الأخوّة العربية والحرب الرقمية!
في الوقت الذي
تعرضت فيه دول الخليج للقصف والاعتداء المباشر وغير المبرر من قبل الدولة
الإيرانية، التي وجدت نفسها في مواجهة مفتوحة مع الحلف الصهيوني الأمريكي، كان
هناك حالة من الضبابية المتعمدة والفرقة المفتعلة.
هذه الحالة كانت
تخفي وراءها حرباً نفسية ورقمية أحدثت حالة من حالات الفرقة بين الإخوة في اللغة
والدين.
إن العدو
الصهيوني الذي يصعب عليه مواجهة الأمة مجتمعة هو صاحب المصلحة الأولى في إحداث
حالة من الخلاف والجدل والتشرذم، وعبر الطابور الخامس الرقمي يتحول الخلاف إلى
حالة من الصراع الحاد يتم فيه تبادل الاتهامات والتخوين والتهديدات عبر قطاع بالغ
الضآلة والتطرف.
خوارزميات منصات
التواصل تقوم بتصعيد هذه المنشورات المستفزة، وتصنع للمتتبع فقاعة رقمية، فيتصور
من كثرة الإلحاح على هذه المنشورات أنها تمثل الرأي العام العربي، بل والأخطر من
التصور أنه يكون منزلقاً سهلاً لآخرين للدخول في معركة مزيفة بين أشقاء اللغة
والدين والتاريخ.
تهديد الخليج
الحقيقة المؤكدة
أن الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية ترفض أي تهديد للخليج، حيث تشير استطلاعات
المؤشر العربي إلى أن أكثر من 60% من المشاركين في الاستطلاع يرون أن دول الخليج
هي ضمانة لاستقرار المنطقة، بينما يرى 70% منهم أن هناك رابطة عميقة ومصيراً مشتركاً
واحداً يجمع بين جميع الدول العربية.
والحقيقة
الغائبة أن الأغلبية الساحقة لا تشارك في استطلاعات الرأي، ولا تدخل معارك كلامية
على منصات التواصل الاجتماعي، فهي أغلبية صامتة ولكنها ليست محايدة، بل هي منحازة
تماماً لشعوب الخليج لأسباب كثيرة ومتعددة، وأهمها هذا الامتزاج بين الشعوب، فحجم
الجالية العربية في الخليج الذي يتجاوز 10 ملايين يمثل ثقلاً بشرياً كبيراً لا شك
أنه يرفض أي اعتداء على دول الخليج التي أصبح جزءًا منها، والعربي الذي عاش في
الخليج وامتزج بالثقافة الخليجية ونمط الحياة في الخليج اعتبر نفسه جزءاً من
النسيج البشري، ولم يعد يرى في معيشته هناك غربة بل عانى الكثير منهم عند العودة
للوطن من الشعور بالاغتراب في الوطن الأصلي.
ومن الحقائق
أيضاً أن الأغلبية العربية التي تعيش في الخليج شاركت في عمل حملات رقمية قوية
لدعم شعوب الخليج وتعاطوا بإيجابية مع وسوم، مثل: «أمن الخليج خط أحمر»، و«الكويت
خط أحمر»، و«اللهم احفظ السعودية»، ونفس الوسوم تكررت مع البحرين وقطر والإمارات
وعُمان.
العرب الذين
يقيمون في الخليج لديهم ملايين العائلات والأسر في بلادهم، كانوا يعانون من القلق
والتوتر والفزع كلما رصدت الأنباء خبراً عن قصف بالصواريخ أو المسيرات استهدف
واحدة من دول الخليج، لكنهم لا يملكون إلا الدعاء أن يحفظ الله هذه البلاد، فكيف
يزعم البعض أن الشعوب العربية فاترة المشاعر عندما يتعلق الأمر بأرض الأشقاء وبلاد
الحرمين؟!
قيم الأخوة
التضامن العربي
مع دول الخليج وشعوبها لا يعتمد على الركيزة الاقتصادية فقط (رغم أهميتها الإستراتيجية)
بل هو تضامن مرتبط بالعقيدة والإيمان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، فكيف لمؤمن أن يقبل بظلم
أخيه؟ كيف لمؤمن أن يشعر بالأمن، وأخوه تحت القصف يشعر بالخوف؟ كيف لمؤمن أن يقبل
أن يدفع أخوه ثمن جرم ليس له يد فيه؟ وأن يتعرض أخوه لقصف أعمى من باب الانتقام
غير المبرر؟
المؤمن الحقيقي
يعرف أن حرمة دم المسلم أشد عند الله من حرمة الكعبة، فعن غير واحد من الصحابة أنه
صلى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة، فقال: «لقد شرفك الله، وكرمك، وعظمك، والمؤمن
أعظم حرمة منك»، فكيف يقبل أن يصمت عن قصف إخوانه في الخليج مقابل أن يقصف عدوه في
فلسطين؟! إنها معادلة صفرية كبيرة ظالمة يروج لها من يريد أن يشتت قلوب المؤمنين
بدلاً من أن يؤلف بينهم.
ليس من المبالغة
في شيء أن نقول: إن الأخوة واجب الوقت، وإن التضامن واجب الوقت، وإن السعي لتآلف
قلوب الإخوة جهاد في سبيل الله؛ (وَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ) (الأنفال: 63).
إذا كان العدو
يستخدم كل المهارات الرقمية في خلق حالة من النفور خاصة بين الشباب العربي في
الخليج من جهة، وبقية الشباب العربي من جهة أخرى، فإن السعي لكشف غسيل الأدمغة
الذي يتعرض له الشباب من الطرفين جهاد ورسالة عظيمة؛ لأن تمزق الأمة وتشرذمها
وتناحرها أكبر أهداف العدو، وهو هدف لن يتحقق إلا عبر الاتهامات المتبادلة وشيوع
الأفكار البرجماتية والدخول في صراع جدلي، ونشر ثقافة التخوين والتحالف مع الأعداء
والاصطفاف معهم.
واجبنا ألا
تجعلنا الأقلية الرقمية الصاخبة التي لا تدرك وحدة المصير العربي ننساق لرد فعل
متطرف وغير مدروس؛ فما بيننا أكبر من أن تفرقه المنصات الإلكترونية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً