الأثرياء في الفضاء الاجتماعي.. ترف أم رفاهية؟

د. مي سمير

13 أغسطس 2025

1028

الأثرياء في الفضاء الاجتماعي.. ترف أم رفاهية؟

تناول الوحي القرآني مسألة الثروة في السياق الاجتماعي بمفهوم شديد الخصوصية والتفرد، إذ أطلق الوحي على أصحاب الثروات لفظ «المترفين»، وهو اللفظ الذي ورد 8 مرات في الكتاب العزيز، جاءت جميعها في سياق سلبي، ليس من قبيل رفض الثراء في حد ذاته ولكن في إطار مناقشة الأدوار الاجتماعية شديدة الخطورة لهذه الفئة وتأثيراتها السلبية على الآخرين.

وهو الأمر الذي غفل عنه كثير من الدارسين الذين تناولوا مفهوم الترف في القرآن وانعكاساته السيئة على الشخص المترف في حياته الخاصة وإيمانه الفردي بعيداً عن الإسهامات الضارة للمترف في السياق الجمعي التي هي أشد خطراً وأجدر بالالتفات والمناقشة، ولكننا إذا تأملنا المفهوم في إطاره القرآني نجده قد ورد دائماً بصيغة الجمع؛ لأن المفهوم مرتبط قرآنياً بفئة اجتماعية وليس أفراد متفرقين.

فكيف يمكن لأصحاب الثروة إفساد المجتمع؟ وما أهم الاختلافات بين الرؤيتين الإسلامية والغربية في التعاطي مع أصحاب الثروة؟ وكيف انعكس ذلك التمايز في عصرنا الراهن لتبين بجلاء مدى رجاحة الرؤية القرآنية للمترفين؟

في معنى الترف

يعرف ابن منظور في مؤلفه الضخم «لسان العرب» «الترف» على أنه التنعم، والترفة لديه هي النعمة، والمترف: الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش، وأترفته النعمة؛ أي: أطغته، والمترف: المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها، ورجل مترف: موسع عليه، وترف الرجل وأترفه: ملكه، وأترف الرجل: أعطاه شهوته.

لكن القرآن قد تناول الترف بمعانٍ محددة في مواضع عدة، ففسر ابن كثير المترفين على أنهم: أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، فلم يقصر تلك الفئة على الثروة فقط، بل أضاف بعداً قيادياً فتناول المترفين باعتبارهم نخبة المجتمع وسادته وأصحاب القرار، أما لدى الطبري فقد فسر المترفين بمعنى الكبراء؛ وهو ما يعني أيضاً الارتباط بين الترف في السياق القرآني والسيادة والحكم وامتلاك زمام القيادة في المجتمع، ولذلك كان الخطاب القرآني شديد التحذير من آثار المترفين على من هم في إمرتهم ونتاج سيادة هؤلاء على  المجتمعات.

«النخبة والصفوة».. كيف تناول القرآن المجتمع النخبوي؟ | مجلة المجتمع
«النخبة والصفوة».. كيف تناول القرآن المجتمع النخبوي؟ | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×

الأخطار الاجتماعية للمترفين في الخطاب القرآني

وقد ربط القرآن بشكل واضح بين الترف والإفساد في الأرض وتكذيب الأنبياء؛ (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (سبأ: 34)، ويعود ذلك إلى ما يخلقه الترف في نفوس المترفين من انشغال بالنعم عن الطاعة والاستغراق في الشهوات والملذات التي تميت القلب عن الإيمان واستحضار عظمة الخالق، وهو ما جعل قارون يقول اغتراراً بماله: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) (القصص: 78)، بينما قال صاحب الجنتين: (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً {35} وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً) (الكهف).

فالترف طغيان الجسد على النفس وطغيان المادة على الروح، وكثرة المال فتنة عظيمة قد تكون أشد خطراً من الفقر، إذ يظن البعض بأن المال معيار رضا الله جل شأنه عن العبد، وهو ما دفع بعض المغترين حين رأوا قارون إلى التمنِّي: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص: 79).

وهو ذات الأمر الذي يشجع أصحاب المال من الأثرياء والمترفين على الاعتقاد بأن أموالهم مسوغاً لقيادة مجتمعاتهم والتحكم في مصائر العباد، وهو ما أورده القرآن على سبيل التحذير من الانقياد للآخرين استناداً لمعيار المال: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب: 67)، وهنا يأتي الدور الاجتماعي المفسد للأثرياء بفتنة الناس في دينهم وتوظيف المترفين لثرواتهم ونفوذهم لترسيخ مصالحهم ولو على حساب المجتمع بأسره.

ترف أم رفاهية.. من المجتمع إلى السوق

تؤشر إحدى أهم المقولات الاقتصادية «رأس المال جبان» على السمة الرئيسة التي يتصف بها الأثرياء، وهي عزوفهم عن المخاطرة التي قد تؤدي إلى فقدان رؤوس أموالهم، وهو ما يخلق دوراً سلبياً بالغ السوء على المجتمعات، التي تحولت في الأدبيات الرأسمالية الحديثة إلى أسواق، فتم تجريد الفضاء الاجتماعي من إنسانيته وتكافله ليصبح مجرد أداة رأسمالية لتحقيق الربح.


الرأسمالية.. غُول ينتهك حقوق أطفال العالم | مجلة المجتمع
الرأسمالية.. غُول ينتهك حقوق أطفال العالم | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


ويشكل المترفون (الأثرياء) خطراً على المجتمع من نواحٍ عدة، منها:

- مقاومة التغيير والإصلاح: (وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف: 23)، يشكل التغيير خطراً على المترفين لأنه ينذر بخلخلة الأوضاع الاجتماعية التفاوت الطبقي، بما قد يقلل الفجوة بين الأثرياء والفقراء، وهو الهدف الذي ترفعه كافة دعوات الإصلاح الديمقراطية أو مطالبات العدالة الاجتماعية، وهو ما يظهر في حرص الدول الغنية على تكريس الفقر في دول العالم الثالث وإثارة الحروب والنزاعات بها بشكل دائم.

- التشجيع على الاستهلاك: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ) (الواقعة: 45)، يشير القرآن الكريم إلى أن من أهم سمات أصحاب الشمال هي أنهم كانوا منعمين في الدنيا مقبلين على الملذات منصرفين عن الطاعات، وهو ما يتبدى في الدعوات الدائمة من الدول الرأسمالية وكبار رجال الأعمال لتشجيع الاستهلاك وتكريس مطاردة الفقراء لحلم الترقي الاجتماعي عبر حثهم على الشراء، فيتحول الشخص إلى منعم وإن عن طريق الاستدانة والرهونات، وخلق معايير مادية استهلاكية للسعادة متجددة بشكل دائم تحت شعار الموضة.

- خلق نمط التبعية: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16)، يستهدف أصحاب الثروة بشكل دائم خلق تبعية مجتمعية دائمة لهم، إما على الصعيد المحلي بالسيطرة على منابع النفوذ والقيادة، أو على الصعيد الدولي بترسيخ الدول الغنية سيطرتها وتحكمها في مصائر الدول الفقيرة، بغرض تحقيق استفادة دائمة من تلك التبعية السياسية والاقتصادية.

- الإفساد في الأرض: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (هود: 116)، يقدم أصحاب الثروة من المترفين قدوة فاسدة لمجتمعاتهم، عبر إشاعة الاعتقاد بأنهم أعلى درجة من سائر أفراد المجتمع بحكم تمتعهم بالثروة والرخاء: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ: 35)، وهو ما يدفعهم إلى الطغيان على المجتمع لاعتقادهم بأن ثرواتهم دليلاً على كفاءتهم وحكمتهم في القيادة والاستثمار.

ومن موقع القيادة يسعى هؤلاء المترفون للترويج لقيم التنعم والانغماس في الملذات باعتبارهم قدوة لمجتمعاتهم، ومحاربة الزهد والإيمان والنماذج الصالحة في المجتمع من أصحاب العلم والإيمان، فيسهمون بذلك في فتنة مجتمعاتهم وإفسادها ومن ثم قيادة مجتمعاتهم إلى الهلاك: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) (إبراهيم: 21).

وأخيراً، فإن العقلية الرأسمالية التي باتت مسيطرة اليوم على مجتمعاتنا محلياً ودولياً جعلت المترفين في مركز قيادة العالم، فتراءى أمام أعيننا عواقب الأفعال التي سبق ومارسها المترفون عبر العصور كما أخبر بها الوحي القرآني، ولا أدل على ذلك من سيادة عقلية الربح فوق كل اعتبار إنساني أو أخلاقي، فبات الإنسان سلعة واستحال القتل تجارة وأصبح الاستهلاك والتنعم غاية وفضيلة، فغاب الإيمان وانزوى الزهد وتراجعت الهمة والعزيمة، ولا سبيل إلى استعادة ذلك كله إلا بإدراك خطر المترفين وزعزعة سيطرتهم الاقتصادية والسياسية والفكرية على المجتمعات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة