المعجم القرآني.. أسرار الفرائد اللفظية (2)

«إِدًّا».. لفظة فريدة تصور فظاعة الافتراء

سعد الحسن

30 أكتوبر 2026

8

«إِدًّا».. لفظة فريدة تصور فظاعة الافتراء

وقفنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة عند فريدة من فرائد القرآن وهي كلمة "ضِيزَى" وما تحمله من دلالة الجور في محاجّة المشركين، وفي هذه الحلقة ننتقل إلى فريدة أخرى وهي لفظة "إِدًّا" التي تفتح بابًا في المعجم القرآني لتأمل العلاقة بين الكلمة المفردة والسياق الذي جاءت فيه؛ فهي لفظة قصيرة، لكنها ترد في مقام يستدعي السماوات والأرض والجبال لتصوير فظاعة مقالة بشرية، وردت مرة واحدة في القرآن الكريم، في سياق قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً {88} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً) (مريم: 89).

"الإد" في مرآة اللغة

يدور المعنى اللغوي لمفردة "الإِدّ" حول الأَمْر الفَظِيع العَظِيم، وأَصْلُ الأَدِّ: الشِّدَّةُ والثِّقَلُ، يُقال: أَدَّنِي الأَمْرُ، يَؤُدُّنِي، أَدًّا: إذا أَثْقَلَنِي وعَظُمَ عَلَيَّ، والإِدُّ والإِداةُ: الأَمْرُ الشَّدِيدُ الثَّقِيلُ، ويأْتي بِمعنى الغَلَبَةِ والقُوَّةِ، والإِدُّ: القَوِيُّ، ويُسْتَعْمَلُ لِمَعانِي أُخْرَى مِنْها: العَجَبُ والمُنْكَرُ والشَّنِيعُ والصَّعْبُ، وجَمْعُه: إِدَدٌ، وآدادٌ" (ينظر: معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب، وتاج العروس – مادة: أدد).

"إِدًّا" في المعجم القرآني.. عِظَمٌ يلابسه الإنكار

لا يبعد معنى الكلمة في المعجم القرآني عن المعنى اللغوي؛ إذ فسرها كثير من المفسرين بأنها "الأمر العظيم"، وإن كان تعريفها بكلمة "عظيم" لا يعبر عن كامل أثرها في السياق؛ فالعظمة قد تكون مدحًا لكننا هنا أمام عظمة المنكر وفظاعة الافتراء؛ فهي عظمة في الذم، ومن ثمّ لا يكتمل النظر في هذه الفريدة عند بيان معناها المعجمي؛ إذ يبقى السؤال الأهم: كيف تعاونت مع ما قبلها وما بعدها حتى صارت مدخلًا إلى هذا المشهد الكوني المهيب؟

روى الطبري عن ابن عباس في تفسير (شَيْئًا إِدًّا) أنه قال: "قولًا عظيمًا"، وروى عنه أيضًا تفسيره بالعظيم المنكر من القول، وتلتقي هذه الأقوال عند معنى تتجاوز فيه اللفظة مجرد الكِبَر إلى استفظاع ما قيل واستنكاره.

ويؤكد القرطبي هذا المعنى بنقله عن الجوهري: "الإد والإدة الداهية والأمر الفظيع"، فالكلمة تنتمي إلى مجال الدواهي والشدائد، وتستحضر أمرًا يعظم وقعه ويشتد إنكاره، وهو ما يلائم المقام الذي وردت فيه.

وهنا تظهر قيمة المعجم في القراءة البيانية؛ إذ يمنحنا أصل الدلالة، ثم يأتي السياق ليعين وجهها ومقدارها، فليست "إِدًّا" وصفًا مبهمًا لشيء كبير، وإنما هي تقويم شديد لمقالة نَسَبت إلى الله تعالى ما يتنزه عنه، وإذا كان شرحها بـ"عظيم" يقرب المعنى، فإن استحضار الداهية والأمر الفظيع يكشف ما في هذا العظم من نكارة، وهكذا تتعاضد الدلالات اللغوية لتكامل المعنى.

ومن جهة التركيب جاءت "إِدًّا" نعتًا لـ"شيئًا"، فنقلت هذا الاسم العام إلى وصف محدد الوقع، ويمكن أن نلحظ في التعبير بـ"جئتم" تصويرًا للقول في صورة أمرٍ أتى به أصحابه وتحمّلوا تبعته؛ فالمقالة، وإن خرجت من الأفواه، ذات شأن يحاسب عليه قائلوها، وهذه قراءة لأثر التركيب في موضعه، وليست معنى معجميًا مستقلًا للفعل.

وفرادة اللفظة هنا فرادة ورودها القرآني، فلا يلزم منها أنها كلمة لم تعرفها العرب؛ فقد نقل اللغويون استعمال العرب لها في كلامهم، فقد أنشد الشاعر:

يَا أُمَّنَا رَكِبْتِ أَمْراً إِدًّا    رَأَيْتِ مَشْبُوحَ الذِّرَاعِ نَهْدَا

وإنما موضع التأمل اختيار هذه الكلمة المعروفة في لغتهم لهذا الموضع الواحد، حيث اجتمع استنكار القول مع تصوير هوله.

من حكاية المقالة إلى مواجهة أصحابها

تسبق هذه الفريدةَ حكايةُ الدعوى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا)، ثم يفجأ القارئ انتقالُ الكلام من الغيبة إلى الخطاب: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا)، كان الحديث عنهم، فإذا التوبيخ يواجههم مباشرة، ويضعهم بإزاء ما صدر عنهم دون واسطة الحكاية.

وقد أشار ابن عاشور إلى هذا الالتفات، وذكر أن الغرض منه إبلاغ أصحاب المقالة التوبيخ بصراحة وشدة، وجعل الجملة بيانًا لما تقتضيه مقالتهم من التشنيع والتفظيع، (ابن عاشور، التحرير والتنوير).

وتتضافر في هذه المواجهة عناصر عدة؛ فاللام و"قد" تؤكدان الحكم، وصيغة الخطاب تعين من يتحمل تبعته، ثم تأتي "إِدًّا" في ختام الآية لتجمع الإنكار في كلمة واحدة، وهكذا يتهيأ السامع لما بعدها: لقد صدر أمر فظيع؛ فكيف يكشف البيان مقدار فظاعته؟

ومن اللطيف أن الآية لا تعيد نص المقالة، فقد حضرت في الآية السابقة، وإنما تتجه إلى الحكم عليها، وبذلك يتقدم السياق في خطوات متتابعة: حكاية الدعوى، ثم توبيخ قائليها، ثم بيان هولها، ولكل خطوة وظيفتها، فلا تكرار يعيد المعنى نفسه، بل انتقال يزيده ظهورًا وتأثيرًا.

وهذا الاتصال هو الذي يمنع عزل الفريدة عن بنائها؛ فلو اكتفينا بشرح "إِدًّا" في قائمة مفردات لفاتنا أثر مجيئها بعد الالتفات والتوكيد، وموقعها بين المقالة والصورة التي تبسط فظاعتها، إنها كلمة محورية يصل بها السياق بين تقويم القول واستحضار أثره.

حين تتسع الكلمة للسماوات والأرض

يأتي بعد الحكم الموجز مشهد شديد الاتساع: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً {90} أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً) (مريم)، فالذي وصفته الآية بأنه "إِدّ" ينكشف هوله في سماوات تكاد تتفطر، وأرض تنشق، وجبال تخر.

ويمكن أن نقرأ هذا التتابع بوصفه بسطًا تصويريًا لما أجملته اللفظة: يبدأ السامع بوصف المنكر، ثم يرى أجرامًا عظيمة يستحضر بها مقدار فظاعته، وما اعتاده الإنسان من رسوخ الأرض وثبات الجبال واتساع السماء يدخل كله في المشهد، فيدرك أن القضية أوسع من كلمة يتهاون بها قائلها.

وتتوزع الأفعال بحسب عناصر الصورة: تفطّر في السماوات، وانشقاق في الأرض، وخرور في الجبال، فلا يستقر النظر عند حركة واحدة، بل ينتقل في مشهد تتعدد جهاته وتتساند أجزاؤه، وتبقى "تكاد" دالة على المقاربة، فلا يصح أن نحول التصوير إلى خبر عن انهيار وقع بالفعل.

وللجرس نصيبه من هذا التناسب؛ فالدال المشددة في "إِدًّا" تلتقي بالدال المشددة في "هَدًّا"، فيقترن الحكم على المقالة بصورة سقوط الجبال، ويجوز استشعار قوة هذا الالتقاء في التلاوة، دون أن نجعل للصوت وحده معنى ثابتًا خارج الكلمات والسياقات؛ فالأثر هنا ثمرة اجتماع النطق والدلالة وموقع الفاصلة.

ثم ينتقل السياق من مشهد الهول إلى تقرير الحقيقة: (وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً {92} إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) (مريم)، فيقابل ادعاءَ الولد تقريرُ العبودية الشاملة، ويعود ذكر السماوات والأرض في سياق يبين منزلة الخلق من خالقهم.

وتلك ثمرة الوقوف عند "إِدًّا": أن نرى كيف تسند اللفظة الواحدة بناءً متكاملًا من المعنى والتصوير والمحاجّة، تبدأ القراءة من المعجم، لكنها تنفتح على الالتفات والتوكيد وحركة المشهد ونظام الفواصل؛ وعندئذ تتجلى قيمة الفريدة في موضعها، وتغدو ندرة ورودها دعوة إلى إمعان النظر في إحكام اختيارها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة