اتفاقيات «أرض الصومال» كمدخل لتغيير سياسي وأمني في القرن الأفريقي

لم يكن ما جرى في صوماليلاند تحرّكاً سياسياً منفصلاً أو خطوة تفاوضية عابرة فقط، وإنما جاء نتيجة مسار طويل من التراكمات الداخلية والتجاهلات الإقليمية، في لحظة دولية تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى حول واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؛ بوابة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وفي ظل هذا السياق المضطرب، برزت الاتفاقيات التي أبرمتها صوماليلاند مع أطراف دولية -بدءاً من إثيوبيا مروراً بمحاولات الحصول على اعتراف من قوى خارج الإقليم- كدليل على تحوّل خطير يهدد ليس وحدة الصومال وحده، وإنما استقرار عموم القرن الأفريقي والمنطقة البحرية الممتدة من خليج عدن إلى مضيق باب المندب.

القرن الأفريقي يقع في منطقة لم تعد الأطراف الكبرى تتعامل معها كمجرد هامش جغرافي

إن قراءة هذه الاتفاقيات تتجاوز حدود صراع داخلي على السيادة واحتكار السلطة، لتكشف عن سباق جيوسياسي واسع تُختبر فيه حدود الدول، وتتغير فيه موازين القوة، وتستثمر فيه القوى الإقليمية والدولية لحظات الضعف لإعادة رسم الخرائط.

وهنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتحول اتفاقيات صوماليلاند إلى مدخل لإعادة تشكيل القرن الأفريقي على أسس جديدة، أم ستكون شرارة تمزيق تعيد المنطقة إلى مربع الفوضى؟

الاتفاقيات كأعراض لغياب مشروع الدولة المركزية

منذ انهيار الدولة الصومالية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ظلّت صوماليلاند تبني مؤسساتها بصورة منفصلة، لكن دون اعتراف دولي، وفي الوقت ذاته، قدمت الحكومات الصومالية المتعاقبة نموذجاً هشاً في إدارة العلاقة بين المركز والأقاليم؛ ما ولّد شعوراً متزايداً بالمسافة السياسية والنفسية بين مقديشو وهَرغيسا.

فقد غابت الدولة المركزية عن ملفات التنمية، وتراجع حضورها في إعادة توزيع الموارد أو بناء هوية وطنية جامعة؛ ما فتح الباب أمام قوى محلية للتصرف بوصفها كيانات مستقلة عملياً، حتى وإن لم تُمنح الأوراق القانونية لذلك.

وحين وقّعت صوماليلاند اتفاقيات تمنح إثيوبيا منفذاً بحرياً أو تفتح الباب لتعاون أمني أو اقتصادي مع أطراف خارجية، فإنها لم تكن تتحرك في فراغ، حيث رأت فراغاً عربياً وأفريقياً ودولياً طويلاً، وفجوة تنموية عميقة، وتراجعاً في حضور الدولة الصومالية.

وهذه كلها عوامل سمحت لقيادات صوماليلاند بأن تعتقد أن طريقها إلى الاعتراف يمرّ عبر توظيف التنافس الدولي على البحر الأحمر وممرات التجارة، وليس عبر العودة إلى مشروع الوحدة الوطنية.

البعد الجيوسياسي.. القرن الأفريقي في مرمى صراع القوى

يقع القرن الأفريقي في منطقة لم تعد الأطراف الكبرى تتعامل معها كمجرد هامش جغرافي، فالممر البحري الذي يبدأ من مضيق هرمز ويمتد عبر خليج عدن إلى باب المندب وقناة السويس، شريان التجارة الدولية والطاقة والأساطيل البحرية، وكل تحوّل سياسي في هذه المنطقة يُقرأ فوراً من زاوية تأمين خطوط الإمداد أو تعزيز النفوذ العسكري أو موازنة القوى الإقليمية.

ولذلك، تبدو اتفاقيات صوماليلاند مقياساً لاختبار قدرة القوى الدولية والإقليمية على تحريك الحدود السياسية عبر أدوات ناعمة، مثل الشراكات الاقتصادية أو الموانئ، بدل التدخلات العسكرية المباشرة.

خطورة اتفاقيات صوماليلاند تكمن في إعادة تعريف السيادة وفقاً للمصالح لا القانون الدولي

فإثيوبيا، التي لا منفذ لها على البحر منذ استقلال إريتريا، ترى في صوماليلاند فرصة تاريخية لكسر القيود الجغرافية، و«إسرائيل»، من جهة أخرى، تقرأ المنطقة بمنطق الأمن البحري والرقابة على خطوط الملاحة، بينما تبحث قوى أخرى عن موطئ قدم إستراتيجي يمنحها تفوقاً في إدارة التجارة العالمية.

وبهذا، فإن صوماليلاند ليست لاعباً صغيراً، وإنما جزء من رقعة شطرنج واسعة، وكل خطوة تقوم بها لا تُقرأ بمنطق محلي فقط، بل تُدمج مباشرة في خرائط الأمن الإقليمي والدولي.

الأخطار نحو إعادة ترتيب القرن الأفريقي عبر بوابة الانفصال

تنبع خطورة هذه الاتفاقيات من أنها تفتح الباب أمام إعادة تعريف السيادة في القرن الأفريقي على أساس المصالح لا على القانون الدولي.

فإذا استطاعت صوماليلاند أن تفرض واقعاً جديداً عبر اتفاقيات منفردة مع دول تبحث عن مكاسب جيوسياسية، فإن مناطق أخرى قد تنظر إلى هذا النموذج بوصفه طريقاً مماثلاً لنيل حكم ذاتي أو استقلال فعلي، والقرن الأفريقي يحمل من التوترات العرقية والسياسية ما يكفي لجعل أي خطوة انفصالية نقطة انطلاق لسلسلة تصدعات أوسع.

كما أن هذه الاتفاقيات تضعف قدرة الدول العربية على حماية أمن البحر الأحمر، وتعقّد المشهد الأمني في اليمن، وتمنح القوى الدولية الفرصة لتوسيع نفوذها في محيط لم يعد يتحمل أي هزّات إضافية، والأخطر أن تتطور هذه الحالة إلى لعبة «ممرات» بين القوى المتنافسة، تتحول فيها الأراضي والقبائل والموانئ إلى أدوات للتفاوض، لا إلى مكونات لدول مستقرة.

لماذا يتكرر مشهد التجزئة في بيئة واحدة؟

العامل المشترك في المناطق التي تشهد محاولات انفصال أو إعادة صياغة للحدود في القرن الأفريقي غياب التنمية الشاملة، وضعف الأداء الحكومي، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة، فعندما لا يشعر الناس بوجود دولة توفر التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن، يصبح الحديث عن «الانفصال» أو «الإدارة الذاتية» خياراً مغرياً، خاصة إذا توفر غطاء خارجي أو دعم اقتصادي.

وهنا تظهر مسؤولية مباشرة على الحكومة الصومالية والدول الأفريقية والعربية التي اكتفت في كثير من الأحيان بالبيانات السياسية دون تقديم مشاريع تنموية فعلية، فالفجوات التي تركها الغياب العربي والأفريقي ملأتها قوى أخرى، ومعها تضاعف نفوذ اللاعبين الدوليين الذين يرون في القرن الأفريقي فرصة إستراتيجية مفتوحة.

المنطقة أمام مفترق طرق.. إما شرارة لتفكك أوسع أو حافزاً لبناء استقرار إقليمي ودولي

ما يجري في صوماليلاند جزء من إعادة رسم معالم القرن الأفريقي من جديد، وإن الاتفاقيات الأخيرة ليست سوى مؤشر على فراغ سياسي وضعف تنموي وتراجع حضور عربي وأفريقي طال سنوات، وإذا استمرت المنطقة في التعامل مع هذه الأزمة بمنطق ردّ الفعل أو الاكتفاء بالتنديد؛ فإن الممر البحري الأكثر حساسية في العالم قد يدخل مرحلة غير مسبوقة من التمزق والصراع السياسي والعسكري.

وإن استشراف المستقبل يستدعي بناء مقاربة عربية - أفريقية جديدة تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره امتداداً إستراتيجياً للأمن القومي، والإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل الصومالي عبر بناء دولة قادرة، ومن الإقليم عبر توفير الدعم التنموي والاقتصادي، ومن المجتمع الدولي عبر احترام قواعد القانون الدولي وعدم تحويل الموانئ والحدود إلى أدوات للمساومة الجيوسياسية.

القرن الإفريقي يقع اليوم أمام مفترق طرق؛ إمّا أن تصبح اتفاقيات صوماليلاند شرارة لتفكك أوسع في المنطقة، أو أن تكون حافزاً يدفع نحو بناء منظومة تعاون واستقرار تعيد صياغة العلاقة بين الشعوب والدول بعيداً عن صراعات القوى وتنافس الممرات البحرية.


اقرأ أيضاً:

أرض الصومال.. مسار إلغاء «سايكس بيكو» فما التالي؟

مضائق العالم.. شرايين التجارة والطاقة بين الجغرافيا والنار

 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة