البحر المحيط الثجاج!
«لولا فتح الباري ثم «فتح الباري» ما قضيت أوطاري»(1)، كلمة رائقة وقفت عندها طويلاً وأنا أطالع الصفحات الأولى لكتاب «البحر المحيط الثجاج في شرح الإمام مسلم بن الحجاج» للعلامة محمد بن علي بن آدم الأثيوبي؛ ويقصد بها لولا فتح الله عز وجل وفيوضاته عليه، ثم كتاب «فتح الباري» للعلامة ابن حجر العسقلاني، لما وصل إلى مراده.
وهنا درس مفاده أن
التفويض لله تعالى والتوكل عليه في كل الأمور ديدن النجباء وسبيل العظماء، وما
راعني بشدة أن الكتاب يقع في 45 مجلداً، لم يضع المؤلف فيه عصاه عن كاهله، فحرارته
في أول الكتاب كحرارته في آخر ورقة منه؛ شرحاً وتوضيحاً واستنباطاً.
ثم عادت بي
ذاكرتي إلى العلامة محمد بن علي الشوكاني لما قيل له: أما تشرح «الجامع» للبخاري
كما شرحه الآخرون من العلماء؟ فقال قولته المشهورة: «لا هجرة بعد الفتح»(2)،
وإجابته، رحمه الله، فيها اعتذار لطيف وجميل اتفق مبناه مع حديت النبي صلى الله
عليه وسلم وإن اختلف معناه ومغزاه؛ يعني أن شرح ابن حجر فيه الغنية والكفاية فلا
يهجر إلى غيره من الشروح.
وبعد هذه المدة
الطويلة التي قاربت 700 عام يأتي صاحب «البحر المحيط الثجاج» ليتتلمذ في مدرسة ابن
حجر وبنفسه الحار يخرج للناس هذا السفر الثمين، ما أبرك الإخلاص لله وما أعظم
ثمرته!
جوهر العبادة
الاستعانة بالله
عز وجل من أجلّ العبادات وأفضل القربات، وهي الميزان الدقيق لأداء الطاعات، والعبد
محتاج إلى ربه ومولاه في طلب إعانته على فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على
المقدورات، وهي طلب العون من الله تعالى في الوصول إلى المقصود من الأمور الدينية
والدنيوية، قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5)؛ ثلاث كلمات هن روح التوكل والاستعانة، من قالها بقلبه
حقق التوكل واستقام بنيانه.
لقد لهج بها
الأنبياء والمرسلون واقتدى بهم العلماء المصلحون؛ فقالها يعقوب عليه السلام لبنيه:
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (يوسف: 18)، ووصية موسى
عليه السلام الجامعة لقومه: (قَالَ
مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:
128).
ويقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي
كلٍّ خيرٌ؛ احرصْ على ما ينفعُك، واستعنْ باللهِ ولا تعجِزْ، وإنْ أصابَك شيءٌ فلا
تقلْ: لو أني فعلتُ كذا وكذا، ولكنْ قلْ: قَدَرُ اللهِ وما شاءَ فعلَ، فإنَّ «لوْ»
تفتحُ عملَ الشيطانِ» (صحيح مسلم، 2664).
ومن فقه الإمام الغزالي
الربط الدقيق والبديع بين التوكل على الله والاستعانة به والأخذ بالأسباب في كلمة
وجيزة تلخص ما نحن فيه: «التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده»(3).
المدد الرباني
العلم نور يقذفه
الله تعالى في القلب، ومدد إلهي يتدفق على لسان العالم توفيقاً وتسديداً، ولهذه
الإعانة الربانية تجليات واضحة وأمارات مشرقة، منها:
أولاً: معونة
الفهم والتسديد، فإذا أخلص العالِم لله وتجرد عن هواه، آتاه الله من الفهم الثاقب
والنظر الصائب، ما لا يناله بذكائه المجرد وسعيه الدائب؛ قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 282)؛
قال القرطبي: «وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه؛ أي: يجعل في قلبه نوراً يفهم
به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقاناً؛ أي: فيصلاً يفصل به بين
الحق والباطل»(4).
ثانياً: القبول
والتأثير في القلوب؛ فالعالم الرباني كلماته البسيطة تقع في النفوس موقع القبول، وتسخر
لها القلوب، وتستر بها العيوب، وتفرج بها الكروب، وتصل إلى علام الغيوب، قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) (مريم: 96)؛
ذكراً حسناً ومودة في قلوب العباد يفوح شذاها ليوم التناد.
ثالثاً: بركة
الوقت؛ فمن الحكم العطائية الملهمة هذه الحكمة النادرة: «رَبَّ عُمْرٍ اتَّسَعَتْ
آمَادُهُ وَقَلَّتْ أَمْدَادُهُ، وَرَبَّ عُمْرٍ قَلِيلَةٌ آمَادُهُ كَثِيرَةٌ
إِمْدَادُهُ، فَمَنْ بُورِكَ لَهُ فِي عُمُرِهِ أَدْرَكَ فِي يَسِيرٍ مِنَ
الزَّمَنِ مِنَ مِنَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ دَوَائِرِ
الْعِبَارَةِ وَلَا تَلْحَقُهُ الْإِشَارَةُ»(5).
حيث يقرر
البصراء أن من أهم خصائص الوقت أنه سريع الانقضاء، وأن ما مضى منه لا يعود ولا
يعوض، وأنه أغلى وأنفس ما يملك الإنسان، وترجع نفاسة الوقت لأنه وعاء لكل عمل وكل
إنتاج فهو رأس المال الحقيقي، وعمر الإنسان لا يقاس بعدد السنين، بل بما ترك في
ميزان حسناته من خير يعم نفعه في العالمين.
وإنك لتعجب من
بركة استثمار الوقت في حياة العلماء النابهين، فقد كان بعضهم يؤلف مؤلفات كثيرة،
ويربي أجيالاً عظيمة، ويموت بعد رحلة العمر القصيرة، فتبقى ذكراه خالدة، وتلهج
ألسنة الخلائق بالدعاء له ما دام هناك أحياء على ظهر البسيطة.
بارك الله في جهود العلامة الأثيوبي، ورزقه وابن حجر العسقلاني صحبة الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم، والحمد لله بدءاً وختاماً وصلاة على رسوله وسلاماً.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً