التعبير الأدبي في زمن وسائل الاتصال الحديثة.. مشكلة النوع

التعبير الأدبي في زمن وسائل الاتصال الحديثة.. مشكلة النوع

تبدو ثنائية الأدب والنظرية ذات جذور ضاربة في تاريخ الثقافة الإنسانية بصفة عامة؛ فمتى وجد الإبداع وجد الإطار النظري الناقد الكاشف عن طبيعته على مستوى: الشكل، والمعنى والقيمة، لكن على ما يبدو فإن التحول على مستوى الوسيط/الفضاء الحامل لمنجز المبدع الأديب الفنان قد ألقى بظلال مؤثرة في تحديد ماهية النوع الذي يمكن أن ينضوي تحته ما يخطه قلم المبدع؛ إننا نجد أنفسنا عبر التاريخ أمام وسائط عدة حملت رسلة المبدع إلى المتلقي:

  • الوسيط الشفاهي.
  • الوسيط الورقي.
  • الوسيط الصحفي: المطبعة وما ترتب على ظهورها من آثار ملموسة في الكتابة الأدبية من حيث الشكل ومن حيث الكم المصاحب (المقال، القصة القصيرة وتفريعاتها الأقصوصة والقصة القصيرة جدا على سبيل المثال).
  • الوسيط الرقمي (فضاء الإنترنت بحجراته المختلفة: فيسبوك، وتساب، إنستجرام، تليجرام، تويتر).

وبحركة أفقية في الزمن ذات طابع استقرائي يمكن القول: إن الناقد قد استطاع أن يتحكم في أدواته ومن ثم في نظرته إلى ما يتم بثه بمعرفة المرسل المبدع، وأن يضع له هويته على مستوى الاسم الذي به يعرف وعلى مستوى السمات والخصائص، عملية يمكن القول: إنها اتسمت بإيقاع منتظم محدد وواضح، حتى وصلنا إلى زمن وسائل الاتصال الحديثة التي ارتبطت في ظهورها بثورة الإنترنت؛ فصار التعبير الأدبي على مستوى النوع على المحك(1).

وقد ارتبط تاريخ الأدب دائمًا بوسائل نقله وتداوله؛ فالانتقال من الثقافة الشفوية إلى الكتابة ثم إلى الطباعة أحدث تغيرات كبيرة في طبيعة الإنتاج الأدبي. واليوم يمثل الاتصال الرقمي مرحلة جديدة تجاوزت حدود النشر الورقي، حيث أصبح الكاتب قادرًا على نشر نصوصه فورًا والوصول إلى جمهور واسع دون وساطة المؤسسات الثقافية التقليدية.، إن المجتمع الإنساني بصفة عامة أضحى على موعد مع حالة بالغة الدقة في التعبير يمكن وصفها بأنها تقوم على سيولة مبالغ فيها في الكتابة على حساب انحسار متسارع لمجتمع القراءة، ويمكن وضع هذه الحالة تحت شعار (في زمن النت أن تُرى مقدم تماما على أن تَرى) فالولع بالشهرة مسألة يمكن نعتها بالأزمة بالمرض الذي أصاب كثيرين، مع شعور كل مستخدم للنت أن صفحته على فيسبوك أو تويتر عبارة عن منبر إعلامي يمكنه من خلاله ترسيخ وجود فردي وسط مسطح متسع يسعى من خلاله أصحابه إلى الوصول إلى أبعد نقطة ممكنة في الانتشار والظهور؛ فلم تعد الكلمة وحدها هي الوسيلة في ذلك، بل تزاحمها أدوات أخرى، كالصورة الثابتة والمتحركة والموسيقى والألوان وغير ذلك(2).

وبالوقوف عند الأدب تحديدًا نجد أنه قد شهد خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحولات عميقة بفعل التطور المتسارع في وسائل الاتصال الرقمية، فلم تعد النصوص الأدبية تُنتج وتُتداول داخل الأطر التقليدية المرتبطة بالكتاب الورقي أو المجلات الثقافية، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية فضاءات جديدة للكتابة والنشر والتلقي. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة طرح أسئلة قديمة حول مفهوم النوع الأدبي وحدوده، وإلى ظهور إشكالات جديدة تتعلق بتداخل الأجناس الأدبية، وتغير العلاقة بين الكاتب والقارئ، وتبدل معايير القيمة الأدبية. ومن هنا تبرز مشكلة النوع بوصفها إحدى أبرز القضايا النقدية التي أثارتها البيئة الرقمية، إذ أصبح من الصعب إخضاع كثير من النصوص الحديثة للتصنيفات التقليدية التي ميزت بين الشعر والرواية والقصة والمقال، وقد انعكس هذا الواقع على طبيعة النص الأدبي نفسه؛ إذ لم يعد النص مغلقًا أو ثابتًا، بل أصبح قابلًا للتعديل والتحديث والتفاعل مع القراء عبر التعليقات والمشاركات. كما ظهرت أنماط جديدة من الكتابة تعتمد الصورة والصوت والفيديو والروابط الإلكترونية، وهو ما جعل الأدب أكثر انفتاحًا على الفنون والوسائط الأخرى.

الأدب والوسيط الرقمي.. مشكلة تحديد النوع

يقصد بالنوع الأدبي عموما مجموعة الخصائص التي تميز شكلًا أدبيًا معينًا عن غيره، مثل الرواية أو المسرحية أو القصيدة(3)، غير أن هذا المفهوم تعرض لاهتزاز واضح مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة، حيث ظهرت نصوص يصعب تصنيفها ضمن جنس واحد؛ فالعديد من النصوص المنشورة على المنصات الرقمية تجمع بين السرد والشعر واليوميات والتأملات الشخصية، كما تمزج بين اللغة المكتوبة والصور والرموز التعبيرية والمقاطع الصوتية. ويؤدي هذا التداخل إلى تراجع الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية، الأمر الذي يدفع النقاد إلى إعادة النظر في مفهوم النوع ذاته.

ويرى عدد من الباحثين أن النوع الأدبي لم يعد بنية مغلقة، بل أصبح إطارًا مرنًا يتغير بتغير السياقات الثقافية والتقنية؛ ولذلك فإن النصوص الرقمية لا تلغي الأنواع الأدبية التقليدية، وإنما توسعها وتفتحها على إمكانات جديدة للتعبير.

وقد أصبحت منصات مثل فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) وإنستغرام فضاءات لإنتاج أشكال متنوعة من الكتابة الأدبية. فقد انتشرت القصة القصيرة جدًا، وقصيدة الومضة، واليوميات الرقمية، إضافة إلى الروايات التي تُنشر على حلقات عبر الإنترنت، وتتميز هذه النصوص بالاختصار والسرعة ومراعاة طبيعة التلقي الرقمي، حيث يميل القارئ إلى النصوص المكثفة ذات الإيقاع السريع. كما أصبح التفاعل الفوري بين الكاتب والجمهور عنصرًا مؤثرًا في عملية الكتابة نفسها، إذ يمكن للمؤلف تعديل نصه أو تطويره استجابة لتعليقات القراء، وفي المقابل، يثير هذا الواقع تساؤلات حول معايير الجودة الأدبية، لأن سهولة النشر لا تعني بالضرورة جودة النص، كما أن عدد المتابعين أو الإعجابات لا يمكن اعتباره معيارًا نقديًا للحكم على القيمة الفنية(4).

ومن أبرز مظاهر مشكلة النوع في العصر الرقمي ازدياد ظاهرة التداخل بين الأجناس الأدبية. فالرواية قد تتضمن مقاطع شعرية أو رسائل إلكترونية أو محادثات رقمية، كما تستفيد القصيدة الحديثة من تقنيات السرد والحوار، بينما يوظف المقال عناصر أدبية وجمالية كانت ترتبط سابقًا بالأجناس الإبداعية، ويعد هذا التداخل امتدادًا لتطور الأدب الحديث، لكن وسائل الاتصال الرقمية سرعت من وتيرته، إذ وفرت بيئة تسمح بتداخل النصوص والوسائط المختلفة داخل العمل الواحد. ومن ثم أصبح القارئ يتعامل مع نص متعدد الأصوات والأشكال، يصعب إخضاعه لقواعد التصنيف التقليدية.

أصبح النقد الأدبي مطالبًا بتطوير أدواته لمواكبة التحولات التي أحدثتها وسائل الاتصال الحديثة. فالمناهج النقدية التي اعتمدت على استقرار النص وحدود النوع لم تعد كافية لتحليل النصوص الرقمية التي تتسم بالحركة والتفاعل والانفتاح؛ ولهذا يدعو كثير من الباحثين إلى تبني مقاربات تجمع بين الدراسات الأدبية والإعلامية والثقافية والرقمية، بما يسمح بفهم العلاقة بين التقنية والإبداع، وبين طبيعة الوسيط وخصائص النص الأدبي. كما أصبح الاهتمام بظروف التلقي والتفاعل جزءًا أساسيًا من دراسة العمل الأدبي في العصر الرقمي.

تعليق ختامي

إننا يمكن القول بناء على ما سبق: إننا أمام فضاءين لنقل رسالة المرسل التعبيرية: وسيط تقليدي متعارف عليه منذ قرون، يتمثل في الوسيط السمعي الذي أضحى منذ عصر التدوين في القرنين الثاني والثالث الهجريين بالنظر إلى ثقافتنا العربية على سبيل المثال وسيطا ورقيا في شكل كتاب، ثم تطور فيما بعد بفضل المطبعة، ثم الوسيط الرقمي التفاعلي، الذي يفرض على مجتمع النقد تحديا؛ كيف يمكن مواكبة هذه الوتيرة المتسارعة في إنتاج النصوص وفي تحديد هويتها على مستوى الشكل والنوع وفي تحديد قيمتها على مستوى المعنى وارتباط كل ذلك بالمرجع الخارجي المتصل بالأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.

الهوامش
  • 1 د.أحمد يحيى علي، أعمال ندوة الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال الحديثة، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد (79)، 2011م، ص222.
  • 2 المرجع السابق، ص226.
  • 3 د. محمد مندور، الأدب ومذاهبه، طبعة دار نهضة مصر، دون تاريخ، ص17، 18.
  • 4 د. سعيد يقطين. النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، المركز الثقافي العربي، 2008، ص45،46.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة