أُنس الروح وحلاوة زمان.. "المولد النبوي" في الرواية العربية
أفسحت ذكرى المولد النبوي لمقامها العاطر براحًا كبيرًا في وجدان المسلمين على مر القرون، وتبعًا لذلك اتسعت لها أدوات الإبداع المعبرة عن الابتهاج والحبور والاستقبال السعيد الذي يليق بذكرى الأنوار وبزوغ القمر الأنور محمد صلى الله عليه وسلم. وإن كان أول ما تلقى ذكرى المولد في بهو الكتابة والتصوير هي أقلام المديح الشعري والغناء باسم النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النثر العربي – خاصة الرواية - قدم لنا لوحات ماتعة مُركزة واصفة لحس الجمهور وزحام البهجة، وبرز ذلك الاحتشاد بشكل خاص في القرن العشرين.
أسبوع الأنوار
تكررت في القرن الماضي فعاليات الاحتفال بالمولد النبوي حتى استقرت كمراسم موسمية يمارسها المسلمون كل عام، وقد تناولت أقلام المبدعين تلك المشاهد وحفظتها لنا في ذاكرة الكتابة وأرشيف المباهج. واللافت أن أوعية الإبداع التي احتضنت تلك المراسم كانت تتفتح كل عام عن سابقه وتتكاثر روافدها. وفي ذلك يقول الأستاذ عباس خضر في افتتاحيته لمجلة الرسالة (عدد 761 عام 1948): "ولا أحبَّ إليَّ من أن أبدأ في هذا الأسبوع بالكتابة في هذه المناسبة الكريمة، مسجلًا المظهر الرائع الذي بدا فيه الاحتفال بالمولد هذا العام، من حيث اتجاه الفنون الجميلة إلى الاشتراك فيها، فإلى جانب الأدب من كتابة وخطابة وشعر، نسمع المطربين يصدحون بالأغاني المؤلفة في مدح الرسول وذكرى مولده، ونسمع كذلك التمثيليات الإذاعية والبرامج الخاصة. ومما يلفت النظر أن الجمعيات الدينية كالشبان المسلمين والإخوان المسلمين أدخلت التمثيل في برامج احتفالاتها، فمثلت على بعض المسارح تمثيليات في تاريخ الصدر الأول من الإسلام. وهكذا تعاونت فنون الأدب والغناء والتمثيل على الحفاوة بمولد الرسول في هذا العام".
فالأستاذ عباس خضر "يؤرشف" لنا هنا وقائع الاحتفاء والاحتفال بالذكرى السعيدة ودائرتها الكبيرة في الوجدان العام منذ قرن، بل منذ ألف عام.
المولد النبوي بنكهة مصرية
في كثير من إبداعات نجيب محفوظ يجد القارئ أن المولد النبوي كان أحد بواعثه الوجدانية، بل ينفرد "المولد" بذكرى شخصية خاصة شاركت في تكوين محفوظ، بحسب ما يحكي هو عن نفسه في "حواراته مع سلماوي" فيقول: "وقت أن كنت أسكن العباسية في صباي كانت هناك مساحة شاسعة من الصحراء تُسمى أرض العيون، وكنا نسميها صحراء (مولد النبي)؛ لأن احتفالات المولد كانت تقام كل عام في هذه الأرض الفضاء، أما بقية السنة فكانت صحراء خالية، وكثيرًا ما كنت أجلس فيها للتأمل، وفي بعض الأحيان كان يكون معي كتاب في الشعر أقرأه هناك في خلوة".
ويُفهم من كلام "محفوظ" أن المكان بتسميته هذه احتل موقعًا مهمًّا في روحه ورسم له بعض المسارات والتوصيفات التي سيتكئ عليها بعد ذلك؛ لذلك يذكر الناقد مصطفى بيومي في كتابه "محمد رسول الله في الأدب العربي" أن شخصية الرسول "تتغلغل في نسيج الواقع الذي يعكسه نجيب محفوظ، ومن ثم فهي تؤثر على كافة شخوصه".
وهذا ما نراه يتكرر كثيرًا في روايات نجيب محفوظ، ونجده مع الشخص الواحد في أطواره المختلفة، فمثلًا يقول في "بين القصرين" على لسان الفتى الصغير "كمال" - وهو نفسه الذي يمثل ظلًّا للمؤلف على ورق الرواية - عندما لفته جمال شقيقته يوم زفافها: "أنتِ يا أبلة الآن كالعروس التي يشتريها بابا في مولد النبي"؛ فذروة الجمال لدى الطفل متعلقة بصورة عروس الحلوى التي تنضج دومًا في موسم المولد. وعندما كبر كمال نفسه ودخل بيت حبيبته في "قصر الشوق" بعد ذلك بسنوات طويلة، وقد ناوشته الأسئلة حول وقوعه في الحب وكيف ومتى؟ فيجيب نفسه بارتياح: "ما قيمة التاريخ؟ سحر التقويم المنسي، لعلَّها كانت مولد النبي، وعلى اليقين كانت مولدي!". إن مولد النبي هنا يبزغ كإحداثية زمانية منها البداية دائمًا، وكذلك التقديس.
وفي ميرامار يكرر "محفوظ" عنايته برسم اليوم خارج حارات القاهرة، بل يفعلها هناك على شاطئ عروس البحر حيث "السُّرادِق مكتظُّ بالخَلْق، ساحة المولد كيوم الحشر، والصواريخ تنطلق في الفضاء. انشقَّ النور وانعدم الظلام لمولد أحمد".
في المغرب.. زوايا المحبين
تنضج الحالة الصوفية في المغرب العربي بشكل أقوى، وتبعًا لذلك تتقدم السيرة النبوية وتواريخ آل البيت ومواسم المحبة في الحضور، وتشكل ذكرى "المولد" رافدًا قويًّا للكتابة النثرية، وقد ظهر ذلك لدى الكثيرين على رأسهم الروائي محمد الأشعري الذي قدم لوحات فنية عميقة استدعت المراسم النبوية الصافية ورسمتها باحتراف مجرب مُعاين؛ فيقول في روايته "جنوب الروح": "كان عيد المولد النبوي قد حلَّ، لذلك فقد وجد الزاوية صاخبة، تخترقها طوائف أحمادشة وهي متجهة لسيدي علي بن حمدوش، وطوائف العيساوية وهي متجهة للهادي بن عيسى، فاستهوته مزامير عيساوة وطبولهم، وجذبتهم الأنيقة الجذلانة، فإذا بشيء كالريح يرفعه من الأرض ويحلق به. هكذا وجد نفسه في الزحام الشديد لدخول الطائفة باحة الشيخ الكامل. لم يدرك كيف قطع المسافة، ولا كيف تحمَّل مشاهد الدم والإغماء. كل ما رسخ في ذاكرته هو تلك النشوة التي كانت تجعل جسده مثل سحابة. وخلال تلك النشوة بالذات رأى عينيها، أو على الأصح سقط فيهما كما يسقط الإنسان من مرتفع إلى هوة باردة".
لقد غطس الراوي في بطن الوجد الصوفي والأنس الرفيع في تلك الليلة البديعة واستخرج لنا تفاصيل خاصة عن بهاء الليلة المباركة.
عند "الحكيم".. عرائس المولد شارة الهيمنة
كتب توفيق الحكيم جزءًا كبيرًا من سيرته في "سجن العمر" وقد أطال النفس في وصف حال أمه وخالته وسطوتهما على البيت وعلى زوج أمهما، ولم يجد وصفًا يؤكد به تلك الهيمنة إلا أنهما كانتا محط الهدايا والاستحواذ عليها خاصة المولد النبوي: "فلم يكن الجميع - من زوج الأم إلى أولاده العديدين - إلَّا رهن إشارتها في كل رغبة ونزوة. كانت الهدايا واللعب وعرائس الحلوى في الأعياد والموالد لا تأتي إلا لهما".
وعرائس الحلوى عند الحكيم – بصفته مصريًّا - هي نفسها الموصوفة على لسان "كمال" عند نجيب محفوظ. وهي تحمل رمزية نسائية مستقرة منذ صناعتها القديمة في مصر؛ حيث تكون عروس السكر المصبوغة باللون الأحمر هي الاختيار الأفضل للفتيات.
وفي هذا السياق يذكر المؤرخون – بحسب د. إسماعيل سامعي - أن الفاطميين هم أول من بدأ في صنع العروس من الحلوى في المولد؛ وقد وصفها أحد الرحالة الإنجليز وهو "ماركجرش" الذي عاصر المولد النبوي في مصر بأنها عروس متألقة الألوان توضع في صفوف متراصة، وترتدي ثيابًا شفافة كأنها عروس حقيقية؛ وذكر المقريزي أنها كانت تصنع من السكر على هيئة حلوى منفوخة وتجمل بالأصباغ، ويداها توضعان في خصرها وتزين بالأوراق الملونة والمراوح الملتصقة بظهرها.
في السودان.. يوم الزفة
في السودان أيضًا نذوق طعمًا خاصًّا للمولد النبوي؛ حيث تبدأ الاحتفالات في اليوم الأول من ربيع الأول وفقًا للتقويم الهجري، لتستمر اثني عشر يومًا، وتنتهي باحتفال كبير في الثاني عشر منه، وتتمثل هذه الاحتفالات في مواكب الطرق الصوفية، والمدائح النبوية، والإنشاد الديني، والأذكار، والحلويات الخاصة بالمناسبة، ويُسمى اليوم الأول من الاحتفالات" يوم الزفة، وهو موكب كبير تتقدمه موسيقى الجيش باتجاه موقع الاحتفال الرئيسي في مدن العاصمة السودانية الثلاث، وفي مدينة أم درمان، التي تسمى بالعاصمة الوطنية تنطلق زفة المولد قبيل العصر، بمشاركة رجال الطرق الصوفية وأصحاب المهن.
وقد التقط الروائي السوداني أمير تاج السر تلك الوقائع واستخلص منها مشاهد معبرة في كتابه "أرض السودان: الحلو والمر"؛ حيث يصف حال أحد ملاصقيه وهو عبد الرجال زافو، فيقول عنه: "وكان يكتب أشعارًا مادحة لرسول الإسلام الكريم، يبيعها لأولئك الشيوخ بملاليم قليلة، ويطرب حين يسمعها تردد بأصوات المنشدين في ذكرى الموالد النبوية، والأعياد والاحتفالات الدينية، وربما ينحشر في وسط أولئك المنشدين، يردد معهم".
ومثله فعل الروائي الكبير الطيب صالح فترك لوحة فنية حول حضور المديح النبوي في المولد وغيره، وكيف كان للمداحين مساحة خاصة في كل المناسبات يتصدرونها بأناشيد المولد في الأفراح والمواسم فيقول في عرس الزين: "هناك اجتمع حشد آخر في شكل دائرة أيضاً ويدور فيها رجلان كل منهما ممسك بالطار أحدهما الكورتاوي وعمید المداحین. کان يقول:
نِعم العبًا وروّح بي سَبَلْ القرُش شافْ
العَلمْ لوّخ زاز جدّ الحسين»
وتدمع أعين الناس، وبعضهم يجهش بالبكاء، خاصة الذين حجوا وزاروا مكة والمدينة والأماكن التي يصفها المادح. ویمضي الرجل یهزج، في صوت له بحة اشتھر بها:
انعم العبا وحادا
بي سهل القریش شاف العَلم نادی
زاز جدّ الحسين
فرشولُه الزبیب والتین والحبحب
کاسات من حمیا قالوا له هاك اشرب
زاز جدّ الحسین".
المالد الخليجي
لم يحضر المولد النبوي في أدب الخليج كثيرًا، لكن الاحتفال يظل رائجًا واسعًا له طابعه الندي الخاص؛ حيث يطلقون على ذلك اليوم (المالد) وينشد فيه الخليجيون خاصة الكويتيين والإماراتيين متن البرزنجي (جعفر البرزنجي: عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر) كأحد أهم ما يُتلى في تلك الليلة من مدائح الشعر والنثر.
وقد أكدت الروائية بثينة العيسى على الوزن المعنوي الثقيل للمولد النبوي في صدر الخليجي – الكويتي بشكل خاص - مشيرة أن ذكراه كانت أحد أهم حوافز انطلاق الثقافة الكويتية في بداية القرن العشرين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً