إضاءة حول المشروع الفكري للشيخ محمد الغزالي
محمد الغزالي
غنى عن التعريف فهو أحد شيوخ الدعوة الإسلامية الحديثة ومن فقهائها يحمل تاريخاً
يزيد عن نصف قرن من العمل الإسلامي وهو أحد معالم الحركة الإسلامية في مصر وشارك
في بنائها الفكري والفقهي وأسهم بشكل بارز في رسم سياستها، تحرر مبكرا من سيطرة
الأفكار الجامدة والمعتقدات الفاسدة والأيديولوجيات التي تنحي الموضوعية جانبا، فقرأ
في كل الاتجاهات الإسلامية التراثية والمعاصرة وكذلك المذاهب الوضعية ـ كما تدل
على ذلك مؤلفاته ـ فكان باحثا دقيقا ومصلحا ثائراً وفقيها مجدداً، وجاءت مؤلفاته
تمثل معالم الإحياء الإسلامي المنشود ذات رؤية خاصة تجمع ولا تفرق تتسم بالتطور
والمستقبلية اللذين يحتاجها الفكر الإسلامي المعاصر وتحذر من المزالق التي يمكن أن
تقع فيها الدعوة الإسلامية وأعاد قراءة "النص " في ضوء احتياجات الأمة-
في وقت ازدهر فيه الفكر العلماني – فكتب "الإسلام والأوضاع الاقتصادية "
و" الإسلام والمناهج الاشتراكية" وفى محنة الحركة الإسلامية كتب "
الإسلام والاستبداد السياسي"، ثم كتب حين اتهمت الحركة الإسلامية بالتطرف
" من معالم الحق "، "كيف نفهم الإسلام؟ " وكتب حين انتشرت
وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وكانت تبث فسادها في العالم الإسلامي
"الغزو الثقافي يمتد في فراغنا".
أدت عوامل عديدة
دورًا رئيسًا في نشأة هذا العالِم المجدد وقامت هذه العوامل بدور بارز في تشكيله
الفكري. فقد ولد في يوم 22/9/1917 في قرية نكلا العنب من إيتاي البارود بمحافظة
البحيرة بمصر ونشأ في أسرة محافظة يغلب عليها العمل بالتجارة وكان والده من حفظة
القرآن الكريم وقد نشأ الابن على ذلك حيث حفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنوات وتلقى
تعليمه في كتاب القرية، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية حيث أكمل المرحلتين
الابتدائية والثانوية ثم انتقل إلى القاهرة حيث درس بكلية أصول الدين سنة 1927
وحصل على الشهادة العالمية سنة 1941 ثم تخصص في الدعوة والإرشاد حيث نال شهادة
الماجستير سنة 1943 وقد تزوج وهو طالب بكلية أصول الدين ورزق بتسعة من الأولاد .
ومن أهم مشايخه
الذين تأثر بهم فترة الدراسة: الشيخ عبد العزيز بلال والشيخ إبراهيم الغرباوي،
والشيخ عبد العظيم الزرقاوي وغيرهم. وبعد تخرجه عمل إماما وخطيبا في مسجد العتبة
الخضراء ثم تدرج في الوظائف حيث صار مفتشا في المساجد ثم واعظا بالأزهر الشريف ثم
وكيلا لقسم المساجد ثم مديرا للمساجد ثم مديرا للتدريب فمديرا للدعوة والإرشاد.
في سنة 1971
أعير إلى المملكة العربية السعودية كأستاذ في جامعة أم القرى بمكة المكرمة وفى
سنة1981عين وكيلا للوزارة كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر
الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات. ألف ما يزيد على خمسين مؤلفاً في شتى
مجالات الإصلاح ومختلف ميادينه، وقد توفي في الرياض يوم 9/3/1996 ونقل إلى المدينة
المنورة حيث دفن في مقابر البقيع.
البحث عن سر تأخر العرب والمسلمين
من القضايا التي
شغلت عقل وقلم محمد الغزالي تشخيص أسباب تأخر العالم الإسلامي وعوامل تخلفه وفى
مؤلفه القيم "سر تأخر العرب والمسلمين " أشار إلى مجموعة من العوامل
والأسباب التي أدت إلى تأخر الأمة الإسلامية ومن أهم ما أشار إليه، سقوط الخلافة
الإسلامية والذي أدى إلى تفكك الأمة الإسلامية على أكثر من سبعين قومية أو سبعين
جنسية سياسية بلغة هيئة الأمم ولغة (جوازات السفر) على السواء، والخلافة الإسلامية
لم تلق حتفها في حادثة تصادم –كما يقول- ولم تفقد حياتها عقب اغتيال مفاجئ ؛ كلا
بل كان نظام الخلافة يترنح ترنح السكران الفاقد الوعي، وكانت الأدواء الفتاكة تسرح
في جسد الأمة كلها وتهد قواها هداً، ومن ثم فإن السلطان عبد المجيد بعدما وقع في
قبضة الإنجليز لم يفعلوا به شيئاً، لقد تركوه لقومه أو لعملائهم الذين زهدوا في
الخلافة وآثروا الارتداد !! وهكذا تلاشت الدولة الإسلامية الكبرى بعد أن غرقت في
دوامة أخطائها قبل أن تنالها سيوف الأعداء.
كما واجه
المفاهيم المغلوطة التي التصقت خطأ بالإسلام ودعا إلى تصحيحها مثل ما يتعلق
بالمرأة ودورها الاجتماعي ونشاطها الثقافي والذي أكد عليهما من خلال رؤية شرعية
وعقلية، في الوقت الذي أصدر البعض فتاوى بتحريم ذهاب النساء إلى المسجد والقول بأن
صوتها عورة وما إلى ذلك من الفتاوى والآراء المغلقة .لقد وقف الغزالي أمام هذه
المفاهيم الخاطئة التي حاول بعض الجاهلين تغرير المسلمين بها وجعلها من يقين
الأحكام الفقهية في الإسلام، وساق العديد من الأدلة ومن السيرة النبوية التي تؤكد
فساد ما ذهب إليه هؤلاء في دعواهم.
ويستطرد – أيضاً–
إلى عوامل أخرى كإحياء العصبيات الجاهلية وتدخل الأهواء، والاضمحلال العلمي،
والفقر الثقافي الذي أصاب العالم الإسلامي داخلياً، وهو في ذلك يؤكد على الأسباب
والعوامل الداخلية ويراها أكثر أثراً في زيادة وتعميق هوة التأخر والتخلف.
ومن ناحية أخرى
يعيب على المسلمين الذين يتقوقعون داخل أنفسهم إلى درجة الجمود الذي يؤدي في
النهاية إلى الموت، فلم نكلف أنفسنا معرفة الآخر ومعرفة ثقافته ومكوناته العقلية،
ويرى "أننا لم نكن أوفياء لرسالتنا ولا جادين في تعرف العقبات التي تعترضها،
ولا طبائع الأجناس التي تقاومها ".
التجديد والاجتهاد
من أعمق القضايا
التي شغلت الساحة الفكرية في العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة هي قضية الاجتهاد
والتجديد، والتي صاحبتها رؤى مختلفة اتسعت من الإفراط إلى التفريط، لذلك كانت هذه
القضية مما انشغل به الغزالي في تحديدها ووضع العلاج المناسب لها، فالتيار
العلماني رأى في الخروج على الدين تجديداً، والبعض الآخر رأى في التقليد ولو
الأعمى عين يقين الإسلام، بينما رأى الغزالي وسطية الإسلام في عقيدته وأحكامه،
فيكتب "كيف نفهم الإسلام؟" يوضح فيه عناصر التجديد والاجتهاد وشروط
المجتهد وفيما يجتهد وفيما لا يجتهد، فكتب يقول : "إن الاجتهاد لتعرف أحكام
الله في فروع العبادات حق وقد باشرته الأمة الإسلامية بأسلوب بلغت الحرية فيه حد
السرف وعندي أن القول بوقف الاجتهاد في هذا النوع سائغ لأمور تستحق النظر والوزن :
الأول، أن ثمرات هذا الاجتهاد لن تأتي بجديد فوق ما وصل إليه الأولون، فإن نشاطهم
القديم كاد يستنفذ جميع الاحتمالات الممكنة، ووجهات النظر المحترمة، الثاني : أن
ما يجوز استدراكه على المجتهدين القدامى لا جدوى منه، نعم قد يكون حكماً جديداً لم
يدركوه، وصحيحاً لا غبار عليه، ولكن ما قيمته إذا كان غيره يغني عنه، وهو –خطأ كان
أم صواباً– موضع قبول من الله.
والموقف –كما
يذكر-على العكس تماماً بالنسبة للاجتهاد في أبواب المعاملات، فإن القول بانتهاء
عهده جريمة، والزعم بأن الأولين بلغوا حده الأقصى زعم بأن الحياة توقفت، وأقضيتها
تناهت، ونشاطها العمراني شُلَّ، وهذا زعم لا يقوم إلا في أذهان البله.
ويؤكد أن إغلاق
الاجتهاد في أبواب المعاملات مظهر ودليل على حالة الضعف والتأخر في العالم
الإسلامي ويرى "أن جمود الفقه نتيجة ولدها هذا التفاوت أي أن انغلاق باب
الاجتهاد جاء حركة سلبية لضعف الحياة العلمية واضطرابها. بإزاء الفساد السياسي،
وليس حركة إيجابية قام بها علماء لهم وعى أو أسستها مجامع متعاونة تفقه طبيعة
الإسلام وحاجات العصور، وأحوال أهله في حاضر أمرهم ومستقبله ثم تصدر قرارها بعد
ذلك على بصر تام وفي حرية مطلقة ".
التراث والثقافة الإسلامية
من جوانب الإصلاح التي عنى بها الغزالي ما يتعلق
بثقافتنا الإسلامية وتراثنا الإسلامي، حيث وجه النقد إلي المسلم المعاصر الذي فقد
إكسير الحياة للأمة، والذي أدى إلي اضمحلال العقل الإسلامي وضعف الدراسات الدينية،
ثم اضمحلال اللغة العربية وانكماشها أمام التقدم الحضاري وقلة المجيدين لها، وكثرة
اللاحنين فيها دون أدنى حياء، وهذا الضعف الذي أصاب ثقافتنا أدى إلي تعثر وتقهقر
نهضتنا الإسلامية.
وعن التراث يتحدث الشيخ الغزالي معلقاً: إن التراث بطبيعته هو الحياة والأحياء، فإذا مر الزمن على الحياة والأحياء أصبح تراثاً، فيه الخير والشر، فالأمم عادة تتشبث بمجموعها من تراثها تحيا به على نحو ما.
إن خطورة التراث أن يبقى جديداً في العصور الحاضرة،
وهل التراث الذي يبقى جديداً في العصور الحاضرة يحمد كله أو يذم كله؟ لا عصمة
للميراث ولكن العصمة للحقائق إذا كانت حقائق، والهباء لا قيمة له وإن طال عليه
الزمن" (انظر: كيف نتعامل مع التراث؟ سيمنار بالمعهد العالمي للفكر
الإسلامي-القاهرة).
فالميراث –كما
يراه الغزالي- ليس خيراً كله كي نحافظ عليه و نتمثله وليس شراً كله كي نرفضه
ونستبعده، ولكن العبرة بالصالح منه، فيقول : "..ونحن معنا العقل الذي نستطيع
أن ننقد به و نميز الخبيث من الطيب، إن عندنا فعلاً في تراثنا أشياء عندما نتعرض
لها يجب أن نخجل من عرضها ولا ننسب إلى أعدائنا أنهم أدخلوها، فما دخْل «الإسرائيليين»
في قصة الغرانيق ونحن الذين خلقناها، وعندما أرى أنه حتى الآن "القرطبي"
الذي يطبع ويوزع على الناس يقول : إنه في القرآن أغلاط أصلها نحوية قومها العرب
بألسنتهم، وهذا موجود إلى الآن فأي تراث هذا الذي نحتفظ به ولا نريد أن نصححه
ونصوبه".
قضايا المرأة
من أبرز القضايا
التي تعرض لها الغزالي في مؤلفاته، قضية المرأة ويبدو ذلك لأمرين: الأول: إنها
كانت هدفاً لغزو هويتنا الثقافية، الثاني أن هناك سوء فهم كبير لدى بعض الإسلاميين
أنفسهم عن التصور الحقيقي والفعلي لمكانة المرأة في الإسلام والمجتمع الإسلامي،
لذلك تعرض في أكثر من مؤلف لمكانة المرأة في الإسلام، وتطور هذه المكانة في العصر
الحاضر.
الغزالي.. وشروط النهضة
لم يقتصر اهتمام
الغزالي في البحث عن أسباب التأخر والتراجع الحضاري، أو تشخيص العلل والداء الذي
أصاب أمتنا، ولكنه اهتم – أيضاً- بوضع شروط للنهضة الإسلامية والإحياء الإسلامي،
وقد ساعده في ذلك ثقافته الواسعة وإلمامه بالتاريخ القديم والمعاصر على السواء،
وحسن فهمه وتقديره لعوامل الصعود والهبوط الحضاري.
وفي مؤلفه
"الطريق من هنا" والذي كتبه في الثمانينات يؤكد على أن الدولة الأمينة
على الرسالة الإسلامية عليها واجبات ثقيلة نحو الأمة التي تقوم على شئونها، ونحو
الأجيال الناشئة التي تقوم على تربيتها ومن هذه الواجبات، تجديد علوم الدين،
العناية بالتربية، تدريب جماهير المسلمين الفقيرة على الشئون المدنية، الوحدة
الإسلامية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً