أمهات المؤمنين.. زوجات النبي الأمين (2)
أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها
تميزت السيدة
عائشة رضي الله عنها بميزات جعلتها محل اهتمام الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى
يوم القيامة، من هذه الميزات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها،
وأن الوحي كان ينزل عليه في منزلها، وزيادة محبته لها وتمرضه في منزلها، بل وموته
على صدرها، ولذا تكون الوقفة مع قدرها وعلو منزلتها على النحو التالي:
زواج السيدة عائشة من النبي
السيدة عائشة
بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
وصديقه في الهجرة ووزيره في الدعوة وخليفته في الرسالة، كان النبي صلى الله عليه
وسلم قد تزوج قبلها السيدة خديجة، إلا أنها لما توفيت، جاءت السيدة خولة بنت حكيم
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ قال: «من؟»،
قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً، قال: «ومن البكر؟ ومن الثيب؟»، قالت: أما
الثيب فهي سودة بنت زمعة، وأما البكر فهي عائشة بنت أبي بكر الصديق، قال: «فاذكريها
لي».
فأتت بيت أبي
بكر وذكرت ذلك له، وكان الناس في الجاهلية لا يتزوجون بنات إخوانهم بالتآخي،
ويظنون أن المؤاخاة تمنع قرابة المصاهرة مثل بنات الأشقاء، فقال لها أبو بكر: وهل
تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه؟ فرجعت خولة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له
ذلك، فقال: «ارجعي فقولي له -كما جاء في البخاري- إنه أخي في الدين، وهي لي حلال»،
فلما علم ذلك أبو بكر قبِل به.
وقد رأى النبي
صلى الله عليه وسلم في المنام أن ملكاً يقدم إليه شيئاً في سرقة حرير، فسأله
الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا؟»، فقال: هذه امرأتك، فكشفها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فإذا هي عائشة، روى البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «أريتك قبل أن أتزوجك مرتين، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير،
فقلت له: اكشف، فكشف فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه».
السيدة عائشة في بيت النبوة
كان النبي صلى
الله عليه وسلم قد خطبها وهي بنت 6 سنوات ودخل بها وهي بنت 9 سنوات ولم يتزوج بكراً
سواها، فعن القاسم بن محمّد عن عائشة قالت: فُضّلتُ على نساء النبيّ صلى الله عليه
وسلم بعشر، قيل: ما هنّ يا أمّ المؤمنين؟ قالت: لم ينكح بكرًا قطّ غيرى، ولم ينكح
امرأة أبواها مهاجران غيرى، وأنزل الله براءتي من السَّماء، وجاءه جبريل بصورتي من
السماء في حريرة، وقال: تزوّجها فإنّها امرأتك، وكنتُ أغتسل أنا وهو من إناء واحد،
ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلّي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن
يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يكن ينزل عليه
وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة
التي كان يدور عليّ فيها ودفن في بيتي(1).
كانت السيدة
عائشة قد نالت منزلة عالية من محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، ففي البخاري عن
أبي عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص على جيش «ذات
السلاسل»، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قلت: من الرجال؟
قال: «أبوها».
هذه المحبة جعلت
السيدة عائشة تعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم بأقل طعام، ففي البخاري عن عائشة
قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام، حتى لحق
بالله، كما أنها رضي الله عنها كانت تستجيب لأوامر زوجها طاعة لله ولرسوله، وكانت
إذا علمت الكراهية في وجه زوجها لأمر ما، سارعت بالابتعاد عما يكرهه النبي صلى
الله عليه وسلم أو تبعد ما يكرهه عنه.
ففي البخاري عن
عائشة أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها النبي صلى الله عليه
وسلم قام على الباب فلم يدخله، فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله، أتوب
إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ماذا أذنبت؟ فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: «ما بال هذه النمرقة؟»، قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال: «إن
أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم»، وقال: «إن البيت
الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة».
فضل السيدة عائشة ومكانتها
نالت منزلة
عالية لقربها من النبي صلى الله عليه وسلم ولنقلها أفعاله صلى الله عليه وسلم في
منزله إلى الناس، فكانت أعرف الناس به من غيرها، وكان من أخلاقها القناعة والورع
والرضا، لم يُسمع على لسانها كلمة شكوى قط، ورغم أنها كانت تشاهد ما يرد بيت المال
من الخزائن والأموال والخيرات بالكثرة الكاثرة، لكنها لم تتقدم قط بأي طلب لزيادة
نفقة ولم يخطر على بالها، وعاشت حياتها حياة زهد وقناعة، لم تتيسر لها الملابس
القيمة والمجوهرات الثمينة الغالية، والقصور الفاخرة الفخمة والنعم اللذيذة،
والعيش الرغيد الهني.
فعند الترمذي عن
مسروق قال: دخلت على عائشة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فدعت لي بطعام
وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت، قال: قلت: لم؟ قالت: أذكر الحال
التي فارق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم
مرتين في يوم.
كانت تتعلم من
النبي صلى الله عليه وسلم وتعلم أصحابه، فكانت إذا سمعت من النبي صلى الله عليه
وسلم ما استشكل عليها لا تسكت بل تسأل حتى تطمئن إلى ما تتعلمه، ففي البخاري عن
عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، قالت:
قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، أليس يقول الله عز وجل: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بِيَمِينِهِ {7} فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) (الانشقاق)، قال: «ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك».
وكما تعلمت، فقد
كانت تعلم غيرها، ففي البخاري عن عائشة أنها سئلت عن قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا
نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً) (النساء: 128)، قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد
طلاقها ويتزوج غيرها، تقول هي: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من
النفقة عليَّ والقسمة لي، فذلك قوله تعالى: (فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا
بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).
وفاة السيدة عائشة
كانت وفاتها في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 58هـ، وصلى عليها أبو هريرة ودفنت في البقيع(2).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً