التربية الجسمية والصحية للأولاد وفق منهاج النبوة

د. عادل هندي

18 ديسمبر 2025

169

بعد أن تناولنا في المقال السابق الأبعاد التي يجب تجنبها كي لا تتحول التربية إلى مدمرات تحطم البناء النفسي والسلوكي للأبناء، وركزنا على أخطار الإهمال والعقاب الجائر والتضييق على الحريات المشروعة، يأتي هذا المقال ليُكمل الصورة التربوية المتكاملة التي أرادها ديننا الحنيف، حيث ننتقل إلى أحد الأسس الأربعة المهمة في التربية، وهو الجانب الجسماني والصحي للأولاد والبنات.

فالإسلام، بهذا الشمول الذي يميز أحكامه وتشريعاته، لم يغفل أهمية العناية بالجسد الذي هو وعاء النفس، بل حثّ على النظافة والطهارة كأساس للعبادة، وعلى التداوي عند المرض، وعلى التغذية السليمة والنشاط البدني والترويح عن النفس بالتنافس الشريف.

إن التربية الجسمية ليست رفاهية أو أمراً ثانوياً، بل هي جزء لا يتجزأ من بناء الإنسان المسلم المتكامل، الذي ينبغي أن يُعتنى بجسمه كما يُعتنى بعقله وروحه.

إنّ من عظمة هذا الدين أنه دينٌ شاملٌ في أحكامه وتشـريعاته وأخلاقه، وقد جاءت تربيته عليه الصلاة والسّلام شاملة لملامح البناء المتكامل للأبناء والبنات، ومن بين صور اهتماماته التربوية «التربية الجسمية والصحية للأولاد»، ومن النماذج الدالّة على ذلك:

1- الترغيب في النظافة والطهارة والوضوء: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ: ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ»، قَالُوا: لاَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا»(1).

وعند البخاري في الصحيح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»(2).

2- دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكافحة الأوبئة والأمراض بالتداوي للمحافظة على سلامة البدن: فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ الله، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً»، أَوْ قَالَ: «دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ»(3).

3- التغذية السليمة: لقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يهتمّ بالجانب الغذائيّ الصحي للطفل؛ فقد كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالبركة، ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر.

ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا أَخَذَهُ، قَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ»، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ(4).

4- التربية البدنية بالتريّض والتشجيع على إجراء المسابقات التنافسيّة؛ فقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُشَجِّع على عقد المسابقات والمنافسات بين الشباب؛ ففي الحديث عن عبدالله بن الحرث قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَصُفُّ عبدالله وعُبيد الله وكَثيرًا، ثم يقول: «من سَبَقَ إليَّ فله كذا وكذا»، قال: فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبّلهم، ويَلزَمُهُم(5).

ومن النماذج الأكثر وضوحًا في إجراء المنافسات الإبداعية والألعاب التنافسية بين الشباب، ما أجراه الرسول صلى الله عليه وسلم بين رافع بن خديج، وسمرة بن جندب يوم «أُحُد»، فهذا رافع بن خديج يحكي موقفه يوم «أُحُد»: فَأَجَازَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا أَجَازَنِي قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ لِرَبِيبِهِ -وَهُوَ زَوْجُ أُمّهِ-: يا أبة، أَجَازَ رَسُولُ اللهِ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَرَدّنِي، وَأَنَا أَصْرَعُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ.

فَقَالَ مُرَيّ بْنُ سِنَانٍ الْحَارِثِيّ، ربيب سمُرة: يَا رَسُولَ اللهِ، رَدَدْت ابْنِي وَأَجَزْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَابْنِي يَصْرَعُهُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَصَارَعَا»! فَصَـرَعَ سَمُرَةُ رَافِعًا فَأَجَازَهُ النبي صلى الله عليه وسلم(6).

فقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستخدم الترغيب والإثابة في إثارة نشاط الصبية والشباب، لكي يدعمهم في ممارسة أنشطتهم البدنية والرياضية ويشاركهم في فرحتهم ومنافساتهم الشريفة.

ومع استكمالنا لهذا المسار التربوي الشامل، سننتقل في المقال التالي، إن شاء الله تعالى، إلى أساس جديد، وهو التربية على التميز والاستقلالية، هذا الأساس الذي يهدف إلى صقل شخصية الابن أو البنت ليصبحا قادرين على اتخاذ القرارات الصحيحة، والاعتماد على أنفسهم، والسعي للتفوق في ميادين العلم والعمل والدين.

فبعد أن وضعنا اللبنات الأساسية من حيث الحماية من المدمرات والتربية الجسدية والصحية، نبدأ الآن في تمكين الأبناء من أركان الارتقاء والتميز، ليكونوا أفراداً مستقلين، منتجين، قادرين على مواجهة تحديات الحياة بثقة وحكمة.



اقرأ أيضاً:

الابتعاد عن مدمرات العملية التربوية

تنمية الروح الاجتماعية لدى الأبناء

مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء



____________________

الهوامش:

(1) صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، بَابٌ: الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ (528).

(2) صحيح البخاري: كتاب الوضوء، بَابُ الاسْتِجْمَارِ وِتْرًا (162).

(3) سنن الترمذي: أبواب الطب، بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّوَاءِ وَالحَثِّ عَلَيْهِ، ح(2038) وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي خُزَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الشيخ أحمد شاكر: حديث صحيح.

(4) صحيح مسلم: كتاب الحج، بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَدُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، وَبَيَانِ تَحْرِيمِهَا، وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا، وَبَيَانِ حُدُودِ حَرَمِهَا (1373).

(5) مسند أحمد: ومن مسند بني هاشم، حديث عبدالله بن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (1836) وفي إسناده ضعف، كما قال الشيخ أحمد شاكر في التحقيق.

(6) المغازي: محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبدالله، الواقدي (ت 207هـ)، تحقيق: مارسدن جونس، ج1، ص216، ط3/ 1409هـ/ 1989م، دار الأعلمي، بيروت. 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة