إعجاز النظم القرآني.. قراءة في تحولات المعنى بين «لو» الشرطية و«ولو» الاستقصائية
تُعد البنية
الشرطية من أبرز التراكيب المحورية في اللغة العربية، ليس لكونها مجرد أداة ربط
نحوية، بل لما تؤدّيه من وظيفة دقيقة في تنظيم هندسة المعنى وبناء العلاقات
المنطقية والزمنية بين الأفكار، فالشرط في جوهره جملة مركبة تقوم على إيجاد وشيجة
تلازمية بين فعل الشرط وجوابه عبر أداة مخصوصة، وهي بنية نعتمدها في تفاصيل حياتنا
اليومية حين نربط النتائج بمقدماتها، كقولنا: «إذا اجتهدت نجحت»، و«إن زرتني
أكرمتك».
بيد أن هذه
البنية حين ترد في النص القرآني، فإنها تفارق حدود الاستعمال التداولي المعتاد
لتكشف عن نظام بيانيّ بالغ الدقة والإحكام؛ حيث تتداخل البنية الشرطية مع الدلالات
الوجودية العميقة لتشييد معانٍ تتجاوز حدود السببية المادية المألوفة؛ ففي النسق
التعبيري القرآني الرفيع، لا يُستدعى الشرط دائماً بوصفه علاقة تبادلية بين سبب
ملموس ونتيجة مترتبة عليه، بل يتحول في كثير من المواضع إلى أداة بيانية كاشفة عن
حقائق مطلقة، كحقيقة النور الإلهي الذي يظهر في النص بوصفه نورا مطلقا قائما
بذاته، متعاليا عن العلل المادية والمسبِّبات الحسيّة، ومؤسِّسا لرؤية معرفية
وجمالية تُعيد تشكيل وعي المتلقي بحقيقة الهداية ومصدرها الرباني.
أثر أداة الشرط في تحول المعنى وتأكيده
تتشكّل البنية
التركيبية والدلالية لأداة الشرط «لو» بوصفها حرفاً يكتسب ماهيته ووظيفته من
السياق الذي يحل فيه، وبالتأمل في الاستعمالات القرآنية، نجد أن «لو» قد فارقت في
مواضع مخصوصة وظيفتها الأصلية (التي هي حرف امتناع لامتناع) لتؤدي دوراً دلالياً
مغايراً؛ حيث لا يُراد بها تعليق وقوع الجواب على تحقق الشرط على وجه الاحتمال أو
الفرضية، بل تصبح أداة تفيد «الثبات والاستغراق».
إن هذا التحول
الوظيفي لـ«لو» يجعلها تدل على تقرير ثبوت الحكم وتحقّقه على جهة الدوام، حتى في
الحالات التي يُنتظر فيها عقلاً انتفاء الفعل أو ضعف تحقّقه، ومن هنا، يُثبت النص
القرآني الأثر والنتيجة حتى مع انتفاء السبب المعتاد، وهو ما ينسجم مع المقام
التشريعي أو العقدي الذي يهدف إلى إبراز قوة الإرادة الإلهية وتمام أثرها في سائر
الأحوال والظروف، مهما بلغت الموانع أو انعدمت الوسائل.
استقصاء الفعل ودور «الواو» في إحكام السياق
يعود السر في
قدرة «لو» على استقصاء الفعل في كل أحواله (قبل الأداة وبعدها) إلى اقترانها بـ«الواو»
التي تسبقها، لا سيما حين تأتي بعد حكم تام ومستقر، هذه الواو ليست مجرد حرف عطف
بسيط، بل هي «واو الحال» أو «واو الاعتراض» التي تعمل على تنبيه المتلقي إلى أن ما
بعدها قد يبدو في الظاهر غير متناسب مع ما قبلها، ولكن الحكم يظل سارياً رغم ذلك.
ولإدراك هذا
الفرق الدقيق، يمكننا المقارنة بين تعبيرين:
1- قولنا: «أكرم
زيداً لو جفاك»: هذا السياق يحمل نوعاً من التلطيف والاستبعاد لحدث الجفاء، وكأن
القائل يفترض فرضاً بعيداً: «إن حدث جفاء» -وهو أمر مستبعد- «فاستمر في إكرامه».
2- قولنا: «أكرم
زيداً ولو جفاك»: هنا تتدخل الواو لتغير المعادلة؛ فهي تفيد الاستقصاء والحال،
بمعنى: «أكرم زيداً في كل الأحوال والظروف، بما في ذلك حالة الجفاء الفعلية»، هنا
نجد قوة وتأكيداً ومبالغة في الحث على فعل الإكرام ليتجاوز كل العوائق النفسية.
وقد أكد علماء
النحو والتفسير، ومنهم السمين الحلبي في «الدر المصون»، وأبو حفص سراج الدين في «اللباب
في علوم الكتاب»، أنه لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على «لو» إذا كانت تنبيهاً
على أن ما بعدها لم يكن مناسبًا ما قبلها.
تجليات الدلالة الشرطية في سورة «النور»
في واحدة من
أبهى الصور البيانية القرآنية، يقول عز وجل: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ
كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا
كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ
وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ وَلَوْ
لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء) (النور:
35)، جاء التركيب الشرطي هنا في (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) متصدراً بحرف «لو» المقرون
بالواو، في نسقٍ إعجازي يستهدف استقصاء جميع الأحوال الممكنة لوقوع الفعل.
إن المتأمل في
الآية يدرك أن المقصود ليس تعليق الإضاءة على شرط سببي (النار)، بل تقرير حقيقة أن
هذا الزيت يمتلك خاصية الإضاءة الذاتية، فالواو هنا تؤدي وظيفة دلالية جوهرية؛ إذ
تنبه إلى أن حال الزيت في الأصل المادي لا يقتضي الإضاءة دون مساس النار، غير أن
النص يتجاوز هذا التوقع المادي ليثبت الإضاءة في حالين متناقضين:
- الحال الأولى:
إذا مسته النار، فهو يضيء كفعل طبيعي.
- الحال الثانية:
إذا لم تمسسه نار، فهو يضيء كفعل إعجازي.
وبذلك يتحقق «الشرط
الاستقصائي» الذي يفيد شمول الحكم وعدم تقييده بفاعل خارجي.
إن الإضاءة هنا
غدت صفة ملازمة لا تنفك عن الموصوف، وليست نتيجة لعلة خارجية، وهذا ما دفع
المفسرين للقول بأن هذا الزيت هو زيت «مشكاة النبوة» أو «الفطرة» التي بلغت من
الصفاء والنقاء ما يجعلها كاشفة للحق بذاتها، وتكتمل الصورة بقوله: (نُّورٌ عَلَى نُورٍ) لتشير
إلى التراكمية الوجدانية وطبقات الهداية التي تتضاعف حتى تنتهي إلى المصدر الأول: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَاء).
صراع الإرادات وثبوت الإتمام في سورة «الصف»
ينتقل بنا
البيان القرآني إلى مشهد آخر في قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف: 8)، هنا
ينطوي التركيب على تصوير بليغ للصراع بين إرادة البشر العاجزة وإرادة الخالق
الغالبة.
تتجلى بلاغة هذا
الموضع في عدة نقاط:
1- الإيجاز
بالحذف: حُذف مفعول الفعل «يريدون» في السياق السابق للآية، إيذاناً بتهوين شأن
مرادهم؛ فمهما كان ما يريدونه، فهو هباء أمام الإرادة الإلهية.
2- اسمية جملة
الحال: جاءت جملة «والله مُتِمُّ نوره» جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، لتعمل
كحال تُبرز المفارقة بين سعي الكافرين للإطفاء وبين حقيقة الإتمام الواقعة فعلاً.
3- الاستقصاء بـ«ولو»:
جاءت «ولو كره الكافرون» لتقطع الطريق على أي توهم بأن كراهيتهم قد تؤثر في
النتيجة؛ فالواو هنا عطفت هذه الحالة على حالات مقدرة أخرى، والمعنى: «الله متم
نوره في حال رضاهم، وفي حال صمتهم، وحتى في حال كراهيتهم الشديدة».
4- حذف جواب
الشرط: حُذف الجواب لدلالة ما قبله عليه، وهو ما يعطي المعنى قوة وقطعية؛ فإتمام
النور غير معلق على أي ظرف، بل هو فعل ناجز وقاهر لكل محاولات الطمس الإنسانية.
الأثر الدلالي في إحكام المعنى واستغراقه
يتبيّن لنا من
خلال هذا التحليل العميق أن أداة الشرط «ولو» في النص القرآني تتجاوز وظيفتها
النحوية الجامدة لتصبح أداة هندسية تشكل الوعي بالحقائق الغيبية والمادية على حد
سواء، إنها تمارس دوراً بيانياً تكثيفياً ينقل الخطاب من مجرد سرد المعلومات إلى
توسيع آفاق الدلالة لتشمل الاستغراق الزماني والمكاني والحالي.
ومن ثم تتجلى
قيمة «ولو» في قدرتها على منح النص صفة «الإطلاق»؛ فهي تخبر المتلقي بأن السنن
الإلهية والحقائق الربانية لا تخضع للمنطق البشري القائم على الأسباب والمسببات
المحدودة، بل هي حقائق ثابتة تتجلى بوضوح في أقصى الظروف نقيضاً، وأبعد الحالات
احتمالاً.
إن هذا الإحكام
اللغوي هو ما يجعل من البيان القرآني معجزاً، حيث تجمع الأداة الواحدة بين دقة
التركيب النحوي وعمق الدلالة الإيمانية والجمالية.
اقرأ
أيضاً:
- تلازم
الضدين.. قوة الإقناع حينما يجتمع الأمر والنهي في خطاب القرآن
- من
روائع الاشتقاق.. قراءة بيانية في قوله تعالى {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ
مَتَابًا}
- بين
«سحر البيان» و«بيان السحر».. كيف حددت اللغة مصير الساحر؟