الترفق في الهروب من المنصب .. حكاية العالم الزاهد إبراهيم بن أبي عبلة

سعد الحسن

27 يوليو 2026

163

الترفق في الهروب من المنصب .. حكاية العالم الزاهد إبراهيم بن أبي عبلة

 أحضر هشام بن عبد الملك، إبراهيم بن أبي عبلة، الذي تقلد ديوان الخاتم لمروان بن محمد، فقال له: إنا قد عرفناك صغيراً، وخبرناك كبيراً، وأريد أن أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك خراج مصر، فاخرج إليها.

فأبى إبراهيم عليه، وقال له: ليس الخراج من عملي، ولا لي به معرفة.

فغضب هشام عليه غضباً شديداً، حتى خاف إبراهيم بادرته، فقال له: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الكلام.

فقال: قل.

قال: إن الله تعالى، قال: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، فوالله ما أكرهها، ولا غضب عليها في إبائها، ولقد ذم الإنسان لما قبلها.

فقال له هشام: أبيت إلا رفقاً، أعفاه، ورضي عنه.

بيان وفوائد:

ليست العظمة دائمًا في أن يصل الإنسان إلى المناصب، بل قد تكون العظمة أحيانًا في أن يعرف قدر نفسه، وأن يرفض ما لا يستطيع القيام بحقه. فالمنصب عند أهل البصيرة ليس غنيمة يتسابق إليها الناس، وإنما هو أمانة ثقيلة يسأل الله عنها صاحبها.

ومما يمكن استخلاصه من الحكاية:

أولًا: معرفة الإنسان لحدوده فضيلة

من أعظم الأخلاق أن يعرف الإنسان قدر نفسه، وأن يميز بين ما يحسنه وما لا يحسنه. فكثير من الناس يقبلون الأعمال الكبيرة بدافع الطموح أو حب الظهور، ثم تكون النتيجة التقصير والفساد؛ لأنهم دخلوا بابًا لم يُحسنوا مفاتيحه.

أما إبراهيم بن أبي عبلة فقد أدرك أن قبول منصب لا يملك أدواته ليس شجاعة، بل مخاطرة بحقوق الناس.

فالجاهل بالعمل قد يظلم وهو يظن أنه يحسن، وقد يفسد وهو يظن أنه يصلح. ولهذا كان الاعتذار عن المسؤولية أحيانًا دليل أمانة لا دليل ضعف.

ثانيًا: المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفًا

نظر الناس قديمًا وحديثًا إلى المناصب باعتبارها رفعة ومكانة، لكن أهل الحكمة ينظرون إليها باعتبارها حسابًا وسؤالًا.

فالمنصب يرفع الإنسان في أعين الناس، لكنه يضعه أمام سؤال الله: هل أدى الأمانة؟ هل عدل؟ هل أحسن التدبير؟

ولهذا استشهد إبراهيم بقول الله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ...

وكأنه يقول للخليفة: إن قبول العمل ليس مجرد قبول منصب، بل قبول حملٍ ستسأل عنه النفس يوم القيامة.

ثالثًا: الشجاعة ليست في مواجهة السلطان فقط، بل في قول الحق له

كان إبراهيم أمام خليفة قوي، وكلمة الرفض قد تغضب صاحب السلطة، وقد رأينا في القصة أن هشامًا غضب حتى خاف إبراهيم شدته.

ومع ذلك لم يتراجع عن موقفه، لكنه لم يتخذ أسلوب التحدي أو الغلظة، بل طلب الإذن بالكلام وقال بأدب: "يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام؟"

وهنا تظهر حكمة عظيمة: يمكن للإنسان أن يكون ثابتًا في مبدئه، رقيقًا في أسلوبه.

فالحق لا يحتاج إلى قسوة، والأدب لا يعني التنازل عن الحق.

رابعًا: حسن الخطاب يفتح أبواب القلوب

لو واجه إبراهيم الخليفة بكلام قاسٍ، ربما تحول الأمر إلى خصومة، لكنه اختار باب الحكمة، فشرح موقفه بمعنى إيماني عميق.

ففهم هشام قصده، ولم يرَ في رفضه تمردًا أو إهانة، بل رأى فيه ورعًا وحسن تدبير، فقال له: "أبيت إلا رفقًا"، ثم أعفاه ورضي عنه.

وهكذا انتصر الأدب حيث قد يفشل الجدل.

خامسًا: ليس كل رفض عصيانًا

قد يظن بعض الناس أن طاعة المسؤول تكون دائمًا في القبول، وأن الاعتذار عن التكليف نوع من التقصير، لكن الحكمة تفرق بين رفض نابع من الهوى، ورفض نابع من الخوف من التقصير.

فمن يرفض لأنه لا يريد العمل، شيء، ومن يرفض لأنه يعلم أنه لا يحسن العمل، شيء آخر.

الأول يهرب من المسؤولية، والثاني يحميها.

سادسًا: أهل الكفاءة لا يطلبون ما لا يعلمون

في زمن تكثر فيه المنافسة على المناصب، تقدم هذه الحكاية معيارًا أخلاقيًا مهمًا: ليس كل طالب ولاية أهلًا لها، وليس كل زاهد فيها عاجزًا عنها.

فقد يكون الامتناع عن المنصب علامة نضج، كما أن الإقدام عليه قد يكون علامة غرور إذا لم تصاحبه القدرة والعلم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة