ابتلاء عروة بن الزبير... إن ذهبت نعمة فقد بقيت نعم
كان عروة بن الزبير صبوراً حين ابتُلي. حكي
أنه خرج إلى الوليد بن يزيد فوطئ عظماً، فما بلغ إلى دمشق حتى بلغ به كل مذهب، فجمع
له الوليد الأطباء، فأجمع رأيهم على قطع رجله، فقالوا له: اشرب مُرقِّداً، فقال: ما أحب
أن أغفل عن ذكر الله تعالى، فأُحمي له المنشار، وقطعت رجله، فقال ضعوها بين يدي ولم
يتوجَّع، ثم قال: لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت في أعضاء. فبينما هو كذلك إذ أتاه
خبر ولده أنه اطَّلع من سطحٍ على دوابّ الوليد، فسقط بينها فمات. فقال: الحمد لله على كل
حال، لئن أخذت واحداً لقد أبقيت جماعة. وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله
عن حاله وسبب ذهاب بصره فقال: خرجت مع رُفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي، ولا أعلم عبسيّا
يزيد مالُه على مالي، فعرَّسنا (استرحنا آخر الليل) في بطن واد، فطرقنا سيل، فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد
غير صبي صغير وبعير، فشرد البعير، فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لآخذ البعير، فسمعت
صيحة الصغير، فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه، فرجعت إلى البعير، فحطم
وجهي برجليه، فذهبت عيناي، فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل، فقال الوليد: اذهبوا إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه.
بيان وفوائد:
1. عِظم الصبر عند البلاء
تحمّل عروة قطع رجله دون جزع، مما يدل على
قوة الإيمان والثبات في مواجهة الشدائد.
2. تفضيل ذكر الله في كل حال
رفضه شرب المخدّر حتى لا يغيب عن ذكر الله
يبين مكانة العبادة في قلب المؤمن حتى في أصعب اللحظات.
3. الرضا بقضاء الله وقدره
قوله: "لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت
في أعضاء" دليل على نظرته الإيجابية ورضاه بما قسمه الله.
4. شكر الله رغم المصائب
عندما مات ابنه قال: "الحمد لله... أبقيت
جماعة"، فجمع بين الصبر والشكر، وهو مقام عظيم.
5. المقارنة تهوّن المصائب
قصة الرجل الأعمى تُظهر أن هناك من هو أشد
بلاءً، مما يخفف على الإنسان مصيبته.
6. الابتلاء سنّة في الحياة
الحكاية تؤكد أن البلاء يصيب الصالحين وغيرهم،
وليس دليلًا على غضب الله.
7. قوة الإيمان تُخفف الألم
ثبات عروة وعدم شكواه رغم الألم الجسدي والنفسي
يبرز أثر الإيمان في التخفيف من المعاناة.
8. التفكر في نعم الله الباقية
بدل التركيز على ما فقد، نظر إلى ما بقي له
من نعم، وهذا مفتاح للطمأنينة.
9. الدعوة إلى الصبر والاحتساب
القصة كلها رسالة تربوية تدعو إلى الصبر،
والاحتساب، وحسن الظن بالله في جميع الأحوال.
اقرأ أيضاً:
طليق الرحمن .. معجزة من معجزات عاقبة الصبر
حين ينتصر الحقّ على القرابة .. قضاء شريح القاضي على ابنه
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً