أعمال الخير تبدأ منك وتنتهي إليك
لن نغادر هذه
الدنيا بما بنيناه أو جنيناه، ولن يكون أيضاً بما أخذناه منها، ولو كان بحسب
تصوراتنا كثيراً، فالدنيا بكل ما فيها عند الله لا تساوي جناح بعوضة، وما نراه
عظيماً وكبيراً سيفنى، ولن يبقى منه شيء، ويكون كثيراً عند الله كل ما أعطيناه
لوجهه ومن أجله، وهي من دلائل رحمة الله بنا وكرمه علينا، فما نقدمه أو نعطيه، وإن
بدا في أعيننا صغيراً، أو في أعين غيرنا ممن يلمزون صدقات المتصدقين وإحسان
المحسنين المتطوعين، فإن الله يربيه ويكبره، ويكون عنده عظيماً.
وإن ما نعطيه أو
نتصدق به، وإن بدا في ظاهره للفقراء، فهو لنا نحن، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه
وسلم أن ما نتصدق به يبقى، وأن ما نكنزه أو نحتفظ به يذهب، والتصدق ولو بالقليل
يفتح لنا أبواب الرزق، وبالصدقة تُشفى أمراضنا، وبها تُمحى ذنوبنا وآثامنا، ومن
يتصدق يربح ولا يخسر، وتزيد أمواله ولا تنقص، بل يضاعفها الله أضعافاً مضاعفة، وهذا
يعني أننا نكون نحن المحتاجين إلى الصدقة، والمستفيدين منها أكثر ممن نقدمها لهم
وإن بدت أيادينا هي الأعلى عطاء وأياديهم الأدنى أخذاً.
والكلمة الطيبة
نطيب بها نحن، وتطيب بها أنفسنا، وننال بها ثواب الدنيا والآخرة، وقبل أن يسعد بها
غيرنا نسعد بها نحن، وتترك أثرها الجميل فينا قبل غيرنا، والكلمة الطيبة تفتح لنا
أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر، وهي هداية وفضل من الله تعالى على عباده الصالحين،
وأثرها يفوق تصوراتنا، ففيها دواء للقلوب، وبها تُبنى جسور التواصل، وأعمدة
العلاقات، وهي تترك أثراً في النفوس لا يزول، ويكفينا أنها في ميزان الله تعالى
صدقة، وفيها نجاة ورحمة، فكم من عداوة تحولت إلى مودة بسبب كلمة طيبة، وهي من أجمل
ما نزرعه في طريقنا إلى الله.
وما نقوم به من
جبر الخواطر يرتد إلينا قبل أن يصل إلى غيرنا، ويلامس شغاف قلوبنا قبل ملامسته
لقلوب الآخرين، وقد قيل: «من سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في جوف
المخاطر»، ولعل من جبرت خاطره يحبه الله، فيحبك الله لأنك جبرت خاطر من يحبه، وقد
أُثر عن الإمام سفيان الثوري قوله: «ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه مثل
جبر خاطر أخيه المسلم».
وأثناء سعينا في
حوائج الناس الدنيوية، فإننا في الوقت ذاته نقضي حوائجنا الأخروية، فقضاء حوائج
الناس من أعظم أعمال البر، وأعظم القربات، ومن سعى في حاجة أخيه كان في معية الله تعالى،
فقد جاء في الحديث: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وفي الحديث
أيضاً: «من مشى في حاجة أخيه حتى يثبتها له، ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام»، ويقول
ابن القيم: «إن في قضاء حوائج الناس لذة لا يعرفها إلا من جربها فافعل الخير مهما
استصغرته، فإنك لا تدري أي حسنة تدخلك الجنة»، وقضاء حوائج الناس من أعمال البر المتعدي
نفعها إلى الغير، التي حث عليها الإسلام، وأكد العلماء فضلها وعظم أجرها عند الله تعالى.
والإحسان،
والبر، وبذل الخير، أياً كان مما يقدمه المسلم لنفسه أو لغيره، فإن أجره يعود
عليه، وسيلقى عاقبته خيراً في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ
لِأَنفُسِكُمْ) (الإسراء: 7)، وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ) (فصلت: 46)، والدنيا مزرعة الآخرة، وكل ما يعمل فيها من خير، صغيراً
كان أو كبيراً، فإن الله يجزي عليه يوم القيامة أضعافاً مضاعفة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً