استيطان يتمدد ومقاومة تتجذر (6)

الاستيطان وتفكيك الجغرافيا.. مشروع الحسم الممنهج

د. أمجد بشكار

27 يناير 2026

231

الاستيطان وتفكيك الجغرافيا.. مشروع الحسم الممنهج

لم يكن الاستيطان «الإسرائيلي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة ظاهرة عشوائية أو نتيجة جانبية للصراع، بل مثّل منذ بداياته مشروعاً سياسياً مدروساً يهدف إلى إعادة تشكيل المكان والإنسان معاً وفرض وقائع جغرافية وديموغرافية تجعل أي حلّ عادل للقضية الفلسطينية أمراّ بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، فالمستوطنات لم تُبنَ فقط فوق الأرض الفلسطينية، بل بُنيت فوق فكرة نفي الحق الفلسطيني في الأرض والسيادة وتحويل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى واقع دائم.

الاستيطان كأداة استعمارية حديثة

يُعد الاستيطان «الإسرائيلي» نموذجاً معاصراً للاستعمار الإحلالي، حيث لا يكتفي المحتل بالسيطرة العسكرية، بل ما زال يسعى إلى إحلال سكان جدد مكان السكان الأصليين، أو محاصرتهم في جيوب معزولة، ومنذ احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967م، تبنّت الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة سياسة توسيع الاستيطان باعتباره أمناً قومياً أو حقاً تاريخياً، متجاهلة كل ما يصدر عن قرارات الشرعية الدولية التي تعتبر الاستيطان غير قانوني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن.

تفكيك الجغرافيا الفلسطينية

أخطر ما في المشروع الاستيطاني ليس عدد المستوطنات فحسب، بل موقعها وطريقة توزيعها، فقد أُنشئت المستوطنات وفق رؤية جغرافية تهدف لتقطيع أوصال الضفة الغربية، كفصل المدن الفلسطينية عن قراها والسيطرة على الموارد الطبيعية خاصة المياه، كما إحكام السيطرة على المرتفعات الإستراتيجية في قمم وجبال الضفة الغربية، ونتج عن ذلك خريطة فلسطينية ممزقة تتكون من كانتونات منفصلة، تفصل بينها طرق التفافية مخصصة للمستوطنين وجدران وحواجز عسكرية؛ ما حوّل حياة الفلسطينيين إلى سلسلة من العوائق اليومية، وأفقد الأرض وحدتها الجغرافية والاقتصادية.

الاستيطان كوسيلة لحسم الصراع

تتعامل دولة الاحتلال مع الاستيطان بوصفه أداة حسم لا تفاوض، فكل مستوطنة جديدة، وكل توسع عمراني، يخلق واقعاً جديداً يُستخدم لاحقًا كورقة ضغط سياسية، وهكذا يتحول التفاوض من نقاش حول الحقوق إلى جدل حول الوقائع القائمة، وهذا ما يُفرغ أي عملية سلام من مضمونها؛ لأن الأرض التي يُفترض التفاوض عليها تكون قد صودرت فعلياً، وهذا ما يتم على أرض الواقع من عام 2017م.

والقدس تعتبر نموذجًا مكثفاً؛ إذ تُمثل المثال الأوضح على الاستيطان الممنهج، فمن خلال مصادرة الأراضي، وسحب الهويات، وهدم المنازل، وبناء أحياء استيطانية ضخمة، تسعى «إسرائيل» إلى تغيير الطابع الديموغرافي للمدينة، وفرض أغلبية يهودية مصطنعة والهدف، الواضح هو إخراج القدس من أي تسوية مستقبلية، رغم مكانتها المركزية في الهوية الفلسطينية السياسية والدينية والثقافية.

الأثر الإنساني والاجتماعي للاستيطان

لا يقتصر أثر الاستيطان على الأرض، بل امتد إلى الإنسان الفلسطيني نفسه، فمصادرة الأراضي الزراعية أفقدت عشرات الآلاف من العائلات مصدر رزقها، وهدم المنازل خلق أجيالًا تعيش في حالة عدم استقرار دائم، بينما تؤدي القيود «الإسرائيلية» على الحركة إلى تدهور التعليم والصحة والاقتصاد، وهكذا يصبح الاستيطان أداة خنق بطيء للمجتمع الفلسطيني تهدف إلى دفعه نحو اليأس أو الهجرة القسرية.

مضافاً لذلك، يفرض الاحتلال نظامين قانونيين مختلفين على الأرض نفسها؛ الأول: قانون مدني للمستوطنين، والثاني: قانون عسكري للفلسطينيين، هذه الازدواجية تخلق واقعاً من التمييز المؤسسي، حيث يتمتع المستوطن بكامل الحقوق، بينما يُحاكم الفلسطيني أمام محاكم عسكرية، ويُعاقب على أفعال يُسمح بها للمستوطن هذا الواقع يرقى وفق تقارير دولية عديدة، إلى نظام فصل عنصري قائم على العرق والهوية.

تقويض حل الدولتين

مسار الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» خلال العقود الماضية أدى الى إضعاف حل الدولتين ليس بوصفه فكرة نظرية، بل كمشروع سياسي قابل للتطبيق، فمنذ توقيع اتفاق أوسلو جرى التعامل مع هذا الحل كإطار نهائي، غير أن السياسات المطبقة على الأرض سارت في اتجاه مناقض تماماً لمتطلباته الأساسية، وبوصفنا نحلل هذا المسار من موقع نقدي مستقل عن خطاب السلطة الفلسطينية والرواية «الإسرائيلية»، يمكن القول: إن الفاعل الذي عارض هذا المسار عملياً لا خطابيًا فقط، هو تيار المقاومة بوصفه معادلة سياسية موازية.

لأن حل الدولتين قام على افتراض أن المفاوضات ستقود تدريجياً إلى إنهاء الاحتلال، إلا أن دولة الاحتلال «الإسرائيلي» واصلت في الوقت ذاته توسيع الاستيطان وفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، هذا التناقض البنيوي جعل فكرة الدولة الفلسطينية تتحول إلى كيان مجزأ، منزوع السيادة، ومحكوم بشبكة من القيود الأمنية والاقتصادية، في هذا السياق لم يكن فشل الحل نتيجة غياب التوافق الفلسطيني، بل نتيجة تصميم بنية سياسية تسمح لـ«إسرائيل» بجني مكاسب الاحتلال دون دفع كلفته.

من زاوية أخرى، مثلت المقاومة الفلسطينية رداً على هذا الخلل في المعادلة السياسية، فهي لا تنطلق فقط من منطلق أيديولوجي، بل من قراءة واقعية لموازين القوى ولعجز المسار التفاوضي عن تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية، فبينما راهنت السلطة الفلسطينية على الشرعية الدولية والدعم الخارجي، أثبت الواقع أن هذا الدعم ظل لفظياً إلى حد كبير دون آليات إلزام أو محاسبة.

كما أن المجتمع الدولي أسهم في تقويض حل الدولتين عبر إدارة الصراع بدل حله، والتعامل مع الاحتلال كحالة استثنائية طويلة الأمد، هذا النهج أفرغ مفاهيم مثل السلام والدولة من مضمونها، وحوّلها إلى أدوات ضبط سياسي وأمني في مقابل ذلك، تطرح المقاومة نفسها كعامل إرباك لهذا الاستقرار غير العادل، وتعيد إدخال كلفة الاحتلال إلى الحسابات «الإسرائيلية» والدولية.

وعليه، فإن تقويض حل الدولتين لا يمكن فهمه فقط بوصفه نتيجة تعنت طرف فلسطيني، بل كنتيجة منطقية لمسار تفاوضي غير متكافئ، سمح بتآكل الأرض والحقوق، ومن هذا المنظور، تصبح المقاومة تعبيراً عن فشل النظام السياسي القائم، ومحاولة لإعادة تعريف الصراع خارج الأطر التي أثبتت عجزها عن إنتاج تسوية عادلة ومستدامة.

بالمحصلة، الاستيطان «الإسرائيلي» ليس مجرد سياسة خاطئة يمكن تصحيحها، بل هو مشروع متكامل يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة، ويعمل على إنهاء القضية الفلسطينية عبر تفكيك الجغرافيا وإفراغ السياسة من معناها، وأمام هذا الواقع أصبح الفلسطيني يعيش في كانتونات منعزلة.


اقرأ أيضاً:

مخطط «E1» الاستيطاني وأثره وكيفية مواجهته

صناعة القهر.. كيف يحوِّل الاستيطان «الإسرائيلي» الضفة الغربية إلى أشلاء؟

مشروع الضم «الإسرائيلي».. جريمة تاريخية وقانونية تُجهض حلم الدولة الفلسطينية



الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة