إبراهيم الخولي.. رحلة مع صاحب العقل البلاغي والقلب النبوي
قبل نحو خمسة أعوام
جاد عليَّ أستاذنا الحبيب الدكتور إبراهيم الخولي -رحمه الله- بمكالمة هاتفية طويلة،
ومع أنها كانت من خارج مصر فإن هيبة الشيخ كانت حاضرة بقوة وكأنني أجلس بين يديه، طلبت
من أستاذنا كتابة ترجمة له في سلسلة أعلام الفكر الإسلامي التي دونت منها على صفحتي،
كان الرجل شديد الحساسية عندما ألمس منطقة منجزاته وكأنه كان ينكر ذاته ويعمل في صمت.
تحدثت معه عن مؤلفاته
كل على حدة؛ فوجدت أكثر ما يعتز به كتاب "السنة بيانا للقرآن"، وباح لي بنجواه
في إهداء الكتاب لسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلا: "
سيدي يا رسول الله
بأبي أنت وأمي.. هل لي أن أستأذن في أن أطرق باب خدمتك بهذا الكتاب؟
لئن قعد بي ما أعرف من ضعة شأني وصغر أمري إلى ما أعرف من رفعة قدرك، وسمو مقامك؛ فإن ما أعلمه من سجاحة خلقك العظيم، ونبل تواضعك الجليل ليطمعني في القبول، ويغريني بالإقدام؛ فهل أذنت يا رسول الله؟
إنك ما قلت "لا"
قط لسائل يطرق باب كرمك وأنا أسألك بالله أن تقبلني.
لكم تمنيت لو كنت
بين مَنْ مَنَّ الله عليهم بصحبتك أسابقهم إلى شرف حمل نعلك، وأجاذبهم فضل صب وضوئك
على قدميك الطاهرتين، وأنعم معهم بشرب بقية من سؤرك لا أظمأ بعدها في الدنيا ولا في
الآخرة.
لكن شاء الله أن
أحيا في غير زمنك، وإني لأسأله –طمعًا في كرمه العميم– أن يجعل من سعيي في هذا الكتاب
خدمة لسنتك يعوضني بها ما لم يقدر لي من خدمتك يا رسول الله".
أستاذنا الحبيب المناضل
الثائر الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد عبد الله الخولي، تاريخ نضاله في سبيل إرساء الحق
لا يكفيه مؤلف كبير يتتبع هذا التاريخ، وبقدمه للقارئ معينًا لا ينضب في الاقتداء.
المولد والنشأة
وُلد شيخنا الأستاذ
الدكتور إبراهيم محمد عبد الله الخولي في قرية القرشية التابعة لمديرية الغربية يوم
الجمعة الثامن من شهر ذي الحجة عام 1347هـ الموافق السابع عشر من شهر مايو عام 1929م،
وأقام مع أسرته في قرية فيشا التابعة لمديرية البحيرة.
التحق بمعهد دسوق
الديني، وحصل منه على الشهادة الابتدائية (الإعدادية الآن) عام 1947م، ثم التحق بالمعهد
الأحمدي بطنطا، وحصل منه على الثانوية الأزهرية عام 1952م، ثم التحق بكلية اللغة العربية
بالقاهرة، وحصل منها على درجة الليسانس عام 1956م، وحصل على دبلوم عام في التربية وعلم
النفس عام 1957م، وحصل على دبلوم خاص في التربية عام 1961م، وحصل على درجة الماجستير
بتقدير ممتاز عام 1972م، وكان البحث الذي قدمه بعنوان: "مكان النحو من نظرية النظم
عند عبد القاهر الجرجاني"، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1978م بتقدير امتياز مع
مرتبة الشرف الأولى، وكانت رسالته بعنوان: "مقتضى الحال بين البلاغة القديمة والنقد
الحديث"، وقد طبعتها دار البصائر بالقاهرة عام 2007م. بإشراف الأستاذ الدكتور
كامل الخولي، ومناقشة أد. أحمد الحوفي الأستاذ في كلية دار العلوم، وأد. محمد رجب البيومي.
عُين شيخنا مدرسًا
في التربية والتعليم في مدارس محافظة البحيرة بعد تخرجه عام 1956م حتى عام 1968م، ثم
عُين معيدًا في كلية اللغة العربية بالقاهرة عام 1968م، ثم مدرسًا مساعدًا (محاضرًا)عام
1972م، ثم مدرسًا (أستاذًا مساعدًا) عام 1978م، ثم أستاذاً مساعدًا (مشاركًا) عام 1985م،
ثم أستاذًا عام 1994م.
قدم دورات في طرق
تدريس العربية في كلية اللغة العربية بالقاهرة.
عمل في باكستان لمدة
عامين.
بصمات لغوية خالدة
- التعريض في القرآن
الكريم، طُبع في دار البصائر عام 2004م، ويقع في مائتين وثلاثين صفحة من القطع المتوسط،
عالج فيه شيخنا بعد المقدمة مفهوم التعريض، ودلالته، وعناصر الدلالة في التعريض، والقيمة
الفنية للتعريض.
- "التكرار بلاغةٌ"،
يقع في اثنتين وتسعين ومائة صفحة من القطع الوسط. في حوار عبر الهاتف نطق شيخنا عنوان
هذا الكتاب برفع كلمة بلاغة وبنصبها، وكذا ضُبطت في المطبوع، وهذا الكتاب غايته وبغيته
– كما وصفه أستاذنا -: الانتهاء في قضية التَكرار إلى كلمة فصل؛ تنهي النزاع حول ظاهرة
أسلوبية؛ فاشِيَة في القرآن العظيم؛ تتصل ببلاغته، ويتصل الحديث عنها ببيانه وإعجازه!
هنا: كان لزامًا على هذا الكتاب: أن يقيم للتكرار محكمة عادلة؛ تنفي الزيف عن هُويته،
وتُبين عن وضعيته الحقة: وسيلة بيانية؛ لها قدرها وخطرها بين فنون البيان، وفي هذا
السياق طُرحت تساؤلات كبيرة عميقة؛ تُجلي جوانب القضية، وتحيط بها! كما أن عنوان الكتاب:
(التكرار بلاغة) يحمل دلالتين: دلالة على طبيعة البحث ووجهته؛ فهو بحث بلاغي نقدي في
لبه وجوهره؛ وهذه الدلالة تنبثق عن العنوان متى قرئ هكذا: (التكرار بلاغةً) بنصب كلمة
(بلاغة)، ودلالة ثانية على ما لهذا الأسلوب من قيمة بيانية فنية؛ وهذه تنبثق عن العنوان
إذا قرئ برفع كلمة (بلاغةٌ) على أنها خبر، و(التكرار) مبتدأ! بهذا الضبط المزدوج: يوحي
العنوان – منذ البداية – بجهة البحث؛ وحيثيته، ويوحي – منذ البداية كذلك – بموقف ورؤية
للتكرار؛ يُنحيان عنه المواقف والرؤى الخاطئة؛ والمختلطة. وبهـَـذا يحتل مكانته: فنًا
بيانيًا أصيلًا، وأداة بلاغية مواتية؛ في مقامات ومواقف؛ لا يسعف فيها إلا التكرار!
- الجانب النفسي من
التفكير البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني، يقع في واحدة وأربعين ومائة صفحة من القطع
الصغير.
وهذا الكتاب – كما
وصفه شيخنا -يتناول جانبًا من جوانب تفكير عبد القاهر البلاغي! وفكر الشيخ البلاغي
هو أبرز جوانب فكره، و(دلائل الإعجاز)، و(أسرار البلاغة)؛ هما أشهر كتبه! وإذا كان
فكر الإمام البلاغي ما زال ينطوي على خبيء لم يُكشف عنه بعد. فإن الجانب النفسي منه
هو أشد جوانبه خفاءً، وأصعبها كشفًا، وأعوصها تناولًا وعرضًا!
والدارس لعلم عبد القاهر وتراثه يدرك فيه سمتين تميزانه:
الأولى: خصوصية النظرة
التي يرى بها موضوعه الذي يفكر فيه.
الأخرى: صرامة المنهج
الذي يتناول به ما يعالجه من قضايا ومسائل.
والجانب النفسي الذي
نقصد إليه هنا: هو أمر مختلف عن المنهج النفسي؛ الذي يذكر في الدراسات النقدية والأدبية،
وهو مختلف أيضًا عن النظريات النقدية والأدبية التي تقوم على أصول أو مبادئ نفسية،
وهو مختلف كذلك عن الدراسات النقدية والتحليلية التي تتناول حياة الأدباء والشعراء
وتحلل شخصياتهم من خلال نتاجهم.
والجانب النفسي في
تفكير عبد القاهر البلاغي: هو تفسير وتعليل لتأثير الكلام في نفس متلقيه. لا يكتفي
بالكشف عن الخصائص، والسمات، والشِّيات. وما إليها من نتائج النَّظْم التي تقف عندها
تحليلات البلاغيين عادة؛ ولكنه يتجاوز ذلك؛ ليوغل في البحث عن الأسباب والعلل؛ ذات
الطابع النفسي؛ التي تجعل هذه الخصائص البيانية تُحدث في نفس المتلقي ما يشبه هِزَّةَ
الطرب، أو تخييلات السحر.
هناك آخرون تحدثوا
عن عبد القاهر وتراثه من وجهة نظر نفسية، لكن حديث هذا الكتاب عنه حديث آخر.
- السُّنة بيانًا للقرآن
الجزء الأول، وهو الكتاب الثاني ضمن سلسلة "مأدبة الله"، نشرته الشركة العربية
للطباعة والنشر عام 1993م.
طرح شيخنا بعض الأسئلة
وأجاب عنها من خلال هذا السفر العظيم منها: هل بين السنة والكتاب صلة؟، وما طبيعتها
إن كانت؟، وما أثر التسليم بقيام هذه الصلة؟، وما المنهج الذي يجب اصطناعه للكشف عنها؟،
وما صلة هذا كله بقضية توثيق السنة؟، وإلى أي مدى يفتح الطريق أمام البلاغة لتُوظف
في خدمة قضايا الدين عقيدة وشريعة؟
وفي حوار هاتفي مع
شيخنا قال لي عن هذا الكتاب إنه التاج الذي ألبسني إياه الله، وقد أهداه شيخنا لسيدنا
رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما أشرنا لذلك في مقدمة هذا المقال.
وهذا الكتاب – كما
وصفته منصة القارئ -وضع لخاصة أهل العلم؛ بل لخاصة الخاصة منهم! وقد صيغ عنوانه ليحدد
بدقة موضوعه والغاية منه؛ إذ ينصب انصبابًا على صلة السنة المطهرة بالقرآن العظيم:
من حيث هي بيانه وتبيينه. وصلة السنة بالقرآن ليست من قبيل الصلات بين الآثار الأدبية
أو الآداب الإنسانية! وليست من قبيل الصلات التي يُشغل بها البلاغيون والنقاد! وهي
غير الصلات بين الكتب السماوية، أو بين الشرائع بعضها وبعض! فالصلة بين السنة، والقرآن
العظيم غير هذا كله! هي علاقة من نوع مختلف! ففي ضوء هذا الكتاب: يتهافت منطق من يزعمون:
أن القرآن مستغن بنفسه عن السنة! وتتهافت دعوى أن السنة لها استقلال عن القرآن! وفي
ضوء هذا الكتاب أيضًا: يُفتح طريق وثيق – وإن كان وَعْرًا – لتوثيق السنة؛ إذ يقرر:
أن كل حديث يُحكم بصحته؛ فلا بد أن يكون له أصل في القرآن؛ يشهد له، وأنه متى شهد القرآن
للحديث فهو حسبه!
- لزوميات أبي العلاء
رؤية بلاغية نقدية، يقع هذا الكتاب في ثمان وثمانين ومائة صفحة من القطع الصغير.
يقدم هذا الكتاب
-كما وصفه أستاذنا -رؤية للزوميات أبي العلاء تختلف عن كل ما كتب حولها في القديم والحديث؛
حيث بنيت هذه الرؤية على تأمل عميق طويل للزوميات نفسها، ولم تعتمد على مجرد الروايات
والأخبار والتسامع، واللزوميات في تراث أبي العلاء معلم بارز؛ كمنارة مسجد عتيق في
مصر إسلامي! قيل عن المتنبي "إنه ملأ الدنيا وشغل الناس"! وأبو العلاء –
في تقديرنا – كان جديرًا بأن يملأ الدنيا، ويشغل الناس بأكثر مما صنع أبو الطيب؛ لنتفق
حول هذه الرؤى أو نختلف؛ لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه أن تراث أبي العلاء، واللزوميات
في مقدمته؛ شهادة تضعه في مقدمة من يستحقون الانتماء إلى (الأدب الإسلامي) والانتساب
إلى الأدب الإنساني العالمي! ولسنا نبالغ حين نقول: إن أبا العلاء أحق شعراء العربية
وأدبائها بوصف الشاعر والأديب الإسلامي. لقد التزم أبو العلاء في إبداع ديوان اللزوميات
الضخم ما لا يلزمه؛ فهل كان صنيعه هذا نافلة يثاب عليها، أم تكلفًا يحاسب عليه؟! هو
يقر بأنه تكلف في اللزوميات ثلاث كُلَف، فلِمَ تكلفها وهو واعٍ بآثارها؟ ما دافعه لذلك
وما تفسيره وما أثره؟ هل لديوانه هذا نظير في التراث الشعري العربي قبله؟ ما علاقة
كل هذا بآفة أبي العلاء؟ ما علاقة شكل اللزوميات بمضمونها؟ وإلى أي مدى اقتضى المضمون
فيها الشكل؟ قضايا كثيرة متشعبة ومتداخلة يعالجها هذا الكتاب. تلك بعض منها!
- متشابه القرآن، طبعته
دار البصائر في أربعة وثمانين صفحة، بدأه شيخنا بمقدمة في ست صفحات تكلم فيها عن الحداثة،
وعن العلمانية، وعن فكرهم، ومصادره، وأهدافهم، وبين أفكارهم حول القرآن الكريم كالتلاعب
بالنص تحت ذريعة التأويل الباطل، والقول بتاريخية النص القرآني، وحبسه في إطار البيئة
والزمان والمكان الذي نزل فيه، وقولهم إن العبرة بالمغزى دون المعنى، والقول بالنظر
للنص مقطوعًا عن مصدره، والقول بأن المعول عليه في فهم النص هو المتلقي، وأن لكل قارئ
الحق المطلق في تفسير النص أو تأويله حسبما يتأتى له، والقول بأن النص بعد نزوله وتلبسه
باللغة يصبح إنسانيًّا لا إلهيًّا، ثم تحدث عن موقف المسلمين من التأويل، وذكر أن القرآن
الكريم هو الذي أثار قضية التشابه، واستخدم ألفاظ المحكم والمتشابه، والتأويل، وأرسى
قواعد المنهج القويم لتناول هذه القضية، وبين أن المتشابه هو مجال التأويل وأن إدخال
المحكم في دائرة التأويل يكون ضربًا من الجهل، ثم تحدث عن قضية الكتاب وهي متشابه القرآن،
ومنهجه فيها، ثم جاءت قضايا الكتاب في ثلاث عشرة قضية.
- مقتضى الحال بين
البلاغة القديمة والنقد الحديث، وهو رسالته للدكتوراه، وقد رصد فيه الشيخ حركة البلاغة
العربية، وتطورها منذ نشأتها وعبر تاريخها الممتد، وحرر مناط البلاغة وربطه ربطًا وثيقًا
بقضية البلاغة المحورية: الملاءمة بين المقال والمقام، كما أبرز وضعية البلاغة العربية
الخاصة التي تميزها من سائر بلاغات الأمم، وعبَّد الطريق البلاغة العربية وتجديد مناهج
البحث البلاغي، وصنَّف عمل البلاغيين في دائرتين؛ دائرة التفكير المبدع، ودائرة التنظيم
والتقعيد والتهذيب.
- مكان النحو من نظرية
النظم عند عبد القاهر الجرجاني، وهو بحثه للماجستير، نشر في دار البصائر بالقاهرة عام
2008م.
- منهج الإسلام في
الحياة من الكتاب والسُّنة.
توفي الشيخ إلى رحمة
الله -تعالى- في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك عام 1443هـ الموافق الثامن شهر أبريل
عام 2023م
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً