...

أوهام وأضغاث أحلام!

د. محمود خليل

13 نوفمبر 2025

425

يا جماعة الخير، يا من تسبحون في أحلامكم أو تسرحون في أضغاث أوهامكم، لا هذا ينفع، ولا ذاك يشفع، خاصه إذا كان الأمر متعلقاً بالمسائل الكبرى، والمصائر العظمى للأمم والشعوب

هذان الفريقان من الناس، مهما حسن ظنهما أو ساء، فهو لا يصلح على الإطلاق أن يتناول أمراً عاماً، فضلاً عن أن يصدق في أمر خاص، لأنهما من ضحايا المعركة، وأسرى النزال، ومرضى المشهد المرعب الكبير.

على سبيل المثال، فإن الانتخابات المحلية الأمريكية الأخيرة، التي أسفرت عن فوز زهران ممداني بمنصب حاكم نيويورك، متغلباً على منافسه الصعب أندرو كومو، عمدة نيويورك السابق، الذي تقف وراءه كل مؤسسات المال والأعمال والاستخبارات والتوحش لأمريصهيوني الماسوني الرهيب! (ملحوظة: فاز في هذه الانتخابات 40 مرشحاً ومرشحة من المسلمين في عدة ولايات أخرى، لكننا هنا مع ممداني كدراسة حالة).

ذهب الفريق الأول من المفكرين السابحين في الأحلام إلى أن ممداني هو طارق بن زياد الغرب، ومهدي المسلمين المنتظر!

فهو المسلم، الثائر، الحر، القادم من أرض الشرق، ليقلب الغرب رأساً على عقب، ويعلن من نيويورك نبأ تحرير «الأقصى»، وزوال «إسرائيل»، وما تحت ذلك من كل ظواهر الحصر، والاحتباس الحراري، الذي يعاني منه هذا الفريق المسلم المخلص، قليل الخبرة، ضيق النظرة، سطحي المعالجة، الذي يسقط أحلامه وظنونه على كل شيء يراه، ويفرغ فيه كل انكساراته وانحساراته، ويبالغ بسعادته الوهمية، حتى يصنع من ظنونه غابة من أشجار بلا جذور، ومواسم طيور بلا أجنحة، وما ذلك إلا هراء سياسي كبير، وخلل ثقافي فاحش، وقصور معرفي مهين!

وعلى الجانب الآخر، يذهب السوداويون، الغارقون في أضغاث الأحلام، إلى لعن كل شيء، وتنزيل كل شيء كبير، على جهل ضيق صغير، ويمارسون لعبة العلاج النفسي نفسه، ولكن بالسقوط اللاإرادي في أمراض التوحّد الشامل، بكل تجلياته المسيئة للإنسان، والجان، والوجود والبشرية والحضارة.

يا سادة.. يا كرام..

نحن نسعد بـزهران ممداني، ابن البروفيسور محمود ممداني، الهندي الأوغندي المسلم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، صاحب كتاب «المسلم الصالح والمسلم الطالح.. أمريكا وصناعة الحرب الباردة»، ترجمة حلمي شعراوي، والمنشور بالمركز القومي للترجمة بمصر عام 2009م، الذي بسط فيه الكثير من تفاصيل المشهد، وخلفيات المسرح المعقد الكبير، الذي ازداد تعقيداً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.

كل هذه المعركة بمقدماتها ومنتجاتها الفكرية والسياسية والأيديولوجية، دارت في أمريكا، وبين رحى الأحداث الأمريكية، ووفقاً لمتغيرات الرأي العام الأمريكي، سلباً أو إيجاباً، ومدى تعاطيه مع قضاياه الخاصة والعامة، ومدى اشتباكه بقضايا العالم الآخر، خاصة عالمنا العربي، ونخص الخصوص فيه، قضية القضايا، قضية فلسطين.

إذن، المعركة ليست معركتنا من جذرها إلى أطرافها، ولا كان منتهى أمرها، ما خلاصته: «نحن نملك المال، والكراسي، والقرار.. وأنتم تملكون التصفيق الحار، أو خراب الديار»!

إنما هي معركتنا في حراكها ومنتجاتها، والتعاطي معها يجب أن يتم وفق قواعد المنافع والمضار، والمصالح والمفاسد، في إطارها العالمي الأكبر، وقطرها المركزي الأطول ومحيطها الكوني الأرحب، وهي صالحة للقراءة من مائة وجه ووجه!

كيف استطاع ذلك الشاب المسلم أن يخرق هذه الجدران الفولاذية، لقلعة الماسونية والمال والحكم الصهيوني في العالم؟ وكيف استطاع أن يزلزل عليهم مدينتهم المقدسة؟!

وكيف تمكن ذلك الشاب الوافد إلى أمريكا، المجنس من 8 سنوات فقط، أن يرفع صوته بكل هذه القوة والتحدي، أمام الوحش البرتقالي المجنون الأهوج؟! وكيف استطاع أن يدير ماكينة الانتخابات الجبارة، في أهم وأخطر مدينة في العالم، بهذه العبقرية والابتكار والنفاذ؟!

وكيف استطاع أن يواجه كل «قوارين» أموال الدنيا، المحكومين بالأيدي الأمريصهيونية اللعينة المتجذرة، والمجمدة والمجندة لأهداف «أفعى يهوذا» العالمية وخدامها فقط؟! وكيف استطاع أن يبني تلك الكاريزما الآسرة، في هذا الزمن الوجيز؟!

ولذلك فإن هناك أموراً لا شك، ستبدي منها الأيام ما تبدي، وتخفي ما تخفي، لكن بالنهاية، ستبقي النتيجة الكلية في صالحنا، من الباب إلى المحراب، في كسر المشهد المجرم المحكم الكبير، وفي رفع الصوت بمواجهة هذا الثور البرتقالي الماسوني المتوحش، ومؤسساته الأمريصهيوصليبية، وفي ترديد كلمة «مسلم» على سمع وبصر الدنيا، بكل ما تحمله من انتصار للإسلام في دياره، وإكبار له خارج دياره، وفي الأمل في تغيير واقعنا الفاسد الخاسر المتكلس الخربان، وفي أن الدنيا، لم تفسد كلها بعد، ولم يربحها الصهيونيون كلها بعد، وما زال فيها للمسلمين، ولأشباه المسلمين، قدم وذكر وأيام!

لا يأتيّن أحمق متعالم، قصير النظر، ليشرح لي درساً في العقيدة، أو يعلمني مبادئ التوحيد، ويقول لي: إنه رافضي، وإن الروافض أولى بالحرب من اليهود والكفار، كما قال: سين، وصاد، ولام، وعين، من فقهائنا وعلمائنا، الذين قالوا ذلك، يوم لا كانت أمريكا موجودة، ولا كان ترمب والبنك الدولي موجودين، ولا كانت «إسرائيل» قد أقيمت، ولا كانت الماسونية اللعينة قد أحكمت خناقها على الأرض وأهلها أجمعين، ولا كان المسلمون بهذا الهوان والذل والخزي والتراجع. 

أعرف والله معالم التوحيد مثلك، وربما أكثر وأصدق، وأحياه في كل لمحة ونفس من الذرة إلى المجرة، وأعرف كيف يكون الاقتصاد في الاعتقاد، وتخرجت في «أصول الدين» بجامعة الأزهر بقسم التفسير وعلوم القرآن، بعد حصولي على الدكتوراة من جامعة عين شمس قبل حوالي ربع قرن من الآن، التي أشرف عليَّ وناقشني فيها، أبرز مؤسسي علم الإعلام وثقافة الأطفال بالجامعات العربية، البروفيسور د. محمد معوض، والبروفيسورة د. اعتماد خلف معبد، أولي الجمهورية في عامها في الثانوية العامة، ومفتي الجمهورية في حينها د. علي جمعة، وحصلت عليها بامتياز مع التوصية بالطبع والتبادل بين الجامعات، وأمضيت 34 عاماً في خدمة «إذاعة القرآن الكريم»، لو كانت للسماع فقط لكانت كافية شافية، وإن كان هذا كله، لا يغني مما أريده شيئاً!

وأنا أشد فخراً وفهماً وانتصاراً لسنيّتي، التي بها أحيا، وعليها أموت، وعليها ألقى الله، من أي متنطع، متشدق، متفيهق.

يا بشر!

الأحكام الشرعية للإسلام لا تتغير، لكن تنزيلها بالفتوى على الوقائع، لا بد أن يتغير حتماً، زماناً، وحالاً ومآلاً.

ولا يأتيّن فقيه، مختبئ خلف أصبعه، ليقول: إن زوجته فنانة شبه عارية، أو إن أمه مخرجة سينمائية في هوليوود؟!

أو إنه كان مغنياً للراب؟! أو إنه إحدى منتجات نظرية المؤامرة!

وهل كان منافسوه من اختيار أهل الحل والعقد، المتمرسين بالسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؟!

ولم يتبق إلا أن نقول: إنه لا يلبس الجلباب، ولا ينتعل القبقاب؟!

أفيقوا أيها الحالمون، وتعافوا أيها الواهمون، فلا بالأحلام، ولا بأضغاث الأوهام تسير الأمور، أو يتيسر المعسور.

تقفون والفلك المسخر دائر، وتقدرون وتضحك الأقدار، إن العالم قد تغير، وما ممداني الأب، والابن، وغيرهما من الآلاف في أقطار الدنيا إلا أمارات على الطريق، وإن الصهيوصليبىة قد توحشت حتى بلغت مدّها الأعلى، الذي ليس وراءه إلا الانحدار والانكسار، وها هي قد بدأت تأكل نفسها بكل وضوح، وإن الماسونية العالمية قد بلغت منتهى طغواها، إذ انبعث أشقاها، وعقر ناقة الله وسقياها. 

لقد أطل زمان قطع دابر الثموديين الجدد، الذين يكثرون في الأرض الفساد، ويعقرون ناقة الخير في كل واد، وسيدمدم عليهم ربهم بذنبهم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وإن موج «طوفان الأقصى» بالغ مداه بإذن ربه، وسيستوي على الجودي السفين، فبعداً للقوم الظالمين، ولا تأسَ على القوم الكافرين، ذلك منهم، وعليهم! فماذا منا، وعلينا؟! ومن عجب ترى رجلاً يغار عليه فلا يَغار ولا يُغِير.

يخاصمنا إذا وقفت خطانا، ويخذلنا إذا انطلق المسير.

أفيقوا أيها السكارى، فإن سنن الله لا تحابي، وإن نواميس الكون لا تجامل، وقوانين التسيير والتدبير والتقدير لا تتعطل.

وإن غداً لناظره قريب.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة