تجديد الدور المعرفي للإسلام.. مسؤولية مَنْ؟

تجديد الدور المعرفي للإسلام.. مسؤولية مَنْ؟

صرح ماجنوس، أول رئيس للجامعة العبرية بالقدس في عام 1924م حول طبيعة دور الجامعة والخدمة التي يجب أن تقدمها لليهودية في العالم المعاصر وهي خدمة معرفية بامتياز، يقول: «نريد أن تصير هذه الجامعة –أي الجامعة العبرية- مكانًا حيث اليهودية تخضع للدراسة في جميع مراحلها بل وفي الوقت نفسه حيث يمكن دراسة الإنسانيات، وذلك الذي تتكون منه الحضارة المعاصرة.

هنا لن توجد اليهودية في جانب والإنسانيات في جانب آخر، بل أكثر من ذلك، يجب أن يتحقق نوع من الدمج بين كليهما في كل متناسق، بحيث نعاصر يهودية وقد اغتنت، وإنسانيات وقد اغتنت بدورها واتسعت، إن هدفنا أن نستوعب التطور الاجتماعي خلال القرن الماضي ليس بمعنى التشبه بين الشعوب، ولكن بمعنى الاستيعاب في داخل اليهودية بالكنوز المعنوية للإنسانية، نريد بمساعدة البحث العلمي المتخصص أن نلقي بنظرتنا على الإنسانية من خلال عيوننا ومسالكنا في التصور، دون أن تعمينا حضارة تبدو وقد حكم عليها بالفناء، بسبب تورطها في الترابط مع حياة ميكانيكية وارتباطها بالمنجزات المادية»(1).

 

«فلترة المعلومات».. طوق النجاة من فوضى المحتوى الرقمي | مجلة المجتمع
«فلترة المعلومات».. طوق النجاة من فوضى المحتوى الرقمي | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


ويذكر أن إنشاء الجامعة العبرية جاء قبل 24 عامًا من تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وكان لهذه الجامعة دورها الفكري والمعرفي والعلمي في تأسيس هذا الكيان وتمدده، كما أصبح لها ولمعاهدها ومراكزها العلمية التابعة تصنيفات علمية رائدة في مجال الإنتاج الفكري والمعرفي والعلمي العالمي، والعدوان الأخير على غزة أظهر التمدد العلمي والمعرفي الصهيوني في العالم.

للأسف اخترت في صدر الإجابة عن سؤال المقال بهذا الاقتباس الذي جاء من أشد أعداء الأمة قديمًا وحديثًا، ولكن لا ضير ولا مشاحة في الاقتباس لعله يحفزنا إلى التفكير والنهوض في مستقبل الإسلام والمسلمين على غرار ما فكر وقام به أعداؤنا في التفكير في مستقبلهم وما حققوه.

وواقع سؤال التجديد المعرفي للإسلام في الأمة يشير إلى أن أفكار التجديد لم تنقطع في الأمة حتى في أحلك أوقاتها وأشدها ضعفًا، ففي العصر الحديث وبدءاً من محمد عبده، والأفغاني، ومصطفى صبري.. وغيرهم، تشكل رصيد معرفي في التجديد الإسلامي لا نظير له، ولكن هذا الرصيد الواسع والمتنوع، لم يستطع أن يغير في واقع الأمة شيئاً، ولم تستجب له الأمة كما ينبغي أو ربما لم تلتفت من الأصل.

ونرد ذلك إلى أن برامج التنشئة والتعليم في مؤسساتنا التعليمية الدينية والعامة لم تكن على المستوى الذي تُحول به هذه الأفكار إلى برامج تربية وتنشئة لعقل الأمة، واكتفت هذه المؤسسات بما ورثته من نظم تعليمية على ما بينها من اختلاف وتباين (المؤسسات العامة والمؤسسات الدينية)، حيث توقفت هذه المؤسسات عن التطور والإيناع الحضاري رغم ما تمتلكه من ذخيرة فكرية وبشرية هائلة تستطيع بهما أن تجدد العقل الجمعي للأمة وتسهم في إحداث التغيير الحضاري للمسلمين المعاصرين.

فظهر بعض النبوغ الفردي هنا وهناك الذي ظنه البعض عنوانًا للتقدم وبديلًا لتطوير حالة جماعية حضارية للأمة العربية الإسلامية –على وجه الخصوص- واندمجت هذه الظواهر الفردية في المؤشرات العالمية الغربية الاستلابية تؤدي لها خدمات من حيث لا تدري، بينما إشكالات الأمة الحقيقية لم تكن في بؤرة اهتمام هذه الظواهر الفردية؛ وذلك لأن المناخ العام والاجتماعي طارد لمثل هذا النبوغ الذي اتجه طوعًا تارة وقسرًا تارة أخرى يلبي احتياجات الغرب ويحل إشكالاته في بحوثه وأفكاره.

بينما بقيت القلة التي اتجهت إلى الداخل أملًا وطموحًا أن تلتفت مؤسساتنا التربوية والدينية والجامعية إلى الدور المنوط بها تجاه المجتمع والأمة.

وننقل هنا تحليل وتشريح المفكر حامد ربيع لحالة مؤسساتنا التعليمية والدينية في العالم المعاصر في موقفها من مسؤولية تجديد الدور المعرفي للإسلام قائلًا: إن المؤسسات الجامعية التاريخية في العالم العربي التي كان يُنتظر منها أن تؤدي هذا الدور الحضاري للجامعة في الوقت الحاضر، أولها الجامعة الأزهرية، التي أدت دورًا حضاريًا تاريخيًا، ولكنها لم تستطع تطوير ذلك الدور وانقطع التفاعل بينها وبين الفكر التجديدي.

فبعد محاولة التجديد الفكري في الوظيفة السياسية للحضارة الإسلامية عند الأفغاني، وعقب ذلك على يد الشيخ محمد عبده، فما إن نصل إلى منتصف القرن العشرين حتى نجد هذه الجامعة قد تقوقعت في نفسها وتكاد تُعلن عن تخليها عن وظيفتها الحقيقية، لم تعد الجامعة الأزهرية تمثل القيادة الفكرية، وإنما أضحت جامعة مهنية تعد الأطباء والمهندسين، إن الإصلاح الذي طرأ عليها قد وضع خاتمة للوظيفة الحضارية للجامعة الأزهرية(2).

يشير هنا إلى حالة الجامعة الأزهرية، وقانون إصلاح الأزهر الصادر عام 1961م الذي أتاح إنشاء كليات للعلوم الحديثة بجوار الكليات الأصلية في الجامعة، وفي حقيقة الأمر إن ذلك لم يكن تطويرًا أكثر منه تلفيق لحالة الجامعة الأزهرية العتيقة، وتكريسًا لحالة الازدواجية الموجودة في التعليم الجامعي –بصفة عامة- حيث بقيت الكليات القديمة بمناهجها ومقرراتها كما هي، وأنشئ في مقابلها كليات حديثة بمقررات ومناهج مغايرة تمامًا كما هي حالة الازدواجية في واقع النظام التعليمي الإسلامي الحديث والمعاصر.

والحالة الثانية التي يشير إليها في العالم العربي والإسلامي حالة الجامعات الدينية في البلدان البترولية، ويقصد بها الجامعات التي أنشئت في دول الخليج وسعت إلى أن يكون الإسلام عنوانًا لها أو شعارًا لبرامجها التربوية والعلمية.

إن هذه الجامعات تمتلك المقدرة واليسر الذي يسمح لها بالإنفاق، ولكنها لا تزال تتصور أن وظيفتها تقتصر على تدريس اللغة العربية والانكباب على النصوص المقدسة بصورة تقليدية، ولكنها لا تعكس أي محاولة أو قدرة على التجديد.


دور الأفراد في ريادة المجتمع والأمة | مجلة المجتمع
دور الأفراد في ريادة المجتمع والأمة | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


ومن هذه الجامعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية نموذج واضح لرغبة الإرادة العربية في خلق نوع معين من أنواع الإيناع الحضاري من منطلق التقاليد الإسلامية.

وتوجد نماذج أخرى في الوطن العربي، إلا أن الملاحظة الواضحة على جميع المعاهد والجامعات من هذا النوع هي أنها من جانب واحد لا تزال تعيش أسيرة عالم قد أضحى في حكم التاريخ، ومن جانب آخر هي لم تفهم بعد معنى «الوظيفة الحضارية»، ومن جانب ثالث هي تتجه فقط إلى المؤمن المنتهي إلى التقاليد الإسلامية ولا يعنيها سوى ذلك.

تعاني هذه الجامعات في طبيعتها وبنيتها المعرفية من انغلاق كلي وشامل على أنواع المعرفة والإنجازات والمكتسبات التي حققتها الإنسانية خلال القرون العشرة الماضية، عملية رفض شاملة وكاملة للتسلح بما قدمه العلم المعاصر من أدوات تسيطر على مفاهيم أولئك الذين ينتمون إلى تلك الجامعات، كما تغافلت هذه الجامعات عن دورها التبليغي الإنساني الذي كان ينبغي أن يتضمن في بنيتها المعرفية فهي لا تتوجه فقط إلى الداخل أو إلى الذات، بل هي بالأساس موجهة إلى الخلق والناس أجمعين، ومن هنا نفهم مبدأ أو معيار الإيناع الثقافي للجامعة.




__________________

(1) انظر: حامد ربيع: مدخل في التراث السياسي الإسلامي، ص367.

(2) المرجع السابق، ص363.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة