احتجاجات فرنسا عرَض لأزمة عامة وسياسية أدهى وأمر
تيم ليستر(1)
قال سيباستيان
ليكورنو، الوزير الفرنسي، الإثنين 19 أكتوبر الجاري: «بصراحة، نحن نواجه فوضى
عارمة».
هذا الوصف ربما
يكون أقل بكثير من الواقع؛ فبعد أعمال شغب واسعة النطاق خلال عطلة نهاية الأسبوع -قدرت
خسائرها بمئات الملايين من الدولارات نتيجة تدمير الممتلكات والنهب- تجد فرنسا نفسها أمام مزيج خطير من التمرد الحضري، والتخبط السياسي، والأزمة الاقتصادية.
وقد اندلعت الاضطرابات خلال عطلة نهاية الأسبوع في مدن كبرى في جميع أنحاء البلاد؛ ما دفع
وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى تقديم استقالته بسبب فشل الشرطة في احتواء
أعمال الشغب.
وشهدت مدن مثل
باريس ومرسيليا وبوردو وغيرها عمليات نهب واسعة النطاق، بينما تعرض مبنى بلدية
ليموج -الذي صمد خلال حربين عالميتين- لأضرار جسيمة جراء حريق؛ ما أدى إلى انهيار
برج ساعته.
اعتقالات بالجملة والاحتجاجات لا تتوقف
وجاءت أعمال
العنف التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع، التي أسفرت عن اعتقال نحو 2400 شخص، في
أعقاب أسابيع من الاحتجاجات التي نظمها طلاب فرنسيون غاضبون من تدهور أوضاع
المدارس، ونقص المعلمين، وضعف الآفاق المهنية، وقد شهدت الاحتجاجات الطلابية، التي
بدأت مع مطلع الفصل الدراسي الخريفي، اعتقال أكثر من 6000 شخص، كما تضررت أكثر من
100 مدرسة.
ومن المقرر
تنظيم المزيد من المظاهرات في عطلة نهاية الأسبوع المقبل، بينما تعتزم النقابات
العمالية تنفيذ إضرابات في نوفمبر المقبل.
تخبط سياسي وشتاء ساخط في انتظار فرنسا
وتواجه فرنسا
شتاءً من السخط في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة الربيع المقبل، حيث
تتصدر مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان استطلاعات الرأي.
في خطاب متلفز
للأمة، الأحد 18 أكتوبر، أدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف، لكنه لم يطرح
أي أفكار للتعامل معها أو اتخاذ زمام المبادرة، وبدلاً من ذلك، حذر من استغلال بعض
السياسيين لهذه الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية، قبل أن يغادر فرنسا في زيارة تستغرق 3
أيام إلى دول الخليج.
وبالمثل، لجأ
ليكورنو إلى أسلوب تبادل الاتهامات؛ فبعد أن اتهم مرشح اليسار المتطرف للرئاسة جان
لوك ميلنشون الحكومة بأنها فتحت الباب للفوضى من خلال تكتيكاتها الأمنية، رد
ليكورنو قائلاً: لا يمكنك المطالبة بإنهاء العنف بينما تقدم في الوقت ذاته أعذاراً
لمن يرتكبونه، هذه مسؤوليتك السياسية أنت.
وقد سعت مارين لوبان،
مرشحة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في الانتخابات الرئاسية، إلى طرح قضية
الهجرة في صلب النقاش، مرجعة أسباب العنف إلى خارجين عن القانون من ضواحي المدن
الفرنسية الفقيرة التي يقطنها جزء كبير من المهاجرين في البلاد.
وقالت لوبان: بلادنا
تقع في كماشة؛ بين العنف والعجز، مشيرة إلى أن قبضتها الحازمة وحدها الكفيلة
باستعادة النظام في ظل ما وصفته بـالفوضى التي تسبب فيها ماكرون.
ومن جانبه، صبّ
جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني، الزيت على النار بمطالبته بتصنيف مليشيات
«أنتيفا»، والجماعات المتطرفة من أقصى اليسار، ومجموعات «البلاك بلوك» كمنظمات
إرهابية.
يُذكر أن أعضاء
مجموعات «البلاك بلوك» يرتدون ملابس سوداء متشابهة ويغطون وجوههم أثناء الاحتجاجات
لإخفاء هوياتهم.
الفوضى السياسية مرشحة للاستمرار
ويرى محللون أن
هذا التشرذم السياسي -الذي أدى إلى شلل البرلمان عقب انتخابات مبكرة دعا إليها
ماكرون عام 2024م لكنها جاءت بنتائج عكسية- مرشح للاستمرار، وهو يمثل جوهر الأزمة
المتفاقمة في فرنسا.
فقد تلاشى
التيار السياسي الوسطي في فرنسا؛ ما أتاح لحزب التجمع الوطني (يمين متطرف) وحزب فرنسا
الأبية بقيادة ميلنشون (يسار متطرف) استغلال حالة الاستياء الشعبي المتزايدة؛ في
حين عجز رؤساء الوزراء المتعاقبون في عهد ماكرون عن مجرد تمرير الميزانية عبر
البرلمان.
وفي مقال لمجلة «ذا
أتلانتيك»، كتب روبرت زاريتسكي، أستاذ التاريخ الفرنسي الحديث بجامعة هيوستن، أن
كثرة المرشحين في الوسط -الذين يحظى معظمهم بقواعد دعم محدودة- ستصب في نهاية
المطاف في مصلحة وصول أحد المرشحين اللذين يمثلان أكبر خطر على الديمقراطية في
فرنسا إلى الجولة الثانية من الانتخابات.
نزعة الانحدار
أدت الأزمة
الراهنة إلى تعميق الانقسام في مجتمع يعاني أصلاً من انقسامات حادة، وإلى جانب
الصدمة والغضب اللذين أعقبا أعمال العنف التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع، تسود
حالة من الاستسلام والتشاؤم، ففي استطلاعٍ أجرته مؤخراً مؤسستا «إبسوس» (Ipsos)، و«بي في
إيه» (BVA)، رأى 85% من المشاركين أن فرنسا في حالة
تراجع، بينما أعرب 98% عن عدم رضاهم عن الوضع الراهن في البلاد.
ومهما كانت
الجهة التي ستتولى حكم فرنسا مستقبلاً، فإن هامش المناورة المتاح أمامها سيكون
محدوداً للغاية، حتى وإن نجحت في تشكيل ائتلاف مستقر.
ويعاني الاقتصاد
الفرنسي من الركود؛ فقد تضرر المزارعون جراء صيف اتسم بحرارة شديدة وجفاف قاس، في
حين ساهم ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً في تأجيج معدلات التضخم.
وعلى الرغم من
أن قطاع السياحة لا يزال يشكل مصدراً قوياً للدخل في فرنسا، فإن مشاهد العنف في
الشوارع -التي انتشرت حول العالم خلال الأيام الماضية- قد تدفع بعض المسافرين إلى
العدول عن زيارة البلاد.
وتسود حالة من
الحذر في أوساط الشركات الفرنسية بسبب هذا التخبط وغياب القرارات الحاسمة؛ إذ
تراجعت الاستثمارات بنحو 1% خلال النصف الأول من العام الجاري، في ظل ارتفاع أسعار
الفائدة.
عبء الديون
فقد ذكر باحثون
في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس في يوليو الماضي أن فرنسا تتحمل واحداً من أثقل أعباء
الديون الحكومية في أوروبا، ومن المتوقع أن يستمر هذا الدَّيْن في الارتفاع في ظل
الجمود السياسي الراهن.
ووفقاً
للمحللين، سيتعين على فرنسا إصدار سندات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة قياسية تصل إلى
340 مليار يورو في العام المقبل، وقد ارتفعت نسبة الدَّيْن العام إلى الناتج
المحلي الإجمالي لتصل إلى 119% في الربع الثاني من هذا العام، وهو ضعف النسبة
المستهدفة من قبل الاتحاد الأوروبي.
وقد أدى قلق
المستثمرين إلى ارتفاع العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات ليصل
إلى 4.9% يوم الإثنين.
كما أن سمعة
فرنسا في أسواق السندات تضررت بفعل مقترح جان لوك ميلنشون بتجميد أو إلغاء السندات
السيادية الفرنسية التي يحوزها البنك المركزي الفرنسي.
وأشارت أكسفورد
إيكونوميكس إلى أن حالة التشرذم السياسي قد تستمر لفترة طويلة حتى بعد انتخابات
عام 2027م؛ ما يعني أن الحكومة الفرنسية القادمة ستواصل تأجيل معالجة أزمة المالية
العامة.
ومن شأن ذلك أن يطيل
أمد حالة عدم اليقين السائدة؛ ما يلقي بظلاله السلبية على الثقة والطلب المحلي، وقد
صرح الجنرال شارل ديجول، الشخصية الأكثر تبجيلاً لدى الفرنسيين، ذات مرة بأن فرنسا
لا يمكن أن تكون فرنسا دون عظمة، فقد كان ديجول يطمح إلى دور عالمي بارز لبلاده
وإلى استقلاليتها التامة.
لكنه، خلال فترة
رئاسته الطويلة، قال لأحد مساعديه: أنا أُبقي هذا العرض المسرحي مستمراً ما
استطعت، أما بعد رحيلي -ولا تخدعوا أنفسكم- فستعود الأمور إلى ما كانت عليه.
تنحى ديجول عن
منصبه بعد عام واحد من اضطرابات عام 1968م التي هزت فرنسا؛ وهي أحداث يقارنها بعض
المعلقين بالصدمة التي تشهدها البلاد اليوم.
عندما تولى
إيمانويل ماكرون الرئاسة، اعتبر بمثابة ترياق لما يسميه الفرنسيون «نزعة الانحدار»،
وهو مصطلح ظهر لأول مرة في قاموس لاروس الفرنسي عام 2016م.
وكتب أحد
المعلقين آنذاك: إنه يقدم خطاباً إيجابياً وبنّاءً للغاية، يفيض بالأمل في
المستقبل، ويظهر أن هناك فرنسا أخرى أيضاً.
وبعد مرور عقد
من الزمن، تشير استطلاعات رأي متعددة إلى أن نسبة التأييد لماكرون تتراوح حالياً
بين 15% و17% فقط، ولا تزال نزعة الانحدار حاضرة بقوة على ألسنة المواطنين، الذين
يطالبون بالمزيد من دولة باتت تعاني من ضغوط متزايدة، في وقت تتقلص فيه مواردها
وقدراتها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً