الأسرى الفلسطينيون في السجون «الإسرائيلية».. إبادة صامتة وجرائم ممنهجة

لؤي صوالحة

24 ديسمبر 2025

253

منذ بداية الاحتلال «الإسرائيلي» للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م، أصبح الأسرى الفلسطينيون رمزًا للصمود الوطني ومثالًا على الصبر والتحمل في مواجهة السياسات القمعية المنهجية، فعلى مدار العقود الماضية، تحولت السجون «الإسرائيلية» من مجرد أماكن احتجاز إلى مسارح يومية للتنكيل والإهانة والمعاناة النفسية والجسدية، تشمل التجويع، الحرمان من العلاج الطبي، وقف الزيارات العائلية، والإخفاء القسري.

الأحداث التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023م، أدت إلى تصعيد غير مسبوق في قمع الأسرى، حيث أصبح التجويع المتعمد، والإهمال الطبي، والعزل الانفرادي، والاعتداء الجسدي اليومي، سياسة رسمية واضحة الهدف منها تدمير الأسرى جسديًا ونفسيًا.

مدير الدائرة القانونية في هيئة الأسرى الفلسطينية، جميل سعادة يصف الوضع بقوله: «انقلبت حياة الأسرى رأسًا على عقب، واستفردت إدارة السجون بهم، وقامت بسحب كافة مقتنيات الحياة وتجويع الأسرى والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، ووقف الزيارات العائلية، وعدم تقديم العلاج لهم، وانتشار الأمراض بشكل واسع».

ويضيف: «الأسرى أصبحوا يعانون إبادة صامتة، وانتهاكات جسيمة حاطة بالكرامة الإنسانية، تصل أحيانًا إلى حد الاغتصاب في بعض الحالات، كما حصل في معسكر «سديه تيمان» في جنوب فلسطين».

هذا التوصيف الصادم يوضح أن السياسات «الإسرائيلية» تجاه الأسرى ليست مجرد إجراءات فردية، بل إستراتيجية ممنهجة لإذلال الفلسطينيين وكسر إرادتهم الإنسانية؛ ما يجعل التحقيق في أوضاعهم أمرًا ضروريًا لفهم حجم الانتهاكات الحقيقية.

الحياة اليومية للأسرى.. تفاصيل صادمة

الأسرى المحررون يروون تفاصيل يومياتهم داخل السجون: الطعام قليل وغير صحي، والعلاج الطبي معدوم، والزيارات العائلية ممنوعة، والاعتقال الانفرادي أداة للإرهاب النفسي والجسدي.

أحد الأسرى المحررين من سجن نفحة يروي: «كل محاولة للشكوى كانت تُقابل بالتهديد بالاعتقال الانفرادي، حتى أصبحنا مجرد أرقام في سجلات إدارة السجون».

أسير آخر من غزة يضيف: «الحرمان من العلاج الطبي أدى إلى وفاة بعض زملائنا، والإهمال الطبي كان مقصودًا لتقليل عدد الأسرى تدريجيًا».

جميل سعادة يؤكد أن الانتهاكات تتعدى الاعتداء الجسدي لتصل إلى إذلال الأسرى أمام زملائهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية، وفي بعض الحالات إلى اغتصاب جسدي ونفسي داخل المعسكرات: «ضرب الأسرى وإذلالهم أمام زملائهم، ومنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم الإنسانية، يصل أحيانًا إلى حالات اغتصاب داخل المعسكرات، وهو جريمة حرب واضحة ومخالفة للقانون الدولي».

هذا الواقع اليومي يخلق حياة الموت البطيء والإذلال المستمر، حيث كل يوم يمثل اختبارًا للبقاء على قيد الحياة.

القانون «الإسرائيلي».. بين الورق والتطبيق

مدير نادي الأسير الفلسطيني فرع نابلس مظفر ذوقان يوضح أن القانون «الإسرائيلي» يُستغل أحيانًا لأغراض التمييز العقابي الانتقائي: «إسرائيل» تعتمد على قانون العقوبات لسنة 1977م، الذي يجيز عقوبة الإعدام في حالات محددة، البند «ب» من المادة (300) ينص على الحكم بالإعدام لمن ارتكب جريمة قتل محددة، وتشمل المواد (96)، (97)، (98)، و(99) عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد، شريطة أن تكون الجريمة في زمن الحرب أو أثناء هجمات عسكرية.

ويضيف: كل القوانين المتعلقة بعقوبة الإعدام تُصنف عنصرية، فهي تستهدف الفلسطينيين حصراً، ولا تشمل «الإسرائيليين» الذين يقتلون فلسطينيين؛ ما يعزز تصنيف «إسرائيل» كدولة أبرتهايد ويخالف القانون الدولي الإنساني.

يتضح من هذا أن القوانين «الإسرائيلية»، رغم ما تبدو عليه من رسمية، تتحول إلى أدوات للتمييز العقابي ضد الفلسطينيين وتستخدم بشكل انتقائي لكسر إرادتهم.

تاريخ الانتهاكات المستمرة

منذ الاحتلال وحتى اليوم، اعتمدت «إسرائيل» على اعتقالات جماعية، محاكم عسكرية صارمة، العزل الانفرادي الطويل، والتعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من الرعاية الطبية والزيارات العائلية، وقد وثقت منظمات فلسطينية ودولية آلاف الحالات منذ الانتفاضتين الأولى والثانية، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، والحرمان من النوم والطعام، والإهانة المستمرة.

بعد السابع من أكتوبر 2023م، ازدادت الانتهاكات بشكل حاد، مع انتشار الأمراض المزمنة والعدوى بين الأسرى، والإهمال الطبي المتعمد، ومنع أي رقابة دولية، كما يؤكد سعادة: «لا توجد آليات رقابة دولية مستقلة على أوضاع الأسرى الفلسطينيين؛ ما يزيد من معاناتهم ويجعلهم أكثر عرضة للإهمال الطبي والتعذيب».

الصمت الدولي وتأثيره على الأسرى

سياسة الصمت الدولي جعلت الأسرى محاصرين بين الجوع والخوف والتدهور الصحي المستمر، والتقارير الدولية لا ترقى لمستوى الجرائم الممنهجة، والأسرى يتعرضون لإبادة صامتة وانتهاكات حاطة بالكرامة الإنسانية.

ويضيف سعادة: لا توجد دعوات جادة لضمان حماية الأسرى، في ظل ارتفاع أعداد شهداء الأسرى نتيجة سياسة الإهمال الطبي أو القتل عمدًا على يد قوات القمع، وزيادة التنكيل والتجويع نتيجة صمت المؤسسات الدولية.

شهادات العائلات.. المعاناة تتجاوز الأسرى

عائلات الأسرى تصف الأثر النفسي والاجتماعي لسياسة التنكيل على حياتهم اليومية؛ من منع الزيارات، والتضييق على المراسلات، وتهديد الأطفال بالاعتقال، وتقول إحدى الأمهات: «أشعر أن حياتي توقفت منذ اعتقال ابني، لا أعرف إن كان حيًا أم مريضًا، والزيارة التي تأتي بعد أشهر قليلة لا تكفي لمعرفة حاله الحقيقي».

هذه الشهادات تؤكد أن السياسات «الإسرائيلية» لا تقتصر على الأسرى أنفسهم، بل تشمل عائلاتهم، وتهدف إلى كسر الروابط الأسرية والدعم الاجتماعي.

النداء الدولي.. ضرورة تحرك عاجل

الأسرى الفلسطينيون يعيشون معاناة ممنهجة يوميًا، والقتل البطيء عبر التجويع والإهمال الطبي مستمر، بينما المجتمع الدولي يلتزم الصمت؛ فالأسرى الفلسطينيون يعانون انتهاكات شاملة وممنهجة، وعلى المجتمع الدولي التحرك فورًا لإنقاذ حياتهم وضمان حقوقهم الإنسانية، وإلا فإن صمت العالم سيكون جزءًا من الجريمة.

التحرك المطلوب:

  • فتح السجون أمام المراقبين الدوليين.

  • تشكيل لجان تحقيق مستقلة.

  • محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

إلا أن استمرار الصمت يعني أن المأساة الفلسطينية ستصبح شهادة على فشل الإنسانية الدولية في حماية أبسط حقوق الإنسان.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون «الإسرائيلية» بوصفها حوادث معزولة أو تجاوزات فردية، بل كسياسة مكتملة الأركان، تقوم على القمع الممنهج، والإذلال المتعمد، والقتل البطيء عبر التجويع والإهمال الطبي والتعذيب النفسي والجسدي.

ما كشفته شهادات المحامين، وممثلي مؤسسات الأسرى، والأسرى المحررين، وعائلاتهم، يؤكد أن السجون تحولت إلى فضاء مغلق تُمارَس فيه انتهاكات جسيمة بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة حقيقية.

إن استمرار منع الزيارات، وحجب العلاج، وغياب الآليات الدولية المستقلة، يقود إلى واقع خطير تصبح فيه حياة الأسرى رهينة لسياسات عقابية لا تعترف بالقانون الدولي ولا بكرامة الإنسان.

وفي ظل هذا الصمت الدولي، تتراكم الجرائم وتتعاظم المعاناة، فيما يدفع الأسرى وحدهم ثمن التواطؤ أو العجز العالمي عن إنصافهم.

هذا التحقيق ليس نهاية الحكاية، بل محاولة لكسر جدار الصمت، ووضع معاناة الأسرى الفلسطينيين في صدارة الاهتمام العام، باعتبارها قضية إنسانية وقانونية وأخلاقية بامتياز، فحماية الأسرى ليست مطلبًا سياسيًا، وإنما التزام إنساني لا يسقط بالتقادم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تبقى شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة، وإنقاذ ما تبقى من القيم التي يدّعي العالم الدفاع عنها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة