
أولاً: الوعي
القانوني والحقوقي: فلم تكن خولة لتجادل لولا إدراكها العميق بأن الواقع لا يعني
بالضرورة الحق؛ لذا فالخطوة الأولى هي التسلح بالعلم والمعرفة الحقوقية.
ثانياً:
المبادرة في المجال العام: وهذا ما يستنبط من موقفها مع أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب، فقد مثلت خولة بنت ثعلبة الرقيب الاجتماعي والشريك السياسي في النقد
البناء والمشاركة في توجيه الرأي العام نحو الصواب والمصلحة العامة.
ثالثاً: التوازن
بين الذات والرسالة: فقد انطلقت خولة من دافع شخصي عندما ذكرت للنبي صلى الله عليه
وسلم، فقالت له: إني وحيدة، ليس لي أهل سواه، إن لي صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه
ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، فلا يجد لها رسول الله جواباً إلا أن يقول لها: «لا
أراك إلا قد حرمت»، فلما لم تجد لها جواباً عند النبي صلى الله عليه وسلم، التجأت
إلى الله قائلة: اللهم أنزل على لسان نبيك ما يقضي لي في أمري، فلم تكد تنتهي من
دعائها، حتى أنزل الله على نبيه قوله سبحانه: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
انطلقت خولة من
دافع شخصي ووصلت إلى غاية عامة صارت تشريعاً للأمة، وهذا هو جوهر الذكاء الاجتماعي؛
أن تعرف المرأة كيف تحول تحدياتها الشخصية إلى طاقة إيجابية تخدم المجتمع بأسره، وكأنها
تقول لكل فرد في المجتمع: لا تجعل من أزماتك عائقاً، بل اجعلها منطلقاً لبناء واقع
أفضل يخدم الإنسانية جمعاء.
اقرأ
أيضاً:
السيدة عائشة..
ملهمة الجيل في صناعة الأثر والإنسان
خديجة بنت
خويلد.. ريادة الأعمال والاستقلال المادي المسؤول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً