لا مخرج لنا إلا بالقرآن
إنه لم يمضِ على
المسلمين في تاريخهم الطويل عصرٌ هم فيه أبعد عن القرآن منهم في هذا العصر، ولم
يمضِ على الدعاة إلى الحق وقت عظمتْ فيه العُهْدة واستغلظ الميثاق مثل هذا الوقت،
وإنه لا مَخرج لهم من هذه العُهْدة ولا تحلل من هذا الميثاق إلا بالدعوة إلى
القرآن، فلا عجب -ونحن نشعر بثقل هذه الأمانة- من أن ترتفع أصواتنا بالدعوة إليه،
وإنما العجب الذي لا عجب بعده أن نسكت أو نقصر! وإنّ مِن أحكمِ الوسائل لجذب
الأمّة إلى القرآن، وصْفَ القرآن، وتشويقَ الناس إلى الإقبال عليه وتدبّره وفهمه.
فمن التسديد في
الرأي والمقاربة في العمل أن تُرْشَدَ الأمّة الإسلامية إلى معرفة ما ضيّعت من خير
وما خسرت من هداية؛ بتضييعها للقرآن، وإنما تعرف ذلك ويبلغ مكامن الوجدان من
نفوسها، مِن وصْفِه والإشادة بشأنه، والتنويه بجلاله وخطَره، والتنبيه على ما
يحتوي عليه من العلوم الكثيرة بألفاظ قليلة، وتقريب ما ينطوي عليه من المرامي
المفيدة بالكلمات القريبة، وشرح ما فيه من الحقائق المتفرقة بالجمل الجامعة، فإنّ
ذلك يكون أدعى لرجوع النفوس الجامحة عنه إليه، وأعون على فَيْأَتِهَا إلى حِماه
والاستظلال بظلّه والاستمساك بحبله.
وليت شِعري، أيّ
بيان يضطلع بهذا؟! إنّ وصْفَ القرآن وأساليب التشويق إلى القرآن لا توجد على
أكملها في غير القرآن، فلو أن البلغاء من كلّ أمّة وفي كلّ جيل اجتمعوا على أن
يصفوه ببعض ما وصف به نفسه، وكانت قلوبهم على قلبِ رجلٍ واحدٍ، وألسنتهم على لسانِ
رجلٍ واحدٍ لعجزوا وقعد بهم القصور دون الغاية من ذلك.
ولقد وصفه جماعة
من الباحثين في إعجازه وأسراره، والمتكلمين على قصصه وأخباره والمنقِّبين على
مَثُلاته وعِبَره، والغائصين على نُكَت التناسب بين آيهِ وسُوَره؛ فجاؤوا بما يشبه
قصورهم الإنساني لا بما يشبه كماله الإلهي! ووصَفه قبلهم أعداؤه اللُّد من
مَضَغَةِ الشيح والقيصوم أوصافًا منصفة، فما بلغ هؤلاء ببلاغتهم، ولا أولئك
بإيمانهم وعلومهم غايةً مما يريدون.
وصَفه الوليد بن
المغيرة فقال: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه
لمثمر»، فعبّر بهذا الوصف عن وجدانه النفسي وعن أثر القرآن في ذلك الوجدان؛
ولاتصال الشعور بالوجدان جاء هذا الوصف شِعريًّا كما ترى، وكأنه إنصاف منتزع من
نفس جائرة، وإقرار مقتلع من سريرة حائرة.
ووصَفه شرف
الدين البوصيري وصفًا لا غاية بعده من كلام المخلوق في الروعة الشعرية، وتمكّن
الاقتباس، وصِدْق التمثيل، فقال:
الله أكبر إن
دين محمد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
طلعتْ به شمس
الهداية للورى وأبى لها وصف الكمال أُفولا
والحقّ أبلج في
شريعته التي جمعتْ فروعًا للهُدى وأصولا
لا تذكروا
الكُتْبَ السوالف عنده طلع الصباح فأطفِئُوا القنديلا
ويا لله لهذا
التمثيل المحكم في المصراع الأخير وما يحدثه في النفوس المفتونة بالمحسوسات!
إننا نعدّ من
إعجاز القرآن في البلاغة ما هو شائع في جميع آياته من الدقّة المتناهية في تحديد
المعاني، وتصوير الحقائق، وتنزيل الألفاظ في مراتبها، وتلوين الأساليب، والتزاوج
بين الصِّفَتَيْن أو الصفات حتى كأنهما صفة واحدة؛ كالقوي الأمين، والغني الحميد،
والحفيظ العليم، والعليم الحكيم؛ فليقصر الواصفون وليدَعوا القرآن يصف نفسه بتلك
الدقة العجيبة وذلك التصوير الرائع، وليسلك الدعاة سبيلهم إلى نفوس الناس بهذه
الأوصاف الرائعة من هذه الآيات الجامعة؛ فإن ذلك أدعى إلى التأثير والتأثّر، وأبلغ
في باب التشويق من كلّ تبويب في الكلام وتحبير وتزويق، أين يقع كلّ ما وصفه به
البشر من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ
رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ}[يونس: 57]، وما في هذه الآية من جمْع أصول الإصلاح التي جاء بها
القرآن مرتّبة في الذكر ترتيبها في الوجود؟!
وأين يقع كلّ
ذلك من قوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
مُّبِينٌ {15} يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (المائدة)؟! اللهم لا.
كانت الأمّة
العربية قبل الإسلام -ومثلها جميع الأمم- في جاهلية جَهْلاء، فهي من الوجهة
الفكرية في أحطّ الدرجات، ومن الوجهة الاجتماعية في أخسّ الحالات، وكانت لا تملك
من أسباب النهضة إلا لسانًا قويمًا، وفطرة غير معقدة، ولكن ماذا يُغني اللسان
الخصيب إذا كان يصدر عن فكر جديب؟! فجاءها الله بالقرآن وفيه كلّ ما كان الفكر
العربي يتطلبه من العقائد النقية والحقائق العلمية، وكلّ ما كان اللسان العربي
يصبو إليه من آفاق وميادين، فنهض العرب به وبلسانهم الذي نزل به، وأنهضوا الأمم
معهم، تلك النهضة التي زلزلَت العالَم الروحي العقلي فأذهبَتْ مخارقه وثبّتَتْ
حقائقه، وزلزلَت العالَم المادي فذهبت بطغيانه وشروره ورذائله، وأقرّته على
التشريع العادل والمعاملة الرحيمة، ثم لاءمت بين الروح والمادة بمعاني التوسط
والاعتدال البادية في عقائد الإسلام وآدابه وأحكامه، وجاءت بالمعجزة الكونية الكبرى
في تحقيق الحُلم الإنساني بتلك الملاءمة، وهي أمنية عجزت عن تحقيقها كلّ تعاليم
الأرض، ولم تفِ بها تعاليم السماء قبل الإسلام؛ لحكمةٍ وأمْرٍ قد قُدِر.
وانساح الإسلام
في الأرض يُزجي جيوش الأخلاق قبل جيوش الخلائق، وبسط ظلّه على الأقطار الممتازة
بخصوبة الأرض، وعلى الأمم الممتازة بخصوبة الفكر، وزرع تعاليمه في عقول مستعدة،
وأفاض عليها من روحه: إنّ الغاية في هذا الوجود سيادة في الحق وسيادة بالحق، وأن
لا سبيل إليهما إلا بالعلم والعمل، وأن عمران الأرض متوقف على عمران العقول
والنفوس، وبنَى بذلك تلك الحضارة التي لا يُنكرها إلا مكابر يماري في الشمس
وضحاها.
*****************
*المصدر: مجلة «الشهاب»، الجزء الرابع، المجلد الرابع عشر، يونيو- يوليو 1938م.
اقرأ أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً