الحفاظ على «شعرة معاوية»

سعد النشوان

21 أكتوبر 2026

116

مجموعتان_من_الناس_ممسكتان_بحبل_من_كل_طرف

تتميز العلاقات الإنسانية بين الناس بالشدّ والجذب، وأحياناً تصل إلى الحب المفرط غير المقبول، الذي يؤدي إلى الكثير من الأخطاء والمبالغات، أو أحياناً إلى العداء؛ وهذا هو سبب المشكلات بين الناس.

عندما سُئل معاوية بن أبي سفيان عن سياسته في حكم الدولة الأموية وكيف انتهت الفتن، قال: «إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها»، وهنا معاوية يتمثل قول الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران: 159)، وكذلك قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة: 143).

الحفاظ على «شعرة معاوية» هو الحفاظ على المجتمع والأمة، فمهما كان العداء كبيراً بين الناس يبقى بينهم الود والاحترام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (رواه البخاري)؛ فمن يبدأ بالسلام فقد حافظ على هذه الشعرة، فربما هذا السلام يصل إلى القلب.

وما حالات الخلافات العائلية والزوجية وكثرة الطلاق إلا بعد قطع «شعرة معاوية»، فلو بعد كل خلاف أسري أو زوجي تذكر الزوج أو الزوجة ما بينهما من وُد ستبقى هذه الشعرة التي تعيد الحياة مرة أخرى؛ إننا في حياتنا الاجتماعية وكل النواحي بحاجة إلى هذه الشعرة من التواصل.

ولا يقطع هذه الشعرة إلا من كان في قلبه مرض؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن آيات المنافق: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»؛ فالفجور في الخصومة ليس من شيم الرجال، ولا من طيبة النساء، ولكنها صفة ذميمة لا يتصف بها مسلم.

علينا كآباء وأمهات ومعلمين وخطباء ومسؤولين عن توعية جيل يخدم دينه ووطنه أن نبتعد عن الفُجْر في الخصومة، وأن يبقى الحوار الطريق الأسلم لحل المشكلات.

يُذكر عن ابن السماك أن صديقاً له قال بعد خلاف: موعدنا غداً نتعاتب، فرد عليه: بل موعدنا غداً نتغافر! لم يقل له: الآن نتغافر، بل قال: غداً؛ لأن وقت الخلاف يكون للشيطان نصيب عند المتخاصمين، ولكن غداً تبرد الأعصاب، وتذهب حدة المشكلات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة