توبوا إلى الله توبة نصوحاً
التوبة النصوح.. كيفيتها ولماذا أمرنا الله بها؟
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ
عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم:
8).
إنه نداء يفتح
الباب أمام المذنبين والمؤمنين على حد سواء، أن تعالوا إلى ربكم، واتركوا حالكم
السيئ إلى الحسن، والحسن إلى الأحسن، حتى يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من
تحتها الأنهار.
تعريف التوبة النصوح
التوبة النصوح
هي الخالصة، وقيل: هي ألا يرجع العبد إلى ما تاب عنه(1)، وقيل: هي
توثيق بالعزم على ألا يعود لمثله(2).
والتوبة النّصوح
هي من أعمال القلب، وهو تنزيه القلب عن الذنوب، وعلامة ذلك أن يظنّ المعصية صعبة
وكريهة، وألا يعود إليها، وألّا يدع المعصية تخطر بباله أصلاً.
وقال ذو النون:
توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواصّ من الغفلة، فإنّ الغفلة عن الله أكبر الكبائر(3).
وقيل هي: التوبة
العامة الشاملة للذنوب كلها، التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب
منه، ويستمر عليها في جميع أحواله(4).
فالتوبة النصوح
هي الرجوع الخالص إلى الله، مع عدم عودة العبد إلى ما كان عليه، والارتقاء بالنفس
إلى أعلى درجات القرب من الله تعالى.
لماذا التوبة النصوح؟
1- الله أمر بها:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) (التحريم: 8)؛ قال القرطبي:
التوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها كمالاً يعود اللبن إلى الضرع، وقيل: النصوح
الصادقة الناصحة، وقيل: الخالصة، وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه
ويستغفر منه إذا ذكره، وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها، وقيل: هي
التي لا يحتاج معها إلى توبة، وقال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم(5).
وقال ابن كثير
في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)؛ أي: توبة
صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان
يتعاطاه من الدناءات(6).
2- تكفير السيئات:
أوضح الله تعالى
أن المقصد الأول من الأمر بالتوبة النصوح تكفير السيئات، حيث قال تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ
عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، ولا يخلو إنسان من أن تكون له سيئات وذنوب،
بمقتضى التكوين البشري الذي امتزج فيه عنصران مختلفان: عنصر طيني أرضي، وعنصر
رُوحي سماوي، فأحدهما: يشدُّه إلى أسفل، والآخر: ينزع به إلى أعلى، الأول: يمكن أن
يهبط به إلى حضيض الأنعام أو أضل سبيلًا، والآخر: يمكن أن يرقى به إلى أفق
الملائكة، وربما خير مقيلًا.
من أجل هذا كان
كل إنسان عرضة لأن يسيء ويذنب، وكانت حاجته إلى التَّوبة النصوح، لتكفير ما بدر
منه من سيئات.
3- دخول الجنات:
المقصد الثاني
من الأمر بالتوبة النصوح جاء في قوله تعالى: (وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ)؛ ومن ذا الذي يستغني عن دخول الجنات، فأهم ما يشغل
المؤمن مصيره الأبدي، هذه قضية المصير الأولى للإنسان؛ أينجو يوم القيامة أم يهلك؟
أيفوز ويسعد أم يخيب ويشقى؟ والنجاة والفوز والسعادة في الجنَّة، والهلاك
والخَيْبة والشقاوة في النَّار؛ (فَمَنْ
زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185)(7).
كيفية التوبة النصوح
التوبة النصوح
أرقى أنواع التوبة، فهي تعتمد على التوبة العامة وتشتمل عليها ثم تزيد عليها
أحوالاً أخرى.
قال الإمام
النووي: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد، والله تعالى،
لا تتعلق بحق آدمي، فلها 3 شروط:
أحدها: أن يقلع
عن المعصية.
والثاني: أن
يندم على فعلها.
والثالث: أن
يعزم ألا يعود إليها أبداً.
فإن فقد أحد
الثلاثة لم تصح توبته.
وإن كانت
المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت
مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكّنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت
غيبة استحله منها(8).
أما التوبة
النصوح فهي على وزن فعول، وهي صيغة مبالغة، والقصد من ذلك أنها تزيد على غيرها،
وقد أوضح ذلك ابن القيم بقوله: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم
جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته.
والثاني: إجماع
العزم والصدق بكليته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع
عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها.
الثالث: تخليصها
من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته،
والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته، ومنصبه
ورياسته، ولحفظ حاله، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حمد الناس، أو الهرب من
ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه وعجزه،
ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز وجل.
فالأول يتعلق
بما يتوب منه، والثالث يتعلق بمن يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب ونفسه،
فنصح التوبة الصدق فيها، والإخلاص، وتعميم الذنوب بها، ولا ريب أن هذه التوبة
تستلزم الاستغفار وتتضمنه، وتمحو جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة(9).
اقرأ
أيضاً:
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً