اسم الله الودود.. 5 دروس في أخلاق المسلم

عزة مختار

21 أكتوبر 2026

47

اسم الله الودود.. 5 دروس في أخلاق المسلم

من أسماء الله الحسنى «الودود»؛ وهو اسم يحمل كل معاني المحبة التي تقترن بالرحمة والإحسان، وقد ورد بالقرآن الكريم في موضعين؛ (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود 90)، وقال سبحانه: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج 14).

وفي معنى الودود يقول ابن القيم: الودود المتودد إلى عباده بنعمه، الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه، وهو الودود أيضاً، أي: المحبوب، قال البخاري في «صحيحه»: الودود هو الحبيب، والتحقيق: أن اللفظ يدل على الأمرين، على كونه واداً لأوليائه، ومودوداً لهم، فأحدهما بالوضع، والآخر باللزوم، فهو الحبيب المحب لأوليائه، يحبهم ويحبونه(1).

في رحاب اسم الله الودود

وهذه 5 دروس أخلاقية نستضيء فيها بمعنى هذا الاسم العظيم:

1- لا تجعل ذنبك يغلق في وجهك باب الرجوع:

بعض الناس ييأس من رحمة الله حين يكررون الأخطاء، فيحسب أن باب التوبة قد أغلق في وجوههم فيعرضون عن ربهم، ويخجلون من الرجوع، لكن الباب مفتوح مهما بلغت ذنوب الإنسان، وذلك من باب الاستغفار والإنابة، ويقرن الدعوة إلى التوبة باسم الله الودود، فيقول تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ).

يقول الطبري في كلمة «ودود»: «ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يودُّه ويحبُّه»(2)، فالتوبة رجوع إلى الودود، وإصلاح لما فسد من العلاقة بين العبد وربه.

وقد حذر القرآن من اليأس من قبول التوبة، فقال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (الحجر 56)، ولكن ذلك لا يعني الإصرار على الذنب، فالتوبة الصادقة لا تكون إلا بالإقلاع التام عن الذنب، وبرد حقوق العباد إذا كان الذنب يتعلق بهم، ومن عرف ربه الودود، لم يجعل من ذنبه حجة لليأس.

2- لا تختصر علاقتك بالله في الخوف وحده:

ويفتح لنا التأمل في اسم الله «الودود» باباً لفهم العلاقة التي يجتمع فيها حب الله والخشية منه ورجاء رحمته؛ (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)، اقتران المغفرة بالود، فالله يغفر لمن تاب إليه، واسم الله الودود يوقظ محبة الله تعالى في قلب المؤمن، ومن ثم يأخذ بيده إلى الاستغفار، والرغبة في التوبة الصادقة ابتغاء مرضاة الله الودود، ومن هنا يتقلب قلب المؤمن بين الخشية والرجاء والمحبة والأمل.

3- أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك:

ومن اسم الله «الودود» يتعلم المؤمن أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، في ترقية، أو باب رزق جديد، أو توفيق في تربية أبناء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه البخاري، ومسلم)، وما أشد احتياجنا اليوم لتجديد مشاعر المحبة والأخوة بين المسلمين.

4- اجعل المحبة سلوكاً يراه الناس:

الجميع يدعي المحبة، بينما البعض لا تظهر عليه أماراتها، فالأب يؤكد محبته لأبنائه، بينما سلوكه معهم العنف والتوبيخ، والصديق يذكر دائماً أنه يحب صديقه، بينما الآخر لا يرى منه إلا الجفاء وسوء النصح، فهل يعفي صدق النية من مسؤولية الخلق الحسن؟

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إظهار المودة والحب قولاً وفعلاً، فبينما كان يقبّل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم، لا يرحم» (متفق عليه)، والبعض يحسب أن الشدة والصرامة تحمي الأبناء من الانحراف، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (صحيح مسلم).

5- لا تجعل الخصومة أقوى من رغبتك في الإصلاح:

قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10)، والإصلاح يقتضي الاعتراف بالخطأ من المخطئ، ويقتضي ألا يجعل الخصم الخطأ مبرراً للظلم، وفي ذات الوقت لا يدفع الرغبة في الإصلاح، أن يقبل المسلم الظلم، أو يتهاون في حقه، فهناك فرق بين العفو عن الإساءة والتنازل عن الحقوق.

ومن هنا، فإن التأمل في اسم الله الودود يدعونا إلى مراجعة طريقة تعاملنا مع الخصومة؛ لا لأن كل خلاف يمكن أن ينتهي بالمصالحة، ولا لأن كل علاقة ينبغي أن تعود كما كانت، بل لأن المؤمن لا يجعل الأذى مبرراً للتعدي، وإن لم تتحقق المصالحة، بقي العدل، وبقي حفظ اللسان عن الظلم والتشهير من الأخلاق التي لا تسقط بسبب الخصومة

الهوامش
  • 1 ينظر: التبيان في أقسام القرآن، ص 59، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة، ص 18.
  • 2 تفسير الطبري.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة