أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام
وقد يبدو هذا
العنوانُ مدهشًا وغريبًا، ومثيرًا لتأثُّرات مختلفة، في كثير من النفوس المختلفة،
ولشيء من السخرية في النفوس الساخرة.
أما الدهشة، فإن
صاحبها معذور مهما كان.
وأما الغرابة،
فكل واردٍ جديدٍ على السمع أو على الذهن يُستَغرَب، ولكنه إذا تكرَّر وكثر
تَردادُه أصبح مأنوسًا.
وأما السخرية،
فلا تأتي هنا إلا من رجلين:
رجل انطوت نفسُه
على بغضٍ للإسلام وحقد على بَنِيه، واحتقار لتعاليمه.
ورجل لم يفهم
الإسلام إلا من حالة المسلمين اليوم، ولم يعلم أن بين حقائق الإسلام وبين حالة
المسلمين اليوم بُعْدَ المشرقين، والذي في العنوان إنما هو الإسلام لا المسلمون.
العناوين لا
ذنبَ لها؛ لأنها دوالُّ على ما وراءها، فاسمعوا ما وراء هذا العنوان، ثم ليندهش
المندهِشون إن لم يقتنعوا، وليسخَر الساخرون إن شاؤوا.
تولَّى الإسلام
في أوَّل مراحلِه قيادةَ العالم الإنساني العامر للأقاليم المعتدلة، فقاده إلى
السعادة والخير بأصلينِ من أصوله، وهما القوة والرحمة، وبوسيلتينِ من وسائله في
القيادة وهما العدل والإحسان، وبأحكامه المحققة لحكمة الله في عمارة هذا الكون.
والقوة والرحمة
صفتانِ موجودتان في كل زمان، ولكنهما متنابذتان لم تجتَمِعا قط في ماضٍ ولا حاضر،
حتى جاء الإسلام فجمع بينهما وزاوَج، وخلط بينهما ومازَج، فجاء منهما ما يجيء من
التِقاء السالب بالموجب في عالَم الكهرباء: حرارةٌ وضوءٌ وحركة.
وما زال معروفًا
عند العقلاء، قريبًا من مدارك البسطاء، أن القوة وحدها لا خيرَ فيها؛ لأنها جبرية
واستعلاء، وأن الرحمة وحدها لا خير فيها؛ لأنها ضعف وهُوَيْنى، وأن الخير كل الخير
في اجتماعهما، ولكن الجمع بينهما ليس من مقدور الإنسان المسخَّر للأهواء والعوائد،
المنساق للأماني والمطامع، المنجذِب إلى مركز الأنانية، فلا تجمع بينهما على وجهٍ
نافع إلا قوةٌ سماوية تتجلَّى في نبوَّة ووحيٍ، وخلافة راشدة، واتِّباع صادق مشتق
من هذه.
ومن حكمة
الإسلام العليا أنه وضع الموازين القسط للمتضادات، فإذا هي متآلفة، والمتنافرات
إذا تآلفت صلح عليها الكون؛ لأنها سرُّ الكون ومِلاكُه، فوضع الحدود لهذه
المتنافرات، وأعطى كل واحدة حقَّها، ووجَّهها إلى الخير في مدارها الطبيعي، فإذا
هي أشياء في الاسم والذات والوظيفة، ولكنها شيء واحد في الغاية والفائدة والأثر،
وكلها خير ونفع وصلاح وجمال.
وضَع الحدود بين
المرأة والرجل فائتلفا، وأطفأ بالعدل والإحسان نارَ الخلاف بينهما، والخلافُ
بينهما هو أصلُ شقاءِ البشرية، ولا يتم إصلاحٌ في المجتمع ما دام الخلافُ قائمًا
بين الجنسين، وما زالت الجمعيات البشرية من الرجال مختلفة النظر إلى المرأة،
فبعضهم يرفعُها إلى أعلى من مكانِها فيُسقِطها ويسقط معها، ويعطيها أكثر من حقِّها
ومن مقتضيات طبيعتها، فيفسدها ويفسد بها المجتمع، وبعضهم يحطُّها عن منزلتها
الإنسانية، فيعدُّها إما بهيمة وإما شيطانًا، حتى جاء الإسلام فأقرَّها في وضعها
الطبيعي، وأنصفها من الفريقين.
كذلك وضع
الحدودَ بين الآباء والأبناء، وكم أزاغت الشرائعُ والقوانين الوضعية هذه القضيةَ
عن الاعتدال إلى طرفَي الإفراط والتفريط.
كذلك وضع الحدود
للسادة والعبيد، وللحاكمين والمحكومين، وللأغنياء والفقراء، وللجار وجاره،
وللإنسان والحيوان، وللروح والجسم، فألَّف بين السادة والعبيد بقانون الرِّفق،
والترغيب المتناهي في العتق، وألَّف بين الحاكمِينَ والمحكومينَ بقانون العدل
والمساواة، وبين الأغنياء والفقراء بنظام الزكاة والإحسان، وبين الجيران بوجوب
الارتفاق والحماية، حتى اعتبر الجيرة لُحْمةً كلُحْمةِ النسب أو أشد، ومَحا من
المجتمع نظام الطبقات والأجناس والعناصر، فلا فضلَ لعربيٍّ على عجمي إلا بالتقوى،
ولا عزَّة للكاثر، ولا تعظُّم بالآباء، ولا عصبية بالقبيلة، ولا تفاضل بالجاه
والمال، وجعل لليتيم حرمةً تدفع عنه غضاضة اليتم، ولابن السبيل حقًّا يحفظه من
الضياع وفساد الأخلاق، وللغريب حقًّا يُنسيه وحشة الاغتراب، وجعل ميزان التفاضل
رُوحيًّا لا ماديًّا؛ فالغني أخو الفقير بالإسلام، وليس الغني أخًا للغنيِّ
بالمال، وقرَّر للحيوان الأعجم حقَّ الرفق والتربيب، وحماه من الإعنات والتعذيب،
وأشركه مع الإنسان في الرحمة؛ ففي كل ذاتِ كبدٍ حَرَّى أجرٌ، وحلَّ مشكلةَ الروح
والجسم، وعدَّل ما كان يتخبَّط فيه فلاسفة الأمم من أن العناية بأحدِهما مَضْيَعة
للآخر، فوفَّق بين مطالب الروح والجسم، وحدَّد لكلٍّ غذاءه وقِوامَه، فإذا هما
متآلفان متعاونان على الخير والنفع.
ساس الإسلامُ
الأرضَ بقانون السماء، فأشاع إشراقَه في غسَقِها، وأدخل نسَقَه في الإحكام على
نسَقِها، وقيَّد الحيوانية العارمة في الإنسان بقيود الأوامر والنواهي الإلهية
التي لا خيار معها ولا مراجعة فيها، وبذلك نقل الأمم التي دانت به من حال إلى حال،
نقلها من الفوضى إلى النظام، ومن التنابُذِ إلى التآخي، ومن الخوف إلى الأمن، ومن
الاضطراب إلى الاستقرار، ومن نزعات نفسية متباينة إلى نزعة واحدة أقرَّها فيهم، ثم
أقرَّها في الأرض بهم، ونقل الأمم المتبدِّية إلى حال وسَطٍ من الحضارة المتأنية
المقتصدة، ونقل الأممَ المتحضِّرة إلى حال من الحضارة العقلية، تأخذ بالحُجَّة،
وتمنع من التضخُّم والتهافت، ونقل الأمم المؤلِّهة للملوك والكبراء إلى حال من
عرفان القدر وفهم الكرامة، جعلتهم هم الملوك.
قاد الإسلامُ
أهلَه بقانونه السماوي الشامل لأنواع التدابير المحيطة بمصالح البشر من حرب وسلم،
وخوف وأمن، وسياسة وإدارة، وقضاء في الأموال والدماء والجنايات، وفي بناء الأسرة.
قاد بهذا
القانون أعقلَ سكَّان الأرض إذ ذاك في أعمرِ بقاعها، فما شكا أحدٌ ظلمًا ولا
هضمًا، فإن وقع شيء من ذلك، فهو من حاكم حادَ عن صراطه، أو شخص أخلَّ بأشراطه، وقد
أخذت الأمم الخارجة منه كثيرًا من قوانينه العادلة في فترات احتكاكِهم بالمسلمين،
محاربين أو معاهَدين في الشام والأندلس وإفريقية، كما أخذوا كثيرًا من العادات
الصالحة في تدبيرِ المعاش وفي الحياة المنزلية، وما زال كثير من تلك الأصول بارزَ
العين أو ظاهر الأثَرِ في المدنية الحالية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً