ميثولوجيا الحروب.. بين إشكاليات الدين والسياسة (1)

الحروب بين «الميثولوجيا» وجنون العظمة!

«الميثولوجيا» (Mythology) علم دراسة الأساطير والقصص القديمة التي تشكل جزءاً من ثقافة الشعوب وتاريخها، وتحلل الرموز والمعتقدات المتعلقة بالآلهة والأبطال وتفسر الكون والحياة، والملاحظ أن المطالع لتاريخ الأمم والأديان عندما تلاحقه أخبار الحروب اليوم، لا بد وأن تستدعي ذاكرته التاريخية صراعات قديمة نُسجت على نفس المنوال، فهل التاريخ يعيد نفسه بعلاقة؛ الأسطورة أم الجينات الوراثية أم تحت ضغط الوساوس والقلق أو ما يسمى بـ«الهاجس الفردي» لدى القادة؟

أولاً: التمييز بين الهواجس والأساطير:

للتمييز بين مفهومي «الهواجس» و«الأساطير»، لا بد من الإجابة عن سؤال: لماذا قد تبدو الأساطير هواجس؟

تنبع الأساطير من «اللاوعي الجمعي»، والمخزون الشعبي لرموز وهواجس وتصورات بدائية مشتركة بين البشر، وبهذا تكون الهواجس الفردية انعكاسًا لهذه الأساطير الدفينة، فالأسطورة والهاجس كلاهما يحاولان تفسير ظواهر غامضة كالموت والطبيعة والحظ والمستقبل، بعيدًا عن المنطق التجريبي، وكلاهما يعبر عن قلق الإنسان الوجودي (هواجس الفناء، الفوضى) وأمله في النظام والخلاص.

لكن لا يمكن اختزال الأساطير إلى هواجس، فهناك أوجه اختلاف جوهرية، وسنتناول في مقالات لاحقة علاقة الأسطورة بأثرها في اندلاع الحروب.

ثانياً: القرآن واتهام الوحي بالأسطورة أو الهاجس:

لم يقتصر موقف المشركين من الوحي القرآني على الرفض، بل تجاوزه إلى تصنيفه ضمن أطر سابقة بهدف تفريغه من قدسيته، وقد سجل القرآن هذا الاتهام مفرقاً بين بُعدين؛ الاتهام بـ«أساطير الأولين» (الميثولوجيا/الأسطورة)، والاتهام بـ«أضغاث أحلام» (الهواجس الفردية ونتائج الوسواس والقلق)، يكمن إشكال دوافع الحروب المتكررة في عالمنا في الخلط بين هذين المفهومين، بينما يكشف النص القرآني عن تصنيف مغاير لهذا الخلط، مؤكداً أن الوحي منزه عنهما معاً.

1- «أساطير الأولين» أو الاتهام الميثولوجي:

اتهم القرآن بأنه إعادة إنتاج لحكايات الأمم الغابرة، أي «ميثولوجيا» متداولة في اللاوعي الجمعي القديم، قالوا: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الفرقان: 5)، وتكرر هذا الاتهام في 9 مواضع من القرآن للحط منه وإحالته إلى أسطورة تفتقد معنى الوحي المنزل.

2- «أضغاث أحلام» أو الاتهام بالهاجس:

وُصِف الوحي بأنه من جنس الأحلام والهواجس غير المترابطة لم يقف المشركون عند هذا الوصف، بل أتبعوه باتهامات الافتراء، والشعر، وطلب آيات الهلاك التي نزلت بالأولين، يقول تعالى: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (الأنبياء: 5).

3- المفارقة والنتيجة:

يكشف هذا التمييز القرآني أن الخلط بين الميثولوجيا والهاجس الفردي ليس جديداً، بل كان حاضراً في الاتهام القديم، لكن القرآن لم يرد بالنفي المجرد، بل قدّم تفكيكاً لمكونات الاتهام، ليُبعد تأويلات الأساطير التي تُوظف أيديولوجياً للتحريض على حروب ظالمة، وهذا التحول -إن وقع- فهو خطأ بشري في التأويل، وليس صفة ذاتية في الوحي، فالوحي متعالٍ على نمطين:

الأول: نمط الأسطورة: لقطعية ثبوته من عند الله، وانتفاء وجود مثله في تراث سابق، واستحالة الإتيان بمثله في اللاحق: (قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا) (الإسراء: 88).

الثاني: نمط الهاجس: لأنه ليس نتاجاً فردياً أو غير متماسك، بل نص محكم ذو بناء منطقي رفيع.

يعلن القرآن براءته من الأصل الميثولوجي والأصل الهاجسي معاً، والتحذير موجه لكل تأويل لاحق قد يعيد إنتاج هذه الأطر الباطلة، وتبرز أهمية هذه المفارقة عندما نرى أن نصوصاً دينية أخرى -أو بعض التأويلات البشرية الإسلامية- قد تحولت إلى أساطير محرضة على الحروب الظالمة، رغم أن أصل الوحي الإلهي البراءة من هذا كله.

ثالثًا: رفض تفسير الحروب بهواجس فردية أو موروث جيني:

قد يستدعي ذهن المتابع أو غير المختص دوافع أخرى للحروب، مثل:

  • هل العالم الآن في معاركه تحت تأثير أفعال فطرية في موروثه الجيني تدفعه لمحاكاة حروب الآباء الأولين، كرحلة ثعبان البحر الغريزية من النهر إلى المحيط والعكس؟ فيعيدون أخطاء الماضين ويحيون عداوات الأقدمين، سيرا على مبدئهم: (إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ) (الزخرف: 23)؟
  • أم هل يمكن اختزال الحروب في كونها مجرد «جنون عظمة» أو «هواجس» لدى القادة جرفت معها الشعوب؟

وهذا الاحتمال الأخير مردود؛ لأن هذه البلاد التي تسوق العالم إلى مصائب الحروب ليست ذات حكم شمولي لفرد مهووس، بل فيها أنظمة محكمة لاتخاذ القرار، فليس قرار الحرب بالهين حتى يخضع لهوى قائد، ثم يستمرون في إعلاء أصواتهم بالديمقراطية، ولو كانت الحروب بدافع مرض نفسي لرئيس، لردعته الأنظمة التي أتت به، وهي نفسها التي استطاعت إخماد عداوات داخلية للحفاظ على سلم مجتمعي لا يتحمل كلفة الحرب، ثم توجيهه لعدو خارجي.

فلم يبق إلا أن نقرَّ أن هذه الأفكار ليست هواجس، أو اضطرابات نفسيه لقادة وزعماء، بل أساطير تستند إلى نصوص وجَّهت العداء، وهونت -في سبيل تحقيق أهدافه- التضحيات، والخطأ منا في تصور هذه الأساطير على أنها هواجس فردية أو أمراض نفسية، وإن كانت الهواجس تشكل جزءًا مهمًا من أصلها ووظيفتها.

رابعاً: النص الديني كأساس للأساطير المحرضة على الحرب: 

أما النص الديني الذي تحول إلى أساطير، فقد كان سببًا قويًا في الحروب لفترات تاريخية طويلة ومتكررة، وهنا نطرح السؤال: هل كل الأديان تدعو إلى السلام كما يقال؟

نقرأ في النصوص الدينية (الكتاب المقدس، العهد القديم) نصوصًا تأمر بالإبادة الجماعية:

  • «وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا» (سفر التثنية 20: 16).
  • «وَاضْرِبُوا.. الشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ، اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ» (سفر حزقيال 9: 5-6).
  • «مَلْعُونٌ مَنْ يَمْنَعُ سَيْفَهُ عَنِ الدَّمِ» (سفر إرميا 48: 10).
  • «لاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا..» (سفر صموئيل الأول 15: 3).
  • وقصة مدينة «عاي» التي احتلها يشوع وذبح سكانها الاثني عشر ألفًا، وشنق ملكها، وأحرق المدينة، وجعلها تلاً أبديًا خرابًا إلى هذا اليوم. (سفر يشوع 7-8).

وبعد هذه النصوص الصادمة -ومثلها كثير- تجد من المسلمين من يعمم في تشدق وعلى منابر المساجد ويقول: «كل الأديان تدعو إلى السلام»، ولا ندري بأي عقل ساغها!

من الحرب واستغلاله كذريعة

تاريخ أوروبا يقدم نموذجًا صارخًا للحروب التي كان الدين غالبًا سببها أو مبررها الأهم، وهنا مفارقة لا بد من تفكيكها:

أولاً: محاولات الحد من الحرب لم تكن لأسباب أخلاقية بحتة:

حركة «هدنة الله» و«سلام الله» (القرن العاشر في فرنسا) هدفت إلى حماية غير المقاتلين وتحديد أوقات محرمة للقتال، لكن هذا لم يكن لوازع ديني أخلاقي يرفض الحرب مطلقًا، بل لأسباب سياسية؛ توجيه العنف لا إيقافه، وحماية ممتلكات الكنيسة، وفرض نظامها كقوة سياسية.

ثانيًا: الدين كسبب ومبرر للحروب:

1- الحروب الصليبية (منذ عام 1095م): البابا أوربان الثاني (1042-  1099م) استخدمها لحرب شاملة ضد مسلمي الشرق الين أسماهم «كفاراً»، ووعد بالمغفرة والجنة كل من قاتلهم، وفي الحملة الصليبية الرابعة (1202-1204م)، انحرف الصليبيون لنهب القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية المسيحية الشرقية، وقتلوا واغتصبوا الراهبات، رغم حرمان البابا إينوسنت الثالث (1161 – 1216م) لهم ثم تراجعه لأسباب سياسية.

2- حروب داخل أوروبا تحت راية الدين: الحملة على الكثار (الألبيجنسيون) حرب شنتها الكنيسة الكاثوليكية بدعم من الملك الفرنسي ضد طائفة مسيحية في جنوب فرنسا (تُسمى الكثار أو الألبيجنسيون) اتُّهمت بالهرطقة، واستمرت 20 عامًا (1209- 1229م)، وقد تميزت بإبادة جماعية لسكان مدن بأكملها، وأشهرها مذبحة مدينة «بزيه» حيث قيل للجند: «اقتلوهم جميعًا، الرب سيميز أتباعه».

وحروب الإصلاح (1524- 1648م) التي بلغت ذروتها بحرب الثلاثين عامًا فدمرت ألمانيا ومات ثلث سكانها، والحروب الأهلية الفرنسية ومذبحة عيد القديس بارثولوميو (1572م).

متى توقف العنف الديني؟

المفارقة أن الحروب الدينية لم تتوقف بسبب الوازع الديني، بل عندما تعب الناس من الدين كسبب للحرب، وعندما فرضت الدولة القومية سلطتها على حساب الكنيسة.

حتى جاءت معاهدة وستفاليا (1648م) وهي مجموعة من الاتفاقيات أنهت حرب الثلاثين عامًا المدمرة في أوروبا، وأسست لنظام دولي جديد يقوم على مبدأ سيادة الدول وعدم تدخل الكنيسة في الحكم، وهي اللحظة التي انتقلت فيها أوروبا من الحروب باسم الدين إلى الحروب باسم المصالح الوطنية، حيث أقرت أن حاكم كل إقليم هو من يحدد ديانة أراضيه، وليس البابا.

إذن، فالواقع التاريخي يثبت أن الدين لم يكن يومًا حاجزًا قويًا أمام الحرب في الغرب، بل كان محفزًا لها، وكانت محاولات تنظيم الحرب (مثل هدنة الله) تهدف للسيطرة على العنف الداخلي لحماية مصالح الكنيسة وتوجيه الحرب للخارج، وهكذا نرى أن الدين كان مبررًا قويًا للقتال، وليس مانعاً عنه، وأنه لا يمكن وصف قادة الحروب بأنهم ضحايا هواجس فردية، بل هم صرعى أساطير مزيفة.


اقرأ أيضا

انتزاع النهضة من عجز الانتظار

الثروة الشبابية من أزمة الرقم إلى النهضة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة