; صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (11)- أداء الدين وحسن التوكل | مجلة المجتمع

العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (11)- أداء الدين وحسن التوكل

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013

مشاهدات 86

نشر في العدد 2047

نشر في الصفحة 58

السبت 06-أبريل-2013

قص النبي صلى الله عليه وسلم قصة على أصحابه، رواها عنه أبو هريرة رضى الله عنه جاء فيها: «أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فأتني بالكفيل.  قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجّج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفتُ فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر, حتى ولجت فيه ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده.

فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر, لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه, فأتي بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه، قال: إن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا».

وبتحليل هذا الموقف تربويًا نلاحظ أن: 

أولًا: إقرار الإقراض والحث عليه: فللمقرض أجر كبير، وقد حث عليه القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَمَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةَ وَاللَّهُ يَقْبَضُ ويَنصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245).

هذه القصة لو حكاها لنا شخص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صدقناها، وقد حكاها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عجائب ما حدث في بني إسرائيل، وذلك بهدف الاعتبار والاتعاظ, وفي ذلك القصص دروس عظيمة.

أبو الدحداح والقرض

عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه، لما نزلت آية القرض السابقة: ﴿من ذا الذي يُقرضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةَ وَاللَّهُ يَقْبضُ ويَنصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: ٢٤٥)، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح», قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي, قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل. وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمرو مرفوعًا بنحوه.

 ثانيًا: إمهال المقترض إن تعسر: فقد روى الإمام أحمد عن بُريدة بن الحصيب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة». قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، ثم سمعتك تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة»؟ قال: «له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين, فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة» (رواه أحمد).

والله تعالى يقول: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظَرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةِ وَأَن تَصَدِّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280)، أي إمهال المدين لحين يتيسر له السداد.

ثالثا: كتابة الدين، وحفظ الحقوق: فقد طالب الدائن المدين بالشهداء والكفيل, فإن حل الأجل وجب الوفاء بالدين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته», فإن لم يجد المدين ما يدفعه للدائن فلا أقل من الاعتذار إليه وطلب السماح بالتأجيل، لا أن يختفي ويهرب من الدائن.

فإذا اطلع الدائن على حال صاحبه فعليه أن يُنظره، وأن يعطيه فرصة استجابة لقول الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عُسْرَة فنظرة إلى ميسرة وأن تَصَدَقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280).

رابعًا: للمتوكل على الله ثمرة عظيمة: وفي القصة صورتان من صور التوكل الصادق:

 الصورة الأولى هي: توكل الدائن على الله, فقد رضي بالله شهيدًا وكفيلًا.

والصورة الثانية هي: توكل المدين على ربه, عندما دفع المال في البحر، واتخذ ما يقدر عليه من الأسباب وما في استطاعته، كالدعاء، ونقر الخشبة ثم وضع المال في جوفها، ثم إصلاح ثقبها، وهذا تجسيد لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِه وكفى به بذنوب عباده خبيرًا﴾ (۸) (الفرقان: 58), وهو موقن بأن النتيجة هي ما أقره القرآن وأكده في قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فهُوَ حَسْبُهُ﴾  (الطلاق: ۳).

إن رسولنا الحبيب يريد أن يبلغنا رسالة مفادها أن الأمور كلها بيد الله، وعلينا أن نأخذ بالأسباب كلها دون أن تتعلق قلوبنا بالأسباب, بل يتعلق قلبك ورجاؤك بالله عز وجل، فالله ولي أمورنا جميعًا، ومن صح توكله نجح سعيه.

 خامسًا: يجب الحرص على أداء الحقوق والدين: فقد حرص المدين في القصة على أن يسدد الدين في وقته، وعندما لم يجد مركبًا يتبلغ به؛ ليصل إلى الدائن، ويعطيه حقه, وبرغم ذلك فهو لم يكن متأكدًا من وصول الحق إلى صاحبه، لذا أصر على الوصول إليه، كي يتأكد من وصول حقه إليه.

تأمل - عزيزي القارئ - هذه القصة التي كان بطلها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد وقعت بينه وبين أحد أصحابه رضي الله عنهم جميعًا. قال رجل من العرب: زحمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين وفي رجلي نعل كثيفة، فوطأت بها على رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفحني نفحة بسوط في يده، وقال: «بسم الله أوجعتني». قال: فبت لنفسي لائمًا أقول: أوجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فبت بليلة كما يعلم الله، فلما أصبحنا إذا رجل يقول: أين فلان؟ قال قلت: هذا والله الذي كان مني بالأمس - قال - فانطلقت وأنا متخوف، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك وطأت بنعلك على رجلي بالأمس فأوجعتني, فنفحتك نفحة بالسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها بها» (سنن الدارمي وصححه الألباني). 

وإن تعجب فعجب أن نرى الناس في عصرنا الراهن يأكلون أموال الناس بالباطل, فتجده يستعطفك, ويشكو إليك ضيق الحال, وقله ما بيده, وضغوط الحياة, ومتطلباتها, وما أن ينال القرض إلى ويختفي عن عينيك, برغم تدفق الرزق عليه.

اقترض شخص مني مبلغًا كبيرًا «عشرات الآلاف»، ووعدني أنه سيبيع قطعة أرض عندما يجد سعرًا مناسبًا لها، فإن لم يبعها فسوف يسدد القرض بعد عام، وبالفعل باع قطعة الأرض بعد ثلاثة أشهر من تسلمه القرض، وكان ثمن قطعة الأرض ثلاثة أضعاف ما اقترضه «باعها بتسعين ألف جنيه مصري»، وكتم الخبر, فلما كلمته بعد عام، وكنت في حاجة شديدة إلى المبلغ المستحق سداده، فأخبرني بأنه لا يستطيع السداد، فقلت له: لقد علمت أنك بعت الأرض، ولم تنفذ العهد معي، حيث كان وعدك لي بأن تسدده فور بيع الأرض، فإن لم يحدث بيع فبعد عام، ولحيائي لم أفاتحك عند بيع أرضك، والآن أطلب حقي في أبعد الأجلين - وهو العام - حسبما ألزمت نفسك، فماذا أنت فاعل ؟ فكان رده لا أستطيع، وظل القرض عنده لم يسدده إلا على خمس سنوات على مراحل متعددة، ولم أستطع أن أستفيد به الاستفادة المرجوة.

وثان اقترض مائتي دينار، وحدد لسدادها أجلًا، فلما حل الأجل اعتذر لي في العام الأول, فقبلت عذره، ومضى الآن على القرض خمس سنوات، وعلى مدى هذه السنوات لم يعتذر مرة واحدة، ولم يفاتحني في الأمر إلى الآن!! وثالث ورابع وخامس... حتى وإن كان يصلي ويصوم, ويعظ الناس.. ألا يعلم هؤلاء بخطورة ذلك، فإن لم يكونوا قد علموا، فليعلموا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة». فقال له: رجل وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراك» (رواه مسلم). 

سادسًا: أداء الأمانة: إنه نداء رب العالمين من فوق السماوات السبع في وحي نزله على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرآنه الكريم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٨٥).

إن الأمانة أول ما يُضَيَّع، وقد بوب البخاري في صحيحه باب: رفع الأمانة، وساق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا».

ولا أدري أجاء هذا الزمان أم لا، ولقد أضاعها كثير من الخاصة، فكيف بغيرهم؟ إنك لتجد المرء من أحسن الناس صلاة، وربما تصدر للخطابة والحديث، فإذا عاملته بالمال بان لك حقيقة أمره والله المستعان، وإليه المشتكى وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُوا الأَمَانَاتِ إِلَى أهلها﴾، وحال النبي صلى الله عليه وسلم: «اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم, وأوفوا إذا وعدتم, وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (أخرجه الإمام أحمد).

سابعًا: شكر الدائن وتقدير عمله:  فبالإضافة إلى التوجيه الإسلامي إلى الوفاء بالدين, حث الإسلام أبناءه على عدة آداب تعد من باب ذوق المستدين مع الدائن, ومن أهم هذه الذوقيات: أن يسعى المستدين إلى الدائن؛ ليؤدي إليه حقه ويشكره، والمبادرة بتسديد الدين متى توافر المال ولا ينتظر موعد السداد, وأن ينتقي أوراقًا مالية جديدة لا ممزقة، وأن يطيبها، فقد كانت السيدة عائشة تطيب مال الصدقة قبل إخراجها لمستحقيها صدقة، فمن باب أولى يجب على المستدين أن يطيب للدائن حقه من المال قبل أن يؤديه.

ومن آداب المقترض نحو الدائن - أيضًا - عدم المماطلة، فكثير من المدينين يتعامل مع الدائن كأن الأخير متسول هو الذي يلح وراء المدين ويبدي له أعذاره، وهذا ليس من أدب المدين ولا من ذوقياته, والأحرى به أن يؤدي الدين كاملًا، وأن يصحب ذلك بكلمات الثناء والشكر, وأن يعلم أن لحظة واحدة من الحياة لا يضمن أن يعيشها، فربما قُضي عمره وانتهى أجله، وهنالك يلقى الله مديونًا، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من كان عليه دين.

 ومن آداب المقترض - أيضًا - حسن القضاء، فقد روى أبو سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينًا كان عليه، فاشتد عليه حتى قال له: أُخرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها: «إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتي تمرنا فنقضيك». فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله, قال: فأقرضته, فقضى الأعرابي، وأطعمه, فقال: أوفيت أوفى الله لك، فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك خيار الناس إنه لا قدست أمه لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع»  (رواه ابن ماجه). 

إن حسن الأداء يشجع على انتشار الخير بين الناس، وسوء الأداء يجعل الخير ينكمش... أخبرني أحد أصدقائي أنه أقرض أحد أقاربه عشرين ألف جنيه؛ ليحسن مسكنه ووعده, أن يسددها بعد ستة أشهر، ومرت عليه ستة أعوام ولم يسددها، وطوال الأعوام الستة ظل الدائن يطالب المقترض دون جدوى، إلى أن قال له: اذهب إلى المحكمة لتأخذ حقك!! لقد ختم الدائن حديثه بمثل مخيف، إذ علق قائلًا: ترى إن جاءني شخص يريد قرضًا هل سأستجيب له؟ ثم أجاب بنفسه على سؤاله: قال لا والله, سأقول له ما جاء في الأمثال: «السلف تلف والرد خسارة».

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية

الرابط المختصر :