التحركات الأمريكية و«الإسرائيلية».. وإعادة تشكيل الإقليم
في لحظة إقليمية
تتكاثف فيها الأزمات وتتشابك فيها الجبهات، باتت التحركات الأمريكية و«الإسرائيلية» تعكس اتجاهاً إستراتيجياً لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية في المنطقة،
مستفيدة من مناخ إقليمي مضطرب، وانشغال دولي بصراعات متوازية، وتراجع أولوية
القضية الفلسطينية على جدول الأعمال العالمي.
غير أن القراءة
المتأنية للمشهد تكشف أن فلسطين، وتحديداً الضفة الغربية وقطاع غزة، ليست على هامش
هذه التحولات، بل في صلبها، وأن ما يجري اليوم قد يرسم ملامح مرحلة طويلة الأمد،
عنوانها فرض الوقائع وتغيير المعادلات تحت غطاء الحرب.
التحركات
الأمريكية، كما تنقلها وكالات الأنباء الدولية، تقوم على تعزيز منظومة الردع
الإقليمي، وتوسيع الانتشار العسكري، وتكثيف التنسيق الأمني مع الاحتلال، في إطار
رؤية أشمل لحماية المصالح الإستراتيجية ومنع تمدد خصوم إقليميين.
في المقابل،
تمضي حكومة الاحتلال في مسارين متوازيين؛ مسار عسكري مباشر عبر عمليات موسعة،
ومسار سياسي إداري هادئ يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية تدريجياً، خصوصاً
في الضفة الغربية.
الضفة الغربية
اليوم تقف في قلب مشروع إعادة الهندسة الجغرافية، فإلى جانب الاقتحامات اليومية
وتشديد الإجراءات العسكرية وإعادة نشر الحواجز، يتسارع البناء الاستيطاني في الكتل
الكبرى، ويتم ربطها بشبكات طرق التفافية تعمق العزل بين المدن والقرى الفلسطينية،
هذا التوسع لا يقتصر على البناء، بل يشمل توسيع نطاق النفوذ البلدي للمستوطنات،
ونقل صلاحيات إضافية إليها، ومنحها امتيازات اقتصادية وخدمية تجعلها كيانات شبه
مستقلة داخل الأرض المحتلة.
وفي المقابل،
يجري تقليص المساحات المتاحة للتوسع الفلسطيني، وتقييد الحركة، وإضعاف البنية
الاقتصادية والاجتماعية.
هذا المسار يشير
إلى ما يمكن وصفه بمرحلة الضم الزاحف، حيث لا يُعلن القرار سياسياً بصورة صريحة،
لكن تُفرض مفاعيله تدريجياً عبر خلق واقع إداري وأمني جديد، ومع مرور الوقت، يصبح
التراجع عنه أكثر صعوبة، ويتحول إلى أمر واقع تتعامل معه الأطراف الدولية بوصفه
حقيقة ميدانية.
وفي ظل انشغال
المجتمع الدولي بأزمات أخرى، تتراجع الضغوط الفاعلة، ما يمنح الاحتلال هامشاً أوسع
للمضي في مشروعه.
في الوقت ذاته،
يشهد قطاع غزة مساراً مختلفاً في الشكل، لكنه متصل في الجوهر، العمليات العسكرية
الواسعة، والتدمير الكبير للبنية التحتية، والحديث المتكرر عن مناطق عازلة
وترتيبات أمنية جديدة، كلها مؤشرات إلى محاولة إعادة صياغة شكل القطاع ووظيفته
السياسية والأمنية، تترافق هذه الإجراءات مع نقاشات حول إدارة ما بعد الحرب،
وإمكانية إشراك أطراف إقليمية أو دولية في ترتيبات مدنية أو أمنية، بما قد يؤدي
إلى تكريس فصل سياسي وإداري طويل الأمد بين غزة والضفة الغربية.
تكمن الخطورة في
أن الضفة وغزة، تُداران بمنطقين مختلفين يخدمان هدفاً واحداً؛ تفكيك وحدة القضية
الفلسطينية، الضفة تُخضع لمنطق السيطرة العميقة والضم التدريجي، وغزة تُخضع لمنطق
الاحتواء وإعادة الضبط، بحيث تتحول كل ساحة إلى ملف منفصل يمكن التعامل معه بمعزل
عن الآخر، وبهذا، يُعاد تعريف الصراع من قضية تحرر وطني شاملة إلى أزمات أمنية
متفرقة.
إقليمياً،
تتباين المواقف بين الدعوة إلى التهدئة والتحذير من التصعيد، فيما تحاول بعض القوى
تجنب الانجرار إلى مواجهة واسعة قد تهدد استقرارها الداخلي، إلا أن هذا التباين
يمنح الاحتلال فرصة إضافية لتمرير سياساته، مستفيداً من غياب موقف موحد ضاغط، ومن
أولوية ملفات أخرى لدى العواصم المؤثرة.
أما دولياً،
فالتصريحات الداعية إلى الحل السياسي لا تترافق مع آليات تنفيذ حقيقية، ما يكرس
فجوة بين الخطاب والممارسة.
ضمن هذه البيئة،
تبرز عدة سيناريوهات محتملة:
أولها: استمرار
النهج الحالي القائم على التصعيد المنضبط، بما يسمح بفرض وقائع جديدة دون الانزلاق
إلى حرب إقليمية شاملة.
ثانيها: انفجار
واسع في الضفة الغربية نتيجة تراكم الضغوط، ما قد يعيد خلط الأوراق ويفرض على
الاحتلال إعادة حساباته.
ثالثها: إدخال
القضية الفلسطينية في إطار تسوية إقليمية أوسع، قد تتضمن ترتيبات أمنية واقتصادية
مقابل تهدئة طويلة الأمد، مع بقاء القضايا الجوهرية معلقة.
غير أن الثابت
في كل هذه السيناريوهات هو أن الضفة الغربية تمثل مركز الثقل في المرحلة المقبلة،
فنجاح مشروع الضم الزاحف فيها يعني تقويض الأساس الجغرافي لأي كيان فلسطيني
مستقبلي، بينما فشل هذا المشروع قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف
الصراع.
أما غزة، فإن
شكل إدارتها وترتيباتها المقبلة سيحدد إلى حد بعيد مستقبل العلاقة بين الساحتين،
وإمكانية إعادة بناء وحدة سياسية وجغرافية.
إن قراءة المشهد
الحالي تكشف أن المنطقة لا تمر بمرحلة تصعيد عابر، بل بعملية إعادة تشكيل عميقة، الخرائط
لا تتغير دفعة واحدة، بل عبر تراكم خطوات صغيرة، قد تبدو منفصلة، لكنها في مجموعها
تصنع تحولاً إستراتيجياً، في الضفة، يتجسد ذلك في تكريس واقع استيطاني وإداري
جديد، وفي غزة، في محاولة إعادة تعريف حدود الدور والوظيفة.
في ضوء هذه
المعطيات، تبدو القضية الفلسطينية أمام منعطف حاسم، تتقاطع فيه مشاريع الضم
والتقسيم مع تحولات إقليمية ودولية معقدة.
الضفة الغربية
تواجه خطر إعادة رسم حدودها على نحو تدريجي، وغزة تواجه تحدي إعادة تعريف موقعها
السياسي والأمني، فيما تتشكل فوقهما معادلة إقليمية جديدة تحكمها حسابات الردع
والمصالح والتحالفات.
المرحلة الراهنة قد تكرس واقعاً طويلاً من إدارة الصراع دون حل، وقد تفتح في الوقت ذاته الباب أمام تحولات غير متوقعة تعيد صياغة المشهد برمته، وبين هذين الاحتمالين، تبقى الحقيقة أن ما يجري اليوم لن يمر دون أثر عميق على مستقبل الأرض والهوية والسيادة، فالخرائط التي تُرسم في زمن الاضطراب قد تتحول إلى ثوابت لعقود، ما لم تتغير موازين القوى أو تنشأ معادلات جديدة تعيد الاعتبار للحقوق الوطنية الفلسطينية في إطار رؤية شاملة تعيد توحيد الساحات وتمنع تفكيك القضية إلى ملفات معزولة.
اقرأ أيضًا:
كيف نقرأ الصراع الإيراني - الصهيوأمريكي بعيداً عن الاستقطاب؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً