من نوادر الخلفاء العباسيين
الحِلمُ تاجُ الملوك .. حكاية المأمون والملاح
حكى عبد الله بْن البواب قَالَ: كان المأمون يَحْلُمُ حتى يغيظنا، وأنه في بعض الأوقات جلس يستاك عَلَى دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه، فمر ملاح وهو يقول بأعلى صوته:
أتظنون أن هذا المأمون ينْبُلُ في عيني وقد قتل أخاه!؟
قال: فو الله، ما زاد على أن تبسم وقَالَ: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل!؟»
«المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»
بيان وفوائد
ليست عظمة الملوك في اتساع سلطانهم، ولا في كثرة جيوشهم، وإنما تُقاس بما يملكون من سعة الصدر، وقدرة على ضبط النفس، واحتمال ما تكرهه النفوس من القول والفعل. وقد يكون الإنسان قادرًا على إسكات خصمه بقوة سلطانه، لكنه يعجز عن بلوغ مرتبة العظمة الحقيقية ما لم يستطع إسكات غضبه والانتصار على نفسه.
كان في وسع الخليفة المأمون أن يغضب من قول الملاح، أو يعاقب الرجل على جرأته، لكنه قابل كلامه بابتسامة، وقال لمن حوله: «ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟!».
إن هذا الموقف يكشف عن خُلُق رفيع، هو الحِلم عند القدرة؛ فليس الحليم من يعجز عن الانتقام، وإنما من يملك أسبابه ثم يترفع عنه، ولا يجعل غضبه قائدًا لتصرفاته. كما يعلّمنا أن النقد، مهما كان قاسيًاً، لا ينبغي أن يسلب الإنسان اتزانه، وأن الرد على الإساءة بالإساءة ليس دليل قوة، بل قد يكون علامة على ضعف النفس.
وفي وصف المأمون للرجل بأنه «الجليل» لفتة بليغة؛ إذ قابل حدّة كلامه بالتوقير، وكأنه يرفض أن يجعل اختلاف الرأي سببًا لامتهان صاحبه. وفي ذلك درس في سعة الأفق، واحترام الإنسان، والقدرة على تجاوز الاستفزاز دون التنازل عن الكرامة.
وهكذا يبقى الحلم زينة العقلاء، وسعة الصدر عنوان النبلاء، ويظل من أرفع الانتصارات أن يملك الإنسان نفسه حين تدعوه إلى الغضب، وأن يترفع عن الصغائر دون أن يفقد وقاره أو عدله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً