التعلُّم المستمر وخدمة الآخرين بعد التقاعد

عائلة_تضم_الجد_والابن_والأحفاد_تواصل_التعلم_والعمل

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.

رحلة في تعلم اللغة التركية

بدأت أحداث يوم 13 أغسطس 2025م، عندما التحقت بدورة في اللغة التركية، تهدف إلى تنمية مهارات المحادثة والخطابة، كنت أبحث عن دورة من هذا النوع منذ أشهر، إلى أن تواصلت معي مسؤولة في أحد معاهد تعليم اللغات في دولة الكويت، وأخبرتني بوجود دورة متخصصة في المحادثة باللغة التركية، فسارعت إلى التسجيل فيها.

امتدت الدورة 9 أيام، بواقع ساعتين يومياً، ليبلغ مجموع ساعاتها 18 ساعة من التدريب على المحادثة والتخاطب باللغة التركية، وكان الأستاذ عامر، المشرف على الدورة، يطلب من المتدربين التحدث عن أحدث إنجاز حققوه في حياتهم، على أن يكون الحديث كاملاً باللغة التركية.

احتاجت هذه المهمة إلى استعداد مسبق، فبحثت في شبكة الإنترنت عن تطبيق يستطيع تحويل النصوص من اللغة العربية إلى اللغة التركية، وبعد أن عثرت على التطبيق المناسب، أدخلت فيه معلومات عن كتبي وعناوينها والموضوعات التي تناولتها، فترجمها إلى اللغة التركية بطريقة ساعدتني على فهم الكلمات وحفظها.

واستعنت كذلك ببعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي للتحقق من سلامة نطقي، وتصحيح الأخطاء التي قد أقع فيها أثناء الكلام، وقد أدركت من خلال هذه التجربة أن وسائل كثيرة أصبحت متاحة اليوم لتعلم اللغات والمهارات المختلفة، من دون الاقتصار على الطرق التقليدية أو الكتب وحدها.

لا شك أن التحدث بلغة جديدة يكون صعبا في البداية، لأن الإنسان يحتاج إلى وقت حتى يتعود على تركيب الجمل، واستحضار المفردات، ونطق الكلمات بصورة سليمة، لكن الممارسة المستمرة تجعل الأمر أكثر سهولة وعفوية، وتمنح المتعلم ثقة أكبر في قدرته على التعبير.

وبفضل الله، تمكنت من التحدث أمام المتدربين عن مؤلفاتي، وذكرت لهم أنني ألفت 14 كتاباً في المهارات القيادية والإدارية والسلوكية، وقد أبدى بعض الحاضرين اهتماماً بهذه الكتب، وسألوني عن أماكن بيعها، فأرشدتهم إلى المكتبات التي تتوافر فيها داخل دولة الكويت وخارجها.

الاستعداد للحديث عن القيادة الفعالة

في اليوم نفسه، تواصل معي الأخ سعد، مقدم «بودكاست بيان»، وطلب مني إعداد محاور لحلقة بعنوان «فن القيادة الفعالة»، وافقت مباشرة على المشاركة، وبدأت في كتابة المحاور، ثم أضفت إليها عدداً من القصص والتجارب المرتبطة بمفاهيم القيادة.

حرصت على أن تتناول المحاور أسرار القيادة الفعالة، والصفات التي ينبغي أن يتحلى بها القائد، وكيفية التعامل مع الفريق، واتخاذ القرارات، والتواصل مع الآخرين، وتحويل الأفكار إلى مشروعات واقعية، وبعد الانتهاء من الإعداد، أرسلت المحاور إلى مقدم البرنامج، على أن يحدد موعداً مناسباً لتسجيل الحلقة.

تؤكد هذه التجربة أهمية الاستعداد الجيد قبل أي لقاء إعلامي أو علمي، لأن جودة الحوار لا تعتمد على الارتجال وحده، بل تحتاج إلى ترتيب الأفكار، واختيار الأمثلة، وتحديد الرسائل الأساسية التي ينبغي إيصالها إلى المستمعين.

لقاء لتطوير مهارات اللغة

بعد انتهاء دورة المحادثة باللغة التركية، دعوت الأستاذ عامر إلى تناول الإفطار معي في أحد المقاهي المعروفة في دولة الكويت، فوافق مشكوراً، وتحدثنا خلال اللقاء عن الدورة، ومدى الاستفادة منها، والخطوات التي يمكن اتخاذها بعد انتهائها من أجل تطوير مستوى اللغة.

وأوضحت له أن المرحلة التالية ينبغي أن تركز على تعلم تهجئة الكلمات التركية وقراءتها بصورة صحيحة؛ لأن المتعلم يحتاج إلى القدرة على قراءة أي نص يقع بين يديه، حتى يتمكن بعد ذلك من فهمه واستخدام مفرداته.

وكان الأستاذ عامر متمكناً من اللغة التركية، إلى جانب إجادته اللغة العربية بطلاقة، ولذلك كانت الجلسة مفيدة ومثمرة، وناقشنا خلالها كيفية الانتقال من مرحلة المحادثة الأساسية إلى مرحلة أكثر تقدماً تشمل القراءة والفهم والتعبير.

لقاء إنساني في أحد المستشفيات

في يوم 14 أغسطس 2025م، كان لديَّ موعد في أحد مستشفيات دولة الكويت لمرافقة شخص مقرب إلى طبيبة متخصصة في الأمراض الجلدية، وعندما دخلنا إلى الطبيبة وسألناها عن اسمها، اتضح أنها زوجة طبيب يعمل في المستشفى نفسه، وهو الطبيب الذي اعتادت العائلة الرجوع إليه في القضايا الصحية المختلفة.

كان ذلك الطبيب يقدم لنا نصائح مفيدة، ولا سيما فيما يتعلق بالمحافظة على صحة الدماغ والذاكرة، والوقاية من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، وكنت أسأله دائماً عن أسرته، فيخبرني بأن زوجته لم تصل بعد إلى دولة الكويت، وأنه ينتظر قدومها.

لذلك، سعدنا كثيراً عندما علمنا أن زوجته وصلت، وأن الله سبحانه وتعالى جمع شملهما في هذا البلد الطيب، وقد ذكرني هذا الموقف بما توفره دولة الكويت من بيئة تساعد كثيراً من المقيمين على الشعور بالأمن والاستقرار، وتمنحهم فرصة لبناء حياة كريمة مع أسرهم.

وتذكرت في هذا السياق مقابلة إعلامية مع شخصية سياسية فلسطينية، سئلت عن الدولة العربية التي تفضل الإقامة فيها لو أتيح لها الاختيار، فاختارت دولة الكويت، ويعكس هذا الاختيار ما تتمتع به الكويت من مكانة طيبة في نفوس كثير من العرب، وما توفره من أسباب الاستقرار والعيش الكريم.

خدمة الآخرين بعد التقاعد

وفي اليوم نفسه، قررت أن أخوض تجربة جديدة، فتواصلت مع إحدى الجامعات المعروفة في إحدى دول الخليج العربي، وطلبت فرصة انتداب جزئي في مجال الهندسة الكهربائية، وهو مجال تخصصي العلمي والمهني.

أرسلت إلى الجامعة شهاداتي والوثائق المطلوبة، وأبديت استعدادي للمساهمة في تدريس الطلبة والطالبات، ونقل خبرتي إليهم بعد التقاعد، وقد انطلقت هذه المبادرة من إيماني بأن المتقاعد لا ينبغي أن يتوقف عن العطاء، بل يمكنه أن يوظف خبرته في خدمة المؤسسات التعليمية والمجتمعية.

إن الشخص الذي قضى سنوات طويلة في تخصصه يمتلك حصيلة كبيرة من المعرفة والتجربة، ومن المؤسف أن تبقى هذه الحصيلة من دون استفادة، ولذلك أدعو المتقاعدين إلى التواصل مع الجامعات والمؤسسات داخل بلدانهم وخارجها، وعرض خبراتهم وتخصصاتهم، لعلهم يجدون فرصاً للتدريس أو التدريب أو الاستشارة.

وتوفر شبكة الإنترنت اليوم عناوين الجامعات ووسائل التواصل معها، سواء في دول الخليج العربي أو الأردن أو جمهورية مصر العربية أو تركيا أو ماليزيا وغيرها من الدول، وكل ما يحتاج إليه الإنسان هو المبادرة، وإعداد ملفه العلمي، وإرسال الوثائق المطلوبة، ثم انتظار الفرصة المناسبة.

التعليم عن بُعد لخدمة طلبة غزة

وصلتني كذلك رسالة من إحدى جامعات قطاع غزة، تطلب مساعدة الأساتذة المتقاعدين وغير المتقاعدين في تعليم الطلبة الذين تعطلت دراستهم بسبب ظروف الحرب، وقد حرم عدد كبير من هؤلاء الطلبة من انتظام العملية التعليمية منذ 7 أكتوبر 2023م، وفقدوا جزءاً مهماً من سنواتهم الدراسية.

لبيت الدعوة مباشرة، لأن المشاركة لن تتطلب السفر إلى قطاع غزة، بل ستكون من خلال تطبيق «زووم»، الذي يتيح للمعلم نقل معرفته وخبرته إلى الطلبة عن بُعد، وتمثل هذه الوسيلة فرصة مهمة لمساندة الطلبة، والحفاظ على استمرار تعليمهم رغم الظروف الصعبة.

إن التعليم عن بُعد ليس بديلاً كاملاً عن التعليم المباشر، لكنه يصبح وسيلة ضرورية عند تعذر الوصول إلى المدارس والجامعات، كما أنه يفتح المجال أمام الأكاديميين والخبراء من مختلف الدول لتقديم المحاضرات والدروس، والمساهمة في دعم الطلبة الذين يحتاجون إلى العلم والتوجيه.

تكشف أحداث يومي 13 و14 أغسطس 2025م، عن أهمية التعلم المستمر، والمبادرة، وحسن استثمار الخبرة، فقد بدأت التجارب بتعلم اللغة التركية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الترجمة وتصحيح النطق، ثم انتقلت إلى الإعداد لحوار عن القيادة الفعالة، وتطوير مهارات القراءة والمحادثة.

كما أظهرت هذه الأحداث قيمة العلاقات الإنسانية، وأهمية البيئة المستقرة التي تجمع الأسر وتعينها على بناء حياة كريمة، وبرزت كذلك ضرورة استفادة المتقاعد من تخصصه، من خلال التدريس أو التدريب أو التطوع، بدلاً من ترك خبراته من دون أثر.

وأخيراً، فإن مساعدة طلبة غزة عبر التعليم عن بُعد تمثل نموذجاً عملياً لتسخير المعرفة والتقنية في خدمة الآخرين، فالعلم يزداد أثره حين ينقل إلى من يحتاج إليه، والخبرة تكتسب قيمتها الحقيقية حين تتحول إلى عطاء مستمر، ينفع الإنسان ومجتمعه، ويمتد أثره إلى الأجيال القادمة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة