الأسس الفكرية والإبداعية..

التربية النبوية على التميز والاستقلالية

د. عادل هندي

05 يناير 2026

94

بعد أن تناولنا في المقال السابق أهمية التربية الجسمانية والصحية لأبنائنا، وبيّنا كيف أن بناء الأجساد السليمة والعادات الصحية القويمة يمثل أساسًا لا غنى عنه لنمو الطفل المتوازن، كان لزامًا علينا أن ننتقل إلى بناء آخر لا يقل أهمية عن ذلك، ألا وهو البناء الفكري والإبداعي، حيث يتشكّل الوعي وتنمو القدرة على التميز والاستقلالية.

إنّ أغلب المربِّين يريدون لأبنائهم أن يكونوا صورة طبق الأصل منهم، وهذه النظرة تصنع منهم تابعين لغيرهم لا مبتكرين ومبدعين؛ ولذا كان هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم يتركّز على استخدام عدد من الوسائل المعينة على التميز في حياة الأبناء، ومن بين تلك الوسائل ما يلي:

1- الحوار الهادئ والمناقشة الرقيقة دون تعنيف لقرار التميز والاستقلالية:

الناشئ حين ينشأ في بيئة يسودها الحوار وتقبّل الرأي يعطيه ذلك فرصة نحو الاستقلالية والقدرة على التعبير عن ذاته بلا خوف أو هلع، ولعلّ في قصة الغلام الصغير الذي جلس مع الكبار يومًا وحاوره النبيّ صلى الله عليه وسلم، واستأذنه في أن يسقي الكبار قبله -بينما كان هو على يمين النبي صلى الله عليه وسلم- رفض الغلام بكل استقلالية دون تبعية لغيره أو انحياز للأكبر أو الأشدّ.

كما في الحديث عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ِقَدَحٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا غُلاَمُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟»، قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثر بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ(1)؛ وفي هذا الحديث ما يدلل على اعتياد الأبناء الأكثر استقلالية على التعبير برأيهم بين ما يسمعون من آراء ولا ينساق الكثير منهم وراء الأغلب أو الأقوى أو الأعلى منصبًا مثلاً.

وقد تمسّك بحقه أيضًا ابن عباس يوم أن جاء الدَّوْر عليه في الشُّـرب، فخيّره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يؤثر بها خالدًا، فأبَى ابن عباس، كما ثبت في الحديث عن ابن عباس قال: أهدتْ خالتي أم حُفَيْدِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمناً ولبناً وأَضُباً(2)، فأما الأضُبُّ فإن النبي صلى الله عليه وسلم تَفَلَ عليها، فقال له خالد بن الوليد: قَذِرْته يا رسول الله؟ قال: «نعم»، أو: «أجلْ».

وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم اللبن فشرب منه، ثم قال لابن عباس وهو عن يمينه: «أمَا إنّ الشّـَرْبة لك، ولكنْ أتأذنُ أن أَسْقِي عمَّك؟»، فقال ابن عباس: قلت: لا والله، ما أنا بمُؤثرٍ على سُؤْرِك أحَداً، قال: فأخذتُه فشربتُ ثم أعطيتُه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أعلم شراباً يُجزئ عن الطعام غيرَ اللبن، فمن شربه منكم فليقل: اللهم باركْ لنا فيه وزدنا منه، ومن طَعمَ طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه»(3).

فليس في رواية الحديث ونصِّه من تعليق ولا إنكار على ابن عبّاس؛ فما عنّفه النبي صلى الله عليه وسلم ولا نهره ولا عاداه، كل هذا يعلّمنا أن نكون رحماء مع استقلالية أبنائنا وذاتيتهم، مع تأديبهم بالآداب الراقية التي تعوّدهم على الإيثار في نفس الوقت واحترام الكبير وتقديره.

2- عدم الإنكار على المُرَبَّى إذا اجتهد في أمر يحتمل أكثر من رأي:

وهذه وسيلة يتعلمها الدارسون والمُربّون من النبي صلى الله عليه وسلم في موقفه من أصحابه يوم «قريظة»؛ ففي الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْـرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْـرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ(4)؛ يقول ابن حجر في الفتح تعليقًا على هذا الحديث: وفيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه(5).

فيُلاحَظ للعقلاء أنه صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على أي الفريقين؛ فكلاهما استقلّ برأيه وتميّز وتفرّد به عن قرينه، وليس بخطأ، فاستحسن النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم الاستقلالية والاختلاف الفكري، وها هو صلى الله عليه وسلم يشجّع الشباب على الاستقلال الذاتيّ في التفكير، شريطة أن يكون مرتبطًا بعمق انتمائهم لرسالة الإسلام؛ كما فعل مع معاذ بن جبل يوم أن أرسله إلى بلاد اليمن داعيًا إلى الله.

3- التركيز على إيجابيات الأبناء لا السلبيّات:

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشجع الشباب على التميز فيعطيهم ألقابًا معنوية تتعلق بما هم فيه من إيجابيات وتميّز، كألقاب «ذو النورين، الفاروق، الصديق، سيف الله المسلول، أمين الأمة، غلام معلّم..»، إلى غير ذلك من الألقاب المشجِّعة، فإنّ تشجيع الابن وتذكيره بنقاط القوة لديه، وما يمكن أن ينجزه ويقوم به يظل أعود عليه بالنفع من إيقاعه في القنوط، ووضع العقبات في طريقه، فلماذا لا نتخذ من إيجابيات أبنائنا رأس جسرٍ لبناء إيجابيات أكثر وأعظم(6).

وإن مجرّد التشجيع الإيجابي بما في الولد من مهارات تميّزه عن غيره، تجعله توّاقًا إلى الازدياد الإيجابي في الاستقلالية والتميز والريادة، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يركّز في مدحه لأحد الشباب على قيمة إيجابية فيه تُحرّكه نحو الازدياد من التميّز لصالح الدين، فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟»، قَالَ: قلت: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (البقرة: 255)، قَالَ: فَضَـرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ»(7)، وبتحليل يسير لهذا الموقف يتبيّن الآتي:

  • استخدام المُرَبِّي السؤال المثير: «أيّ آية معك من كتاب الله أعظم؟».
  • استجابة الشاب إلى الجواب عن السؤال.
  • التشجيع اللفظي وغير اللفظي (المادي والمعنوي): حين ضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدر الغلام، وقوله له: «ليهنك العلم».
  • التدليل باسم جميل باستخدام الكنية «يا أبا المنذر».

ويظهر من كل ما سبق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نوَّعَ وسائلَه في تربية الأبناء على الاستقلالية والتشجيع على التميز في التفكير مع الالتزام بالضوابط الشـرعية والسلوكية.



اقرأ أيضاً:

مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء

التربية الجسمية والصحية للأولاد وفق منهاج النبوة



___________________

(1) أخرجه البخاري: كتاب المساقاة، بَابٌ فِي الشُّرْبِ، وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ (2351).

(2) الأضب هو حَيَوَان من جنس الزواحف من رُتْبَة العظاء غليظ الْجِسْم خشنه وَله ذَنْب عريض، يكثر فِي صحاري الأقطار الْعَرَبيَّة، ومن صفاته المراوغة والخداع، ينظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، باب الضاد، ج1، ص532.

(3) أخرجه أحمد في مسنده: مسند عبدالله بن عباس (2569).

(4) صحيح البخاري: أبواب صلاة الخوف، بَابُ صَلاَةِ الطَّالِبِ وَالمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً (946).

(5) فتح الباري لابن حجر: ج7، ص410.

(6) بناء الأجيال: د. عبدالكريم بكار، ص64، 65 سلسلة كتاب البيان، ط1/ 1423هـ/ 2002م، مجلة البيان، السعودية (بتصرف).

(7) صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ (810).

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة