الحجاب.. فرض إلهي وحق إنساني ينشر الفضيلة ويحارب الرذيلة

صورة رمزية تعبر عن حجاب الفتاة المسلمة

الحجاب والستر في المنظور الإسلامي والإنساني ركيزة أساسية من ركائز الفضيلة، وشعيرة تعبدية ترتبط بكرامة الإنسان وهويته، غير أن العصر الحديث شهد موجات متتابعة من السجالات القانونية والسياسية التي حاولت التضييق على هذا الحق الإنساني والأخلاقي تحت دعاوى ومبررات مختلفة.

فرضية الحجاب في القرآن والسُّنة

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).

والجلباب في لغة العرب الرداء الذي يستر الجسد كله فوق الثياب، والعلة المذكورة في الآية (ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) تدل على أن الستر بالحجاب هو العلامة الدالة على العفة والصيانة، والحصن الوقائي للمرأة من التحرش والأذى.

وقال الله تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) (النور: 31).

يُلزم النص الإلهي المؤمنات بنهيين وأمر صريح؛ النهي الأول غض البصر، والنهي الثاني حرمة إبداء الزينة للرجال الأجانب، أما الأمر الصريح فهو (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)؛ والخِمار ما تُغطى به الرأس، والجُيُوب فتحات الصدور والرقاب، فالأمر بضرب الخمار على الجيب يقتضي لزوماً وتأكيداً تغطية الرأس والعنق والصدر، وهو جوهر الحجاب الشرعي.

وقال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللََّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ) (النور: 60)؛ فقد رخصت الآية للآيسات من النكاح لكبر سنهن برفع بعض الثياب الظاهرة بشرط عدم التبرج، ثم ختمت ببيان أن الاستعفاف والتمسك بالستر الكامل خير وأطهر لهن.

وعن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه (رواه أبو داود، والبيهقي).

وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (رواه أبو داود والترمذي وأحمد).

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) شققن مُروطَهُنَّ فاختمرن بها» (رواه البخاري).

الحجاب فريضة في جميع الأديان السماوية

إن الحجاب والستر في الزي ليس بدعاً من القول في الإسلام فحسب، بل هو ممتد في عمق الشرائع السماوية السابقة.

فالشريعة اليهودية تفرض النصوص الفقهية والتلمودية التقليدية على المرأة التزام الحشمة الكاملة، وتعتبر تغطية الشعر فريضة أصلية تعبر عن الوقار والاستقامة الأخلاقية، وتتجاوز الشريعة اليهودية التأكيد الوعظي إلى ترتيب عواقب قانونية وأخلاقية صارمة على خروج المرأة بشعر مكشوف.

فقد اعتبرت خروج المرأة المتزوجة بشعر مكشوف في الأماكن العامة انتهاكاً للأخلاق والقوانين الدينية ولأعراف الحشمة المستقرة، ليس هذا فحسب، بل منحت الرجل حق الطلاق بلا مؤخر صداق، بناءً على أحكام شريعة «الشولحان عاروخ» (الكتاب الفقهي المركزي المعتمد في اليهودية)، باعتبار أن تصرفها هذا يُعد نشوزاً وإسقاطاً لإحدى قواعد الأخلاق والدين المرعية.

وفي الشريعة المسيحية، تزخر النصوص المسيحية بالدعوة إلى التواضع في الزي وتغطية الرأس، لا سيما في أوقات العبادة والمحافل الشريفة، جاء في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (الإصحاح 11: 5-6): «وأما كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى، فتشين رأسها.. إذ المرأة إن كانت لا تتغطى فليقص شعرها».

الحجاب حق شخصي وحقوقي وإنساني

من الناحية الفكرية والحقوقية، فإن الحجاب يتجاوز كونه مجرد طاعة دينية ليكون حقاً إنسانياً وأخلاقياً ثابتاً تُقره القوانين والمواثيق الدولية والمبادئ العقلية.

1- حرية المعتقد والتعبير الديني: تنص كافة الإعلانات والمعاهدات الدولية على كفالة حرية الدين والمعتقد، فتنص المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على: «لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد والإقامة والممارسة والمراعاة».

2- الاستقلال الجسدي والحريات الشخصية: تُجمع المبادئ الحقوقية الحديثة على حق الاستقلال الجسدي، الذي يضمن للفرد اختيار المظهر والزي الذي يعبر عن عقيدته وقناعاته الشخصية، فإذا كان الحق في اختيار الملابس يُكفل لمن تختار التبرج بدعوى الحرية الشخصية، فإن منطق العدالة والمساواة يقتضي صيانة حق المرأة التي تختار الحجاب والستر بالدرجة نفسها دون تمييز أو اضطهاد.

3- الحق في التعليم والعمل دون تمييز: يؤدي حظر الحجاب في المؤسسات التعليمية أو الوظيفية إلى فرض خيار غير عادل على المرأة المسلمة بين التخلي عن فرائض دينها أو الحرمان من حقها الأصيل في التعلم والعمل (المادتان (23) و(26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وهذا يمثل نوعاً من التمييز المباشر ضد المرأة بسبب دينها.

أثر الحجاب في نشر العفة والفضيلة وصيانة المجتمع

التشريعات الإلهية لم تفرض الحجاب تحكماً أو تقييداً، بل لحكم جليلة وغايات سامية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع:

1- صيانة كرامة المرأة وإعلاء شأنها: يحرر الحجاب المرأة من أسر التسليع الجسدي الذي يختزل قيمتها في المظهر السطحي ومدى استجابتها لمعايير الجمال المادية، فبحجابها، تفرض المرأة على المجتمع التعامل مع عقليتها، كفاءتها، علمها، وإنسانيتها، بدلاً من النظر إليها كجسد وموضوع لإمتاع الناظرين.

2- إيجاد بيئة اجتماعية آمنة: يسهم الحجاب في تقليل المثيرات البصرية والصوارف الأخلاقية في الشارع والعمل والمؤسسات التعليمية، هذا الضبط الاجتماعي يؤدي إلى توفير بيئة عمل وتعلم جادة ترتكز على الإنتاج والإبداع، فضلاً عن الحد من ظواهر التحرش والاعتداءات الأخلاقية من خلال وضع سياج واقٍ وحصين حول المرأة.

3- حماية الكيان الأسري: الالتزام بضوابط الستر والحجاب يوجه الطاقة العاطفية والشهوة الإنسانية إلى مسارها الطبيعي والشرعي الوحيد، وهو مؤسسة الزواج، هذا بدوره يعزز الاستقرار الأسري، ويقلل من نسب الخيانات الزوجية والنزاعات الناتجة عن التبرج والإثارة العشوائية.

محاربة الحجاب والعدوان على الفضيلة

الدعوات والممارسات التي تسعى لإلغاء الحجاب أو منعه في المجال العام لا تمثل مجرد وجهة نظر تنظيمية أو قانونية، بل هي عدوان صريح على قيم الفضيلة ونشر للرذيلة والفاحشة، وذلك للأسباب التالية:

1- انكشاف الازدواجية الفكرية: عندما تُبيح القوانين والأعراف للأنثى أن ترتدي ما تشاء من الثياب المكشوفة وتعتبر ذلك حقاً لا يمس، ثم تعاقبها أو تمنعها إذا اختارت تغطية جسدها ورأسها؛ فإن هذا يشكل انحرافاً خطيراً وتناقضاً صارخاً يثبت أن الهدف ليس حماية الحرية، بل محاربة الفضيلة، ونشر الرذيلة.

2- التداعيات الأخلاقية للتبرج والجبر على العري: إلغاء الحجاب ونزع الستر عن المرأة يؤدي بالضرورة إلى محاربة الطهارة والعفة، وما يتبع ذلك من نشر للرذيلة وتفكك الروابط الأسرية، ومحاربة لخلق الحياء الذي هو عماد الأخلاق في كل أمة.

3- الاستبداد بدعوى التحرير: ممارسة الإكراه لسلب المرأة حقها في الستر بحجة تحريرها أوج الاستبداد والوصاية؛ إذ كيف يُسلب الإنسان حق طاعة ربه والالتزام بضميره الأخلاقي تحت شعار الحرية؟ إن تحرير المرأة الحقيقي يكون بتمكينها من ممارسة عقيدتها وحفظ كرامتها وحمايتها من القسر والإكراه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة