البذخ يفاقم تكاليف الزواج في زمن التضخم
في زمن تتسارع
فيه الأحداث وتتوالى الأزمات، وتتهاوى فيه العملات وترتفع فاتورة الحروب على حساب
حياة البشر، نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة وغريبة في آن واحد، بينما تعاني الأمة
العربية من ويلات الحروب والصراعات المشتعلة في أكثر من بلد، وترزح اقتصاداتها تحت
وطأة التضخم العنيف الذي يطحن الطبقات الوسطى والفقيرة، ما زالت ثقافة الرفاه
والبذخ في تجهيزات البيوت تسيطر على عقول الكثير من الناس.
لم تعد الزواجات
في مجتمعاتنا العربية مجرد رباط مقدس قائم على المودة والسكن، بل تحولت إلى ميدان
استعراضي تفاخري، وساحات للتشبه بمليارديرات وهميين، يتقاتل فيه الناس بالديون
والقروض.
وفي المقابل؛
تفرض حروب المنطقة واقعاً اقتصادياً قاسياً، لتصبح الأسر عالقة بين مطرقة كلفة
الزواج التي تفوق طاقة الكثيرين، وسندان غلاء المعيشة الذي يستنزف ميزانياتها،
بينما تشتعل نيران الحرب في العالم.
الرفاه.. وباء اجتماعي!
تحول الرفاه في
مجتمعاتنا الحديثة إلى وباء اجتماعي يفتك بقدرة الشباب على تكوين أسر مستقرة، ففي
مجتمعاتنا العربية، أصبح الزواج مرآة للمكانة الاجتماعية، وأصبح الناس يحكمون على
أسرة العروسين من خلاله، فالخوف من نظرات المجتمع وكلماته أصبح يدفع العائلات إلى
الاقتراض واستنزاف مدخراتهم، بل والاستدانة من البنوك والأقارب من أجل تكاليف زيجة
لا يعلمون هل ستبقى مستقرة أم ستتهاوى تهاوي ورق الشجر في الخريف، ويبقى أثرها
المالي سنوات طويلة.
اقتصاديات الحرب وتأثيرها على تكاليف الزواج
الحروب التي
تعصف بالمنطقة العربية ليست مجرد صراعات عسكرية بعيدة عن واقع الناس، بل هي مؤثرات
اقتصادية مباشرة تضرب في صميم قدرتهم على الحياة، فالحرب والتوترات المتصاعدة في
المنطقة، كلها تخلق بيئة اقتصادية مضطربة تنعكس على حياة المواطن العادي في كل
مكان.
عندما تشتعل
الحروب في المنطقة العربية، تتعطل سلاسل الإمداد والتوريد، وترتفع تكاليف الشحن
والتأمين، وتتأثر أسعار النفط والغاز التي تعتمد عليها اقتصاداتنا بشكل كبير، هذا
يعني ببساطة أن كل شيء يرتفع ثمنه؛ من الذهب الذي يعتبر أساساً في كل زفاف عربي،
إلى الأجهزة الكهربائية المستوردة التي تملأ بيوت الزوجية، إلى مواد البناء
والتشييد التي يحتاجها تأثيث البيت الجديد.
إن التضخم الذي
يضرب الاقتصادات العربية نتيجة هذه الصراعات ليس مجرد رقم في النشرات الاقتصادية،
بل هو واقع مؤلم يترجم إلى انخفاض القدرة الشرائية للشباب، وإلى ارتفاع أسعار كل
مستلزمات الزواج بشكل يفوق زيادة الدخول، فما كان يكفي لتجهيز بيت الزوجية قبل بضع
سنوات، أصبح اليوم عصيًا على نصفه.
الفجوة بين توقعات المجتمع وقدرات الشباب
بداية هذه ليست
دعوة لعدم التكافؤ في الزواج، بل دعوة لإعمال العقل، تكمن المأساة الحقيقية في
الفجوة الكبيرة بين ما يتوقعه المجتمع من الزواج الناجح وما يستطيع الشباب توفيره
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، هذه الفجوة تخلق توترات أسرية ومجتمعية متعددة
الجوانب.
فمن ناحية، نجد
فتيات تشبعن بثقافة البذخ عبر الأفلام والمسلسلات ووسائل التواصل الاجتماعي التي
تعرض هذا، فأصبحت تطلعاتهن أقرب للخيال، ومن ناحية أخرى، نجد شباباً يحاولون تلبية
هذه الأحلام بقروض بنكية ترهق كاهلهم قبل أن يبدؤوا حياتهم، وهو ما يخلق مشكلات
اجتماعية أوسع.
اللافت أن هذه
التوقعات تزداد حدة كلما زادت الصعوبات الاقتصادية، ففي وقت الأزمات، يزداد تمسك
الناس بالمظاهر كتعويض رمزي عن الواقع القاسي، يصبح الزواج الفخم بمثابة إثبات
الذات في وجه المتغيرات، وللأسف، هذا الهروب إلى الأمام يكلف الكثير.
تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة
غلاء البذخ في
زمن اقتصاديات الحرب له تداعيات خطيرة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي تتجاوز
مجرد صعوبة الزواج:
فعلى المستوى
الاجتماعي:
1- تأخر سن
الزواج؛ حيث يضطر الشباب إلى الانتظار سنوات طويلة لجمع تكاليف الزواج؛ ما يخلق مشكلات
اجتماعية.
2- زيادة نسبة
الطلاق المبكر؛ حيث تبدأ الحياة الزوجية تحت وطأة الديون والضغوط المالية؛ ما يفقد
الزواج مرونته وقدرته على مواجهة التحديات.
3- تفكك
العلاقات الأسرية بسبب الخلافات حول تكاليف الزواج بين أهل العروسين، التي تصل
أحياناً إلى قطع العلاقات.
4- الهجرة غير
الشرعية؛ حيث يلجأ بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن فرصة أفضل في بلاد
أخرى لتوفير حياة كريمة.
وعلى المستوى
الاقتصادي:
1- إغراق الأسر
بالديون التي تستغرق سنوات لسدادها؛ ما يقلل قدرتها على الادخار أو الاستثمار.
2- توجيه
المدخرات العائلية نحو الاستهلاك بدلاً من الاستثمار في مشاريع إنتاجية تفيد
الاقتصاد الوطني.
3- تفاقم أزمة
السكن؛ حيث يصر المقبلون على الزواج على توفير سكن فخم بدلاً من البدء بمسكن
متواضع يمكن تحسينه مع الوقت.
4- إفقار الطبقة
الوسطى التي تضطر للإنفاق فوق طاقتها للحفاظ على مكانتها الاجتماعية، فتصبح مديونة
تعجز عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
تناقض الأولويات في زمن الأزمات
أقسى ما في
المشهد العربي الراهن التناقض الصارخ بين أولويات الأفراد وأولويات الأمة، فبينما
تغرق بعض الدول العربية في حروب أهلية ودمار شامل، وبينما يعاني ملايين اللاجئين
والنازحين من فقدان أبسط مقومات الحياة، نجد أنفسنا منشغلين بالتفاصيل الدقيقة
لحفلات الزفاف وتبعاتها وأحدث صيحات المجوهرات.
هذا التناقض
يعكس أزمة قيم عميقة، فالمجتمع الذي ينفق آلاف الدولارات على ليلة واحدة بينما
أطفاله يعانون من سوء التغذية، وشبابه عاطلون عن العمل، وأهله مشردون بسبب الحروب،
مجتمع يحتاج إلى مراجعة جذرية لأولوياته.
نحو ثقافة تيسير الزواج
البديل موجود
وليس بدعة، بل هو العودة إلى تعاليم ديننا الحنيف وتراثنا الأصيل الذي يدعو إلى
التيسير في الزواج، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير النكاح أيسره» (سنن أبو
داود، 2117)، هذه ليست مجرد نصوص دينية، بل هي رؤية اقتصادية متكاملة تدرك أن بناء
الأسر لا يبدأ بالديون، بل بالمودة والرحمة والقناعة.
وعليه يمكن
للمجتمعات العربية أن تبدأ خطوات عملية نحو التيسير:
1- توعية
إعلامية تركز على نماذج الزواج الميسر الناجح، وتفضح ثقافة الاستهلاك والبذخ.
2- مبادرات
مجتمعية مثل قوائم المنح والمساعدات للشباب المقبلين على الزواج، وصناديق الزواج
التعاونية.
3- تشريعات
وقوانين تحدد سقفاً للمهور وتكاليف الزواج، كما فعلت بعض الدول العربية في فترات
سابقة.
4- تغيير ثقافة
الهدايا بحيث تتحول من ذهب وأجهزة باهظة إلى مساهمات في تأسيس الحياة الزوجية بشكل
عملي.
5- العودة إلى
الأفراح البسيطة في البيوت أو القاعات المتواضعة، بعيداً عن الاستعراض والتكلف.
وأخيرًا، يبقى
الزواج في جوهره سكناً ومودة ورحمة، كما وصفه الله تعالى حين قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم
مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم
مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
(الروم: 21).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً