الخائضون والذباب الإلكتروني!

د. مجدي سعيد

28 ديسمبر 2025

628

من بين أخطر الأمراض الاجتماعية التي ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في استشرائها بشكل كبير، مرض انشغال الناس بأحوال غيرهم بطريقة منافية للشرع، فالأصل في المسلم أن ينشغل بنفسه وتقييم أحوالها مع الحق ومع الخلق، على أساس أن كل بني آدم خطاء، وعلى أساس أن «من تتبع عورات الناس، تتبع الله عورته ولو في عقر داره».

ولكن هيهات! فقد اعتاد الناس أن يخوضوا في سير الناس بالشبهات، و«قيل، وقال»، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي وجعلت الأمر وباء، حيث تتحول ساحات التواصل الاجتماعي إلى شوارع أو ساحات يتبادل بعض الناس فيها ممارسات السفهاء والصبيان والمجانين مع آحاد الناس، فإما أن يرفعوهم إلى أعلى عليين إذا وافقوا هواهم، أو يهبطوا بهم إلى أسفل سافلين إذا خالفوا المزاج الشعبي العام.

ويا ويل آحاد الناس هؤلاء إذا كانوا من المشاهير، الذين يستبيح الناس الخوض في أسرار حياتهم الخاصة، مع أن الحياة الخاصة مصانة لا في ديننا فقط، ولكن في أعرافنا الاجتماعية!

وما يجعل الأمر سهلاً أن تلك الوسائل تتيح أن يتخفى الناس خلف الشاشات، ليقولوا ما يشاؤون مع الهروب من المسؤولية الاجتماعية أو الجنائية عما يقولون، سواء أكانت سباباً، أم كذباً، أم غير ذلك.

صناعة «الترند»

في السياق نفسه، تتيح تلك الوسائل للذباب الإلكتروني، من حسابات تتبع أجهزة للسلطات الاستبدادية أو تتبع سلطات عدو من أعداء الأمة أن تنشر الأكاذيب، أو أن تختلق قضايا وهمية حول أمر تافه، أو حول مسلك أو تصريح أو تعليق مثير للجدل لهذه الشخصية الفنية أو الرياضية المشهورة، أو بتسليط عدسة مكبرة على ظاهرة اجتماعية، وكل ذلك بما يصرف الناس عن قضايا أكبر وأكثر أهمية.

ومن أهم ما يتم استخدامه في هذا السياق اختلاق صور أو فيديوهات بالأدوات الحديثة التي تجعل الناس يصدقون ما يرون من بهتان، ويندفعون في خوض المعارك حول ما يرون، دون التثبت من مدى مصداقية ما توحي به تلك الوسائط.

وأهم ما فعلته وتفعله وسائل التواصل الاجتماعي صناعة ما يسمى بـ«الترندات»، التي في كثير من الأحيان لا تكون إلا فخاً يستهدف شغل الناس بما لا يستحق الانشغال به، أو إيقاعهم في حفل جماعي للخوض في سير الناس، التي يتبارى فيها الناس في التعليق بشكل سفيه ومتجاوز، إظهاراً للعضلات الإلكترونية. 

ومن أسوأ الأدوات التي يتم استخدامها بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي أداة السخرية، باستخدام «الميمز»، أو «الريلز» أو غير ذلك، والمستقرئ لكتاب الله يجد أن السخرية لم ترد في كتاب الله إلا كسلوك مذموم.

ويماثلها في السوء البذاءة، إذ ترى البعض لا يستحي من استخدام ألفاظ أو إيماءات بذيئة، خادشة للحياء، يستعرض فيها حصيلته من قلة الأدب، ومن السوقية، أو معبراً عن جرأته وفحولته، متناسياً أن الفضاء العام لا ينبغي تلويثه؛ لأنه يَرِد عليه أهلنا، وإذا كان أحدهم قليل الحياء في نفسه، فالأولى أن يخفي عورته تلك عن محيطه الاجتماعي مثل أبيه وأمه وأخواته، إذا كان في وجهه قليل من الدم.

التسويق والانتحال

من الظواهر اللافتة أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي التي تدخل في باب الخوض، ظاهرة تناول الناس للجرائم التي تحدث في المجتمع، حيث يجعل منهم محققين وقضاة، يتناولون سيرة المتهم في قضية ما، بل ويحكمون عليه في القضية، بالرغم من أن القضية ربما تكون لا تزال في مرحلة التحقيق، أو المحاكمة، التي يحق للمتهم أن يدافع عن نفسه فيها، فهو بريء بحكم القانون حتى تثبت إدانته، وحتى يحظى بحق الدفاع عن نفسه، أما أن تتحول الساحات العامة ومنها ساحات التواصل إلى بديل للتقاضي المتوافق مع الشرع والقانون فهذا أمر يستلزم التوقف عنده وتقويمه.

من السلوكيات اللافتة أيضاً التي أشاعتها وسائل التواصل الاجتماعي وأغرت الناس بفعلها، ظاهر تصدر البعض للإفتاء في كل أمر، وكل مجال من مجالات الحياة، سواء أكان متخصصاً فيه أو غير متخصص، يفعل ذلك بثقة خبير إستراتيجي في كل شأن.

والكثير من الناس يفعلون ذلك بدافع الرغبة في الشهرة، تحت عنوان عريض شاع مؤخراً وهو «التسويق الذاتي» (personal branding) الذي يدفع البعض إلى ركوب كل موجة عالية على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يدع موجة من هؤلاء تمر دون أن يظهر فيها، ويكون له قول فيها، وهو ما يتنافى مع أمانة القول، ومع تواضع العلماء المتخصصين بالفعل.

وقد تعلمنا في السنين الأخيرة إلى أي حد يتيح الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي حالياً، اختلاق الأخبار والصور والفيديوهات الكاذبة، وهو ما يقتضي منا التحري دائماً من صحة كل ذلك قبل الإسراع في مشاركته مع الآخرين، أو التعليق عليه، وبناء مواقف بناء عليه، أو على الأقل التوقف عن ذلك كله قبل الاستيثاق من الصحة، وتبيّن دقة ما يتناوله أو يتداوله.

لكن للأسف، فإن البعض لا يتورع عن فعل ذلك، إما لأنه قد وجد تلك الأكاذيب توافق هواه، أو آراءه، أو ميوله السياسية، أو الدينية، أو الاجتماعية، فيكون مساهماً دون أن يدري في بناء فقاعات ينتقم بها من خصومه، ويضلل بها غيره.

ومن الأمراض الأخرى التي تيسرها وسائل التواصل أيضاً الانتحال، بنسبة تدوينة أو عمل أدبي أو علمي زوراً وبهتاناً لشخص المنتحل، بينما هي تخص بالأساس شخصاً آخر، يتم ذلك دون بيان الحق الأدبي لصاحب النص أو الصورة أو الفيديو أو غير ذلك، وذلك بدافع حب الشهرة، وهو لعمري لون من ألوان الكذب، التي يجب أن يتوقف عن ارتكابها كل إنسان سوي.

عافانا الله وإياكم من كل ما سبق ذكره، ومن غيره من ألوان الخوض التي لا ضابط لها ولا رابط، والتي لا توافق أخلاقاً، ولا شرعاً ولا قانوناً.. اللهم آمين.



اقرأ أيضاً:

«الترند».. حين يصبح الخوض غاية

التسريبات الإباحية.. الآثار وطرق المواجهة

تسريبات المدينة المنورة.. المشهد الأخطر!

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة