نحو رؤية شرعية في فهم المحنة ومساءلة الفعل البشري
الابتلاء.. بين حكمة التقدير ومسؤولية الإنسان
الابتلاء من أكثر المفاهيم التصاقًا بحياة الإنسان، ومن أكثرها في الوقت نفسه تعرضًا لسوء الفهم؛ إذ يختلط في أذهان كثيرين بالعقوبة، ويختلط الإيمان بالقدر عند آخرين بالجبر، حتى يصبح ما يقع من الحروب والكوارث والمآسي مادة لتفسيرات متعجلة، بعضها يحمّل السماء ما صنعه البشر، وبعضها يحمل المظلومين وزر ما لم يصنعوا، وبعضها يجعل من القدر ستارًا يحجب مسؤولية القاتل وصانع القرار والمفسد في الأرض، مع أن الرؤية الشرعية أعدل من هذا كله وأعمق، فهي تثبت للابتلاء معناه الإيماني، وتحفظ للقدَر جلاله، لكنها في الوقت نفسه تقيم الإنسان في موضع المسؤولية عن فعله، ولا تسمح له أن يفر من تبعات اختياره باسم المشيئة الإلهية.
ومن هنا تبرز
الحاجة إلى فقه يُعيد ترتيب المعاني، فيميز بين الابتلاء والعقوبة، وبين حكمة الله
الخفية وبين أحكامنا البشرية المتعجلة، وبين الإيمان بأن كل شيء يقع بقدر الله
وبين التسليم للظلم أو إسقاط المسؤولية عمن صنعه، فالمسلم يحتاج في زمن المحن إلى
قلب يوقن بالله، وعقل يقرأ الأسباب، وضمير يزن الأفعال بالعدل، ولسان لا يتألى على
الله ولا يبرئ البشر مما اقترفت أيديهم.
أولًا: الابتلاء وحكمة التقدير الإلهي:
يضع القرآن
الكريم الابتلاء في صميم الغاية من الحياة، فيقول تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: 2)،
فالابتلاء في هذا المنظور ليس حادثًا طارئًا على الحياة، وإنما هو جزء من بنيتها
وغايتها، وليس السؤال فيه عن مقدار ما يملكه الإنسان أو يفقده، وإنما عن نوع العمل
الذي يصدر عنه فيما أُعطي وفيما مُنع؛ ولهذا قال سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: 35).
فكما يكون المرض
ابتلاء تكون الصحة ابتلاء، وكما يكون الفقر امتحانًا يكون الغنى امتحانًا، وكما
يختبر الإنسان بالخوف يختبر بالأمن، وقد يكون النجاح في امتحان الحرمان أيسر من
النجاح في امتحان العطاء، وكذلك النصر والهزيمة، والتمكين والاستضعاف؛ لأن المحروم
والمهزوم والمستضعف يعرف موضع ألمه فيلجأ إلى الله، أما المنعّم والمنتصر والمتمكن
فقد تستره النعمة عن رؤية حقيقة افتقاره إلى الله.
وهذا المعنى هو
الذي يمنع المؤمن من اختزال الابتلاء في المصائب وحدها، فقد كان سليمان - عليه
السلام - يدرك أن التمكين والقدرة والملك امتحان لا يقل شأنًا عن امتحان الشدة،
فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) (النمل:
40)، فالنعمة سؤال كما أن النقمة سؤال، والقوة اختبار كما أن الضعف اختبار،
وليس الفرق بين الناس أن بعضهم مبتلى وبعضهم غير مبتلى، وإنما الفرق في نوع
البلاء، وكيفية الإجابة عنه.
الفرق بين الابتلاء والمصيبة والتمحيص والعقوبة
ومن هنا تتبين
ضرورة التمييز بين الابتلاء والمصيبة والعقوبة والتمحيص، فالابتلاء معنى عام يشمل
اختبار الإنسان بما يحب وما يكره، والمصيبة اسم لما ينزل به من مكروه، والتمحيص
ابتلاء يقصد به التطهير والكشف والتنقية، كما قال تعالى في سياق غزوة أُحد: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران: 141).
أما العقوبة فهي
جزاء على ذنب أو ظلم أو فساد، وقد أخبر القرآن بأن بعض ما يصيب الناس ثمرة
لأعمالهم، فقال سبحانه: (وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)
(الشورى: 30)، غير أن إثبات هذا القانون العام لا يعني أن كل مصيبة تقع
لإنسان أو جماعة هي عقوبة على ذنب مخصوص؛ لأن بين الحكم العام وتنزيله على واقعة
معينة مسافة لا يجوز قطعها بغير علم.
ويقطع الهدي
النبوي الطريق على الفهم الذي يجعل شدة البلاء دليلًا بذاته على غضب الله، فقد سأل
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء، فقال:
«الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا
اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى
يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة»(1).
وإذا كان
الأنبياء، وهم صفوة الله من خلقه وأحبهم إليه، أشد الناس بلاء، استحال أن نجعل
مجرد شدة المصيبة برهانًا على سخط الله على صاحبها.
بل قد تكون
المصيبة نفسُها بابًا إلى خير عظيم لا يظهر للإنسان ساعة نزولها، فقد قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يصب منه»(2)، وفسر
الحافظ ابن حجر قوله صلى الله عليه وسلم بأنه ابتلاء بالمصائب ليثاب العبد عليها(3)،
فالمصيبة قد تكون سبيلًا إلى تطهير الإنسان ورفع درجته، لا علامة على هوانه عند
ربه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «ما يصيب المسلمَ من نصب ولا وصب ولا هم
ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه»(4).
فتتسع بذلك
دلالاتُ الألم في الرؤية الإسلامية، ويصبح ما يراه الإنسان فقدًا محضًا حاملًا في
ميزان الله لمعان من التطهير والرفعة والأجر لا تدركها العين التي لا ترى إلا ظاهر
الحدث.
ومن دقائق الفقه
هنا أن نفرق بين الحكم العام والواقعة المعينة، فالقرآن أخبرنا أن للذنوب آثارًا،
وأن الظلم مُؤْذِنٌ بالخراب، وأن الفسادَ الذي تصنعه أيدي البشر يعود عليهم، فقال
سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ
الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، وهذا قانون قرآني
لا ريب فيه.
لكن الانتقال من
هذا القانون العام إلى القول بأن زلزالًا بعينه أو حربًا بعينها أو وباء بعينه
عقوبة من الله على قوم مخصوصين يحتاج إلى علم بوحي الله لا نملكه؛ لأن الواقعة
الواحدة قد تجتمع فيها بالنسبة إلى أشخاص مختلفين معان مختلفة، فقد تكون لبعضهم
شهادةً، ولآخرين رفعًا للدرجات، ولغيرهم تكفيرًا للسيئات، ولآخرين إنذارًا
ومراجعة، وقد تكون على الظالم نفسه عقوبة لما جنت يداه.
وغزوة «أُحد» من
أبلغ الشواهد على تعدد معاني المصيبة الواحدة، فقد أصيب المسلمون، وقتل منهم
سبعون، وجُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يختزل القرآن ما وقع في
معنى العقوبة، وإنما كشف شبكة من الحكم والمقاصد، فقال سبحانه: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ
الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ
لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ
وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران).
فكان في الواقعة
أثر لبعض الأخطاء، وكان فيها تمحيص للمؤمنين، واتخاذ للشهداء، وتربية للجماعة،
وكشف للمنافقين، وتعليم لسنن النصر والهزيمة؛ وهكذا تكون القراءة القرآنية للمحنة
أوسع من القراءة الأحادية المتعجلة.
ومن أشد ما
يحتاجه الخطابُ الديني في أزمنة الكوارث أن يتأدب مع الله في تفسير أقداره، فلا
يُنصّب المتحدث نفسه مترجمًا عن الإرادة الإلهية، ولا يزيد المنكوب فوق نكبته
شعورًا بأن الله غاضب عليه، فالأم التي انتشلت أبناءها من تحت الأنقاض، والطفل
الذي فقد أسرته، والرجل الذي هُدم بيته وهُجّر من أرضه، لا يحتاجون إلى من يُصدر
عليهم حكمًا باسم السماء، وإنما يحتاجون إلى من يواسيهم وينصرهم ويرد إليهم معنى
الرحمة والرجاء.
ويظل بابُ
المحاسبة والتوبة مفتوحًا للجميع، فكل مصيبة مناسبة لمراجعة النفس والرجوع إلى
الله، لكن المراجعة شيء، والجزم بأننا عرفنا مراد الله الخاص من الواقعة شيء آخر.
والقاعدة
الجامعة في هذا الباب: أن كل عقوبة ابتلاء، وليس كل ابتلاء عقوبة، وأن المصيبة
حدثٌ نراه، أما حكمتها الكاملة فهي سر من أسرار تقدير الله قد يظهر لنا بعضُه
ويخفى أكثره؛ ولهذا يكون المؤمن في البلاء بين الاعتبار والافتقار، يراجع نفسه دون
أن يتهم الأبرياء، ويتوب من ذنبه دون أن يتألى على الله، ويبحث عن الحكمة دون أن
يدعي الإحاطة بها.
ثانيًا: القدر ومسؤولية الإنسان عن صناعة المآسي:
إذا كان الخلل
الأول في فهم الابتلاء هو اختزاله في العقوبة، فإن الخلل الثاني هو استخدام القضاء
والقدر لإعفاء البشر من مسؤولية ما يصنعون، وكأن الإيمان بأن الأشياء تقع بقدر
الله يعني أن القاتل لا قتل عليه، والظالم لا ظلم عليه، وصانع الحرب لا مسؤولية
عليه؛ وهذا قلب لمعنى القدر وإبطال لمنطق التكليف الذي قامت عليه الشريعة، فالقرآن
الذي قرر أن كل شيء يجري بقدر الله، فقال: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، هو
القرآن نفسه الذي قال: (مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (فصلت: 46)، وقال: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور: 21)، فجمع بين شمول
التقدير الإلهي وثبوت الكسب الإنساني، ولم يجعل أحدَهما ناقضًا للآخر.
والإيمان بالقدر
لا يُلغي الأسباب، بل يضع الأسباب في موضعها الصحيح، فالإنسان يزرع والله ينبت،
ويتداوى والله يشفي، ويخطط ويقرر ويتحمل تبعة قراره، ولا يقع شيء من ذلك خارج علم
الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكلُ النبوي ممتلئًا بالحركة والأسباب.
ففي الهجرة
اختار النبي صلى الله عليه وسلم الرفيق، وأعد الراحلتين، واستأجر الدليل، واختار
الطريق، واختبأ في الغار، ورتب من يأتيه بالأخبار ومن يأتيه بالطعام، ثم كان قلبه
في ذروة هذا التدبير معلقًا بالله يقول لصاحبه: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40)،
فلم يكن التوكل بديلًا عن السبب، ولم يكن السبب بديلًا عن التوكل.
وإذا كان كل شيء
مقدرًا فإن المعصية نفسها تقع في ملك الله ولا تخرج عن مشيئته الكونية، لكنها لا
تصبح بذلك محبوبة له ولا مأمورًا بها، وإلا سقط معنى الأمر والنهي والثواب
والعقاب، ولجاز لكل قاتل أن يقول قَتلتُ بقدر الله، ولكل سارق أن يقول سرقت بقدر
الله، ولكل طاغية أن يقول ظلمت بقدر الله، وعندئذ تنهدم الشرائع والمحاكم والأخلاق
جميعًا؛ ولهذا كان الاحتجاج بالقدر على الذنب الباقي الذي لم يتب صاحبُه منه
احتجاجًا باطلًا، أما التسليم بالقدر بعد وقوع المصيبة فهو من تمام الإيمان.
وفي ضوء هذا
يفهم حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتُنا وأخرجتَنا من الجنة، فقال
له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله
عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجَّ آدم موسى»(5).
ولم يكن آدمُ
عليه السلام يحتج بالقدر ليستحل المعصية أو يمتنع من التوبة، فقد تاب منها وتلقى
من ربه كلماتٍ فتابَ عليه، وإنما كان الكلامُ بعد التوبة عن المصيبة التي ترتبت
عليها، ولهذا قرر المحققون من أهل العلم أن القدر يحتج به في المصائب، ولا يجعل
حجة لتسويغ الذنوب والمعائب.
وهذا التفريق
بالغ الأهمية في قراءة الحروب والنزاعات التي تمزق حياة الناس، فقولنا إن حربًا ما
وقعت بقدر الله لا يعفي مَن أشعلها من المسؤولية، كما أن قولنا إن إنسانًا قُتل
بقدر الله لا يُسقط القصاص عن قاتله، فهناك فرق بين التفسير الإيماني لوقوع
الأشياء في ملك الله وبين الحكم الشرعي والأخلاقي على فعل الإنسان، الأول يورث
المؤمن التسليم لله وعدم الانهيار أمام ما وقع، والثاني يحفظ ميزان العدل ويمنع
المجرمين من الاحتماء وراء العقيدة.
وتزداد المسألة
دقةً حين تقع الحروبُ الأهلية والنزاعات الداخلية، فيسارع بعض الناس إلى تحميل
مجتمع بأسره مسؤولية ما حدث، مع أن القرآن أسس مبدأ لا يحتمل اللبس، فقال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى) (الأنعام: 164)، وقال: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)، فلا يحمل
الطفلُ وزرَ قائد عسكري، ولا تحمل المرأةُ النازحة وزر من أشعل الحرب، ولا يحمل
المدني المحاصر مسؤولية من اتخذ قرار القتال، ولا يجوز أن تُذاب المسؤولياتُ
الفردية في تهمة جماعية غائمة تسمح بتحميل الضحايا أوزار جلاديهم.
والمسؤولية في
ميزان الشريعة تتناسب مع الفعل والقصد والقدرة والأثر، فليس من أصدر الأمر كمن لم
يصدره، ولا من خطط كمن لم يخطط، ولا من قتل كمن امتنع، ولا من موّل العدوان كمن
أنفق في إغاثة ضحاياه، ولا من حرض على الدم كمن سعى في حقنه، وقد أشار القرآن إلى
تفاوت الأوزار بحسب مقدار الإفساد والتأثير فقال في أهل الإضلال: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ
كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ
بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (النحل: 25)، فمن صنع القرار
الذي أراق الدماء ليس كمن وقع عليه أثرُه، ومن قادَ الناس إلى الفتنة يحمل من تبعة
من أضله بقدر ما كان سببًا في إضلاله.
لكنَّ تقريرَ
فرديةِ المسؤولية لا يعني إنكارَ المسؤولية الاجتماعية مطلقًا، فقد يحاسب المجتمع
بقدر ما شارك أو رضي أو أعان أو قصّر فيما يقدر عليه؛ ولهذا قال سبحانه: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25)، فآثار
الفساد قد تتجاوز فاعليه المباشرين إذا شاع المنكر، وضعفت مقاومته، وتعطلت آلياتُ
الإصلاح؛ لكن هذا شيء، وإدانة كل فرد في المجتمع بجريرة غيره شيء آخر، فالآية تحذر
من عموم أثر الفتنة، ولا تُلغي قاعدة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
ولهذا ينبغي عند
الحديث عن مأساة كالحرب الفلسطينية أو السودانية، أو أي حرب داخلية أخرى، ألا
نستسهل عبارة «الشعب هو المسؤول»، فالشعب ليس إرادة واحدة ولا يدًا واحدة، وفيه من
أشعل ومن أطفأ، ومن حرض ومن أصلح، ومن قاتل ومن رفض القتال، ومن قَتل ومن قُتل،
ومن هَجر ومن هُجر، ومن ملك القرار ومن لم يملك من أمر نفسه شيئًا؛ والعدل الذي
أمر الله به يقتضي أن توضع المسؤولية حيث يوجد الفعل والقدرة والقرار، لا أن توزع
بالتساوي على الجاني والضحية.
وتلك قاعدة
يحتاجها الخطاب الإسلامي المعاصر في قراءة المآسي السياسية والاجتماعية، فالقدرُ
يفسر للمؤمن كيف وقع الحدث في ملك الله، لكنه لا يعفي الإنسان من السؤال عمن صنعه،
ولماذا صنعه، وكيف كان يمكن منعه، ومن يتحمل تبعته، والإيمان بالقدر لا يطفئ العقل
السببي، بل يهذبه، فلا يجعل الأسباب آلهة مستقلة عن الله، ولا يجعل الله سبحانه
ذريعة لإلغاء الأسباب ومسؤولية البشر، وبهذا يستقيم الميزان.
وهكذا يمكن تلخيص هذا الأصل بعبارة جامعة تحفظ على القلب إيمانه، وعلى العقل وعيه، وعلى المجتمع عدله، وهي أن القدر يُؤمَن به في المصائب، ولا يُحتج به لتبرير الجرائم والمعائب، وأن التسليم لله لا يعني التسليم للظالم، كما أن البحث عن المسؤول البشري لا يعني الاعتراض على القدر الإلهي؛ وإنما يجتمع في قلب المؤمن الرضا بالله ربًّا وحكيمًا، وفي ضميره الإصرار على تسمية الظلم ظلمًا، والجريمة جريمة، ومساءلة كل إنسان عما كسبت يداه.
الهوامش
- 1 أخرجه الترمذي في «سننه» (2398)، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه (4023).
- 2 أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (5645).
- 3 انظر ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت (10/ 108).
- 4 أخرجه البخاري (5641)، ومسلم (2573).
- 5 أخرجه البخاري (6614)، ومسلم (2652).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً