التشبيهات العقم في الحديث النبوي.. فرادة الصورة وعمق المعنى

عنوان الموضوع وصورة الكاتب وصورة تعبيرية

تمثل التشبيهات العقم في الحديث النبوي صورةً من صور البيان الفريد الذي يجمع بين براعة التصوير وعمق المعنى؛ فلا يقف أثره عند الوظيفة الجمالية، بل يتجاوزها إلى التعليم والإقناع والإرشاد. وإذا كان القرآن الكريم يسقينا من معينه البياني الذي لا ينضب، فإن الحديث النبوي الشريف يزخر كذلك بطاقات بلاغية تستحق التأمل.

ونقف في هذه المقالة على نماذج من التشبيهات العقم، لنكشف ما تنطوي عليه من علاقات دقيقة، وما تؤديه من دور في بناء المعنى وتقريبه إلى الأذهان.

التشبيهات العقم.. حين تكون الفرادة معيارًا للجودة

نشير بداية إلى أن التشبيه من أروع أشكال البيان الحقيقي الذي يكشف جوهر العقل ومعدنه؛ لأن التشبيه كما قال عبد القاهر: (يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين)؛ أي أن التشبيه يجعل المتلقي يربط المعاني المتباعدة الغريبة ببعضها بخيط دقيق لا يُوفق له كل متكلم، ومن هذا الاهتمام الكبير بالتشبيه، حرص البلاغيون على الحكم على جودة التشبيه ومكانته في عملية البيان والإدراك، حتى وصفوا هذه التشبيهات الغريبة العجيبة التي جمعت طرفين متباينين تمام التباين في جملة واحدة أو نسيج واحد بقولهم "التشبيهات العقم"؛ أي أن هذه التشبيهات لم يُسبق إليها ولم تنتج تشبيهات مثلها أو قريبة منها حتى؛ فالتشبيه العقيم تشبيه بلغ من الإجادة والحسن وبراعة الفكر مبلغا كبيرا، ولم يُعرف مثله من قبل ولا من بعد.

ولعل هذه الدلالة السلبية لكلمة (العقم) توحي بأن هذا النوع من التشبيهات رديء لا قيمة له، لكن الواقع بخلاف هذه الدلالة السلبية؛ لأن العقم هنا يقصد به عدم لوْك الألسن للتشبيه إلى أن يصير من التشبيهات القريبة السهلة التي لا تجديد فيها، وهذه الفكرة قريبة من المجازات الميتة وهي التشبيهات والاستعارات التي كان لها أصل في المجاز والبيان لكن من كثرة استخدامها تحولت إلى دلالة وضعية متوارثة لا مجاز فيها. وبالتالي فإن العقم هنا دلالة محمودة؛ بل كلمة تصف أعلى درجات التشبيه فنا وإتقانا.

هذه هو التشبيه العقيم باختصار شديد، وفيما يلي نورد بعض الأمثلة من التشبيهات العقم في الحديث، التي توضح القيمة البلاغية العليا للحديث النبوي الشريف.

السلسلة على الصفوان.. تصوير الهيبة والخضوع

من التشبيهات العقم قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قَضى اللهُ الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكةُ بأجنِحَتِها خُضعانًا لقَولِه كالسِّلسِلةِ على صَفوانٍ" (أخرجه البخاري، رقم: 4701، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

والتشبيه في قوله "كسلسلة على صفوان"، وهذا من التشبيهات التي يمكن وصفها بـالعقيم؛ لأن الغرض منه ليس إثبات صفة مألوفة يمكن أن يتساوى فيها الطرفان، وإنما إحداث صورة جديدة في ذهن المتلقي، يُستعان فيها بالمحسوس لتصوير مشهد غيبي مهيب.

والمشبَّه هنا يحتمل أن هيئة الملائكة عند تلقي الأمر الإلهي، وما يصاحب خضوعها من حركة واضطراب في الأجنحة، والمشبَّه به هيئة السلسلة حين تقع أو تُجرّ على الصفوان، ووجه الشبه هيئة التتابع والتلاحق مع شدة الوقع والنفوذ، وهو تشبيه هيئة بهيئة، ويحتمل أن يكون التشبيه متجهًا إلى الصوت الناشئ عن هذا المشهد؛ إذ إن صوت السلسلة حين تضرب صفوانًا يتصف بالتتابع والامتداد وشدة الوقع، فيكون التشبيه تصويرًا حسيًّا لصوت الأمر وما يحدثه من نفاذ وهيبة في عالم الملائكة. وعلى هذا التقدير ينتقل السامع من المعنى المجرد، وهو صدور الأمر الإلهي ونفوذه، إلى صورة سمعية محسوسة، تتمثل في جرس السلسلة المتتابع حين تقع على الصخرة الصلبة الملساء.

ويتضح عقم التشبيه من كون المشبَّه به ليس مجرد شيء يشترك مع المشبَّه في صفة ظاهرة، بل هو صورة حسية مركبة استُحضرت لتقريب معنى غيبي إلى الحس؛ فالمتلقي لا يعرف حقيقة كيفية تلقي الملائكة للأمر الإلهي، ولكنه يُنقل إلى مشهد محسوس: سلسلة تتحرك على صفوان، تتعاقب حلقاتها، ويتردد أثر حركتها على الصخرة؛ فيستطيع الذهن أن يستشعر من خلال هذه الصورة معنى النفاذ، والتتابع، والهيبة، وسرعة الامتثال.

واللافت أن التشبيه يأتي بعد قوله: "ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله"، فلا يكون منفصلًا عن السياق، بل يأتي كأنه تكثيف بصري وحركي للصورة السابقة. فالملائكة في حال خضوع جماعي، وأجنحتها تتحرك متتابعة، ثم تأتي صورة السلسلة لتمنح هذه الحركة شكلًا محسوسًا متتابعًا. وكأن المشهد كله يتحول إلى حركة واحدة متصلة، لا تتخللها فجوة بين أمر الله واستجابة الملائكة له.

خامة الزرع والأرزة.. القوة في مواجهة البلاء

 ومن التشبيهات العقم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المُؤمِنِ كمَثَلِ خامةِ الزَّرعِ يَفيءُ ورَقُه، مِن حَيثُ أتَتها الرِّيحُ تُكَفِّئُها، فإذا سَكَنَتِ اعتَدَلَت، وكَذلك المُؤمِنُ يُكَفَّأُ بالبَلاءِ، ومَثَلُ الكافِرِ كمَثَلِ الأَرْزةِ صَمَّاءَ مُعتَدِلةً حتَّى يَقصِمَها اللهُ إذا شاءَ" (أخرجه البخاري، رقم: 7466، واللفظ له، ومسلم، رقم: 2809، بنحوه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

يعد هذا الحديث نموذجا بليغًا للتشبيه المركب الذي تتجاوز وظيفته مجرد الإيضاح إلى إنشاء صورة جديدة يُعاد من خلالها بناء المعنى في ذهن المتلقي؛ فالتشبيه الأول لا يقوم على مشابهة بسيطة بين المؤمن والزرع، وإنما يتناول هيئة مركبة: نبات غض رقيق تعصف به الرياح من جهات مختلفة، فيميل معها، ثم يستعيد اعتداله عند سكونها، وهذه الهيئة تقابل حال المؤمن الذي يتعرض للبلاء، فيتأثر به ويتغير حاله، لكنه لا ينهار تماما؛ وإنما يستعيد توازنه بعد انكشاف المحنة، ومن ثم فإن وجه الشبه ليس مجرد الضعف أو اللين، وإنما المرونة أمام المؤثرات، والتأثر بها من غير انكسار، والقدرة على العودة إلى طريق الحق دائما رغم ما يلاقي

وتتأكد قوة الصورة من كثرة الأفعال الحركية في الحديث، مثل: «يفيء»، و«تكفئها»، و«سكنت»، و«اعتدلت»، و«يكفأ»، حيث تجعل التشبيه مشهدًا متحركًا تتعاقب فيه حالات الميل والاستقامة، فلا يبقى النبات صورة جامدة، وإنما يتحول إلى نموذج محسوس لحركة المؤمن في مواجهة البلاء. وبذلك ينتقل المعنى النفسي المجرد، وهو الصبر والمرونة أمام المحن، إلى مشهد طبيعي يمكن للمتلقي أن يدركه بالحس والخيال.

أما التشبيه الثاني فيقوم على مقابلة هذا النموذج بنموذج الأرزة «صماء معتدلة». فالأرزة تمثل الصلابة والاستقامة الظاهرة، غير أن هذه الصلابة لا تنتهي إلى المرونة، بل إلى القصم: «حتى يقصمها الله إذا شاء». ومن هنا تنشأ مفارقة بلاغية؛ إذ تبدو خامة الزرع أضعف في ظاهرها من الأرزة، لكنها في منطق الحديث أقدر على الاستمرار؛ لأن قابليتها للميل تمنعها من الانكسار، في حين أن صلابة الأرزة تجعلها ثابتة حتى لحظة القصم.

وهذه المفارقة تكشف أن التشبيه هنا لا يقرر معنى جاهزًا فحسب، بل ينشئ رؤية جديدة لمفهومي القوة والضعف؛ فاللين ليس ضعفًا مطلقًا، كما أن الصلابة ليست قوة مطلقة، وإنما العبرة بقدرة الكائن على التكيف مع المؤثرات والاستمرار بعدها. ولذلك يمكن عدّ هذا التشبيه من التشبيهات العقيمة بالمعنى الذي تتولد فيه من المقارنة دلالة مركبة لا يستقل بها الوصف المباشر.

ويزداد البناء البلاغي إحكامًا بالمقابلة بين الصورتين: خامة الزرع/الأرزة، الميل/الاستقامة، التأثر/الصلابة، العودة إلى الاعتدال/القصم؛ فالصورة الأولى تنتهي إلى الاستمرار، والثانية تنتهي إلى الانقطاع. وبذلك يصبح التشبيه وسيلة لتجسيد قانون معنوي في صورة طبيعية محسوسة: أن المؤمن قد تهزه المحن، لكنه بمرونته الإيمانية يتجاوزها، أما من يتوهم القوة في الجمود فقد يبقى قائمًا حتى تأتيه الضربة التي لا يستطيع بعدها النهوض.

ومن هنا تتجلى براعة التشبيه النبوي في أنه لا يشرح حال المؤمن بالكلام المجرد، وإنما يجعل المتلقي يرى البلاء ريحًا، ويرى المؤمن زرعًا، ويرى الصبر عودةً إلى الاعتدال، ويرى الكفر والعناد أرزةً، ويرى النهاية قصمًا؛ فتتحول الحكمة الأخلاقية إلى مشهد حسي متكامل، وتتحول الصورة الطبيعية إلى أداة لإنتاج المعنى وتوجيه الرؤية.

الغيث والأرض.. تفاوت الناس في تلقي الهدى

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (أخرجه البخاري، رقم: 79، ومسلم، رقم: 2282، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، واللفظ لمسلم).

يمثل هذا الحديث نموذجًا بارزًا للتشبيه المركب؛ إذ لا تقوم المشابهة فيه على صفة مفردة، وإنما على هيئة متكاملة تجمع بين الغيث والأرض والماء والإنبات والانتفاع، وتقابلها في الجانب المعنوي مراتب تلقي الهدى والعلم وآثارهما في الإنسان.

فالمشبَّه هو ما بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، والمشبَّه به الغيث الكثير، غير أن التشبيه يتجاوز هذه المقابلة الأولية إلى تفصيل أحوال الأرض التي أصابها الغيث؛ فالأرض النقية قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب، وهي تقابل من فقه في دين الله، فانتفع بالهدى والعلم، ثم علّمه لغيره. والأجادب أمسكت الماء فانتفع به الناس، وهي تقابل من حفظ العلم ونقله إلى غيره، وإن لم يظهر أثره فيه على صورة الإنبات. أما القيعان فلا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهي تقابل من لم يقبل الهدى ولم ينتفع به.

وتنبني روعة التشبيه في أن الحديث يصور درجات الهداية والاتباع من خلال ظواهر طبيعية محسوسة؛ فالغيث واحد، لكن أثره يختلف باختلاف الأرض. وبالمثل، فإن الهدى والعلم واحد، وإنما تتفاوت ثماره بحسب قابلية المتلقي وطريقة تعامله معه. ومن ثم يصبح اختلاف الأرض تمثيلًا لاختلاف الناس في القبول والحفظ والإثمار والرفض.

كما أن التشبيه قائم على حركة متدرجة: نزول الغيث، وقبول الأرض للماء، ثم إمساكه أو إنباته، ثم تحقق النفع؛ وهي حركة تقابل انتقال العلم من مجرد التلقي إلى الفقه والانتفاع والتعليم، وبذلك لا يقتصر التشبيه على تقريب المعنى، بل ينشئ نموذجًا تصوريًا متكاملًا يفسر العلاقة بين العلم والهداية من جانب وقابلية المتلقي وأثر العلم في المقابل.

وعليه، تتجلى قيمة هذا التشبيه -في إطار التشبيهات العقم- في أن المشبَّه به لا ينقل إلى المشبَّه صفة واحدة، وإنما يستدعي بنية دلالية كاملة تنتج معانيَ متعددة: القبول، والحفظ، والإثمار، والنفع، أو الإعراض؛ فالتشبيه هنا أداة لبناء المعنى، لا مجرد وسيلة لتوضيحه، وهو ما يمنحه طاقة تصويرية وحجاجية تتجاوز حدود التشبيه البسيط.

وبعد، فهذه الأمثلة غيض من فيض، وإن الحديث الشريف يزخر بجواهر التشبيهات الفريدة التي أوردها النبي لفوائد وأغراض تداولية عديدة، مثل: التعليم والإقناع والإرشاد، ومع ذلك فإن الوظيفة الجمالية البديعة كانت في أوجها حين ندرك العلاقات الدقيقة بين طرفي التشبيه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة