السياسة الإيرانية تجاه الخليج.. الجذور التاريخية والتحولات المعاصرة (2)

أ.د فرست مرعي

01 أغسطس 2026

86

السياسة الإيرانية تجاه الخليج.. الجذور التاريخية والتحولات المعاصرة (2)

بداية الدولة الأفشارية

مع سقوط الصفويين وظهور الدولة الأفشارية بقيادة نادر شاه (1737 – 1747م)، شهدت إيران مرحلة من التوسع العسكري ومحاولة استعادة النفوذ الإقليمي، وقد أدرك نادر شاه الأهمية الإستراتيجية للخليج العربي، فسعى إلى بناء قوة بحرية إيرانية قادرة على منافسة القوى الأوروبية والعثمانية، كما حاول فرض النفوذ الإيراني على السواحل والجزر الخليجية، إلا أن مشروعه واجه عقبات كبيرة بسبب ضعف الخبرة البحرية الإيرانية واعتمادها على عناصر أجنبية، فضلاً عن الرفض العربي المحلي لأي وجود توسعي إيراني.

ورغم نجاح نادر شاه في تحقيق بعض الانتصارات العسكرية، فإن الدولة الأفشارية لم تتمكن من وقف التمدد الروسي في مناطق القوقاز وبحر قزوين، حيث استمرت روسيا في تعزيز نفوذها السياسي والعسكري مستفيدة من الاضطرابات الداخلية الإيرانية، وقد أظهر هذا الوضع التفاوت الواضح بين الحزم الإيراني تجاه الخليج العربي والضعف النسبي أمام روسيا القيصرية التي كانت تمتلك تفوقاً عسكرياً وتنظيمياً كبيراً.

مع سقوط الصفويين وظهور الدولة الأفشارية شهدت إيران توسعاً عسكرياً ومحاولة استعادة النفوذ الإقليمي

أما في العهد الزندي، فقد حاول كريم خان زند (1751 - 1796م) إعادة الاستقرار إلى إيران بعد سنوات من الفوضى والصراعات الداخلية، وركز اهتمامه على تنشيط التجارة البحرية وتعزيز الحضور الإيراني في الخليج العربي، وفي هذا السياق اتجهت الدولة الزندية إلى التدخل المباشر في الشؤون الخليجية، وكان أبرز مظاهر ذلك احتلال البصرة عام 1775م بعد حصار طويل قادته القوات الزندية ضد المدينة العربية التابعة للدولة العثمانية آنذاك.

وقد شكّل احتلال البصرة حدثاً مهماً في تاريخ الخليج العربي، إذ سعت الدولة الزندية من خلاله إلى السيطرة على التجارة البحرية وتحويل طرق التجارة الخليجية نحو الموانئ الإيرانية، إضافة إلى إضعاف النفوذ العثماني في المنطقة، غير أن الاحتلال الزندي للبصرة واجه رفضاً واسعاً من السكان المحليين والقبائل العربية التي تضررت مصالحها التجارية والاقتصادية، كما أدى إلى اضطرابات كبيرة أثرت على الحركة التجارية في الخليج، ولم يستمر الاحتلال طويلاً، إذ اضطرت القوات الزندية إلى الانسحاب بعد وفاة كريم خان زند وتراجع قوة الدولة.

الدولة القاجارية.. عين على الخليج

وفي العهد القاجاري (1796 – 1925م)، استمرت إيران في تبني سياسة تهدف إلى الحفاظ على النفوذ في الخليج العربي، لكنها واجهت واقعاً جديداً تمثل في صعود النفوذ البريطاني وسيطرة روسيا القيصرية على أجزاء واسعة من القوقاز وآسيا الوسطى، وقد تعرضت الدولة القاجارية لسلسلة من الهزائم العسكرية أمام روسيا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ ما أدى إلى توقيع معاهدات قاسية مثل معاهدتي كلستان وتركمانجاي (1828م)، تنازلت إيران لروسيا عن خانية إيروان (أرمينيا الحالية)، وخانية نخجوان، وأجزاء من أذربيجان، وتم ترسيم الحدود بين البلدين عند نهر أراس، فيما التزمت الدولة القاجارية بدفع تعويضات باهظة لروسيا تُقدر بـ20 مليون روبل فضي.

في العهد القاجاري استمرت إيران في تبني سياسة تهدف إلى الحفاظ على النفوذ في الخليج العربي

ويكشف هذا التراجع أمام روسيا القيصرية عن خلل عميق في بنية الدولة القاجارية، التي عانت من ضعف المؤسسة العسكرية والانقسامات الداخلية والتبعية الاقتصادية.

وفي الوقت الذي كانت فيه إيران تفقد أراضيها الشمالية لصالح الروس، كانت تحاول في المقابل الحفاظ على حضورها في الخليج العربي عبر إثارة مطالب تاريخية في البحرين والسواحل العربية والسعي إلى تعزيز النفوذ في الموانئ الخليجية.

وقد أسهم هذا التناقض في تشكيل صورة تاريخية للسياسة الإيرانية تقوم على إظهار القوة تجاه المحيط العربي الأضعف نسبياً، مقابل تقديم تنازلات أو إظهار عجز أمام القوى الكبرى مثل روسيا وبريطانيا.

كما أن استمرار محاولات السيطرة على الخليج العربي عبر مختلف العهود الإيرانية يعكس الأهمية الإستراتيجية التي أولتها الحكومات الإيرانية لهذه المنطقة بوصفها بوابة اقتصادية وعسكرية ومجالاً حيوياً لتحقيق النفوذ الإقليمي.

وخلال القرن التاسع عشر، ازدادت أهمية الخليج العربي بالنسبة لإيران مع تصاعد التنافس الدولي بين بريطانيا وروسيا، وقد حاولت الدولة القاجارية تقديم نفسها باعتبارها صاحبة نفوذ تاريخي في الخليج، في وقت كانت فيه بريطانيا تعزز علاقاتها مع مشيخات الساحل العربي.

كما بدأت تظهر ملامح النزعة القومية الفارسية الحديثة التي اعتبرت الخليج جزءاً من المجال القومي الإيراني، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقاً بصورة أكثر وضوحاً في العهد البهلوي.

قيام الدولة البهلوية الفارسية

ومع وصول البهلويين إلى الحكم (1925 – 1979م)، دخلت إيران مرحلة جديدة اتسمت بتبني مشروع قومي فارسي مركزي قائم على التحديث السياسي والعسكري والثقافي، وقد سعى رضا شاه إلى بناء دولة قوية تقوم على الهوية الفارسية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على القوميات غير الفارسية داخل إيران، وفي مقدمتها العرب في الأحواز وعربستان.

مع وصول البهلويين تبنت إيران مشروعاً قومياً فارسياً قائماً على التحديث السياسي والعسكري والثقافي

وفي هذا السياق، ألغيت أشكال الحكم المحلي العربي، وتم إنهاء نفوذ الشيخ خزعل الكعبي عام 1925م، الذي كان يمثل رمزاً للحكم العربي في الأحواز، بعد أن نجحت القوات الإيرانية في السيطرة على الإقليم بالقوة وفرض الإدارة المركزية عليه.

ومنذ ذلك الحين، بدأت سياسات «التفريس» بصورة منظمة، حيث جرى تغيير الأسماء العربية للمدن والقرى، حيث غيرت اسم «عربستان» إلى خوزستان، واسم «المحمرة» إلى «خرمشهر»، وفرض اللغة الفارسية في التعليم والإدارة، وتقليص الحضور الثقافي العربي، إضافة إلى سياسات هدفت إلى تغيير البنية السكانية عبر تشجيع انتقال السكان الفرس إلى المناطق العربية.

وقد ارتبطت هذه السياسات برغبة الدولة البهلوية في تعزيز الهوية القومية الإيرانية ومنع أي نزعات انفصالية أو عربية في المناطق الحدودية المطلة على الخليج.

زيادة النفوذ الإيراني على الخليج

وفي عهد محمد رضا شاه (1941 - 1797م)، ازدادت الطموحات الإيرانية في الخليج العربي بصورة واضحة، خاصة بعد الانسحاب البريطاني من المنطقة في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات.

بعد قيام الجمهورية الإسلامية تبدل الخطاب القومي الفارسي وظهرت لغة تقوم على البعد الأيديولوجي والثوري

فقد تبنت إيران سياسة تقوم على ممارسة دور القوة الرئيسة في الخليج بدعم أمريكي وغربي، واعتبرت نفسها الوريث الطبيعي للنفوذ في المنطقة، وفي هذا الإطار احتلت إيران الجزر الإماراتية الثلاث عام 1971م، في خطوة عكست الرؤية الإيرانية القائمة على توسيع النفوذ الإقليمي والسيطرة على الممرات الإستراتيجية.

كما برزت خلال تلك المرحلة محاولات إيرانية لتعزيز النفوذ في البحرين، إذ استندت بعض الخطابات الإيرانية إلى ادعاءات تاريخية تعتبر البحرين جزءاً من الأراضي الإيرانية.

ورغم أن إيران اضطرت لاحقاً إلى الاعتراف باستقلال البحرين عام 1970م بعد ضغوط دولية واستفتاء أممي أظهر رغبة البحرينيين في الاستقلال، فإن قضية البحرين بقيت حاضرة في بعض الخطابات القومية الإيرانية؛ ما أثار مخاوف خليجية مستمرة من الطموحات الإيرانية في المنطقة.

ورغم سقوط النظام البهلوي عام 1979م، وقيام الجمهورية الإسلامية، فإن كثيراً من ملامح السياسة الإيرانية تجاه الخليج والعرب استمرت بأشكال مختلفة، فبدل الخطاب القومي الفارسي التقليدي، ظهرت لغة جديدة تقوم على البعد الأيديولوجي والثوري، لكن فكرة النفوذ الإقليمي بقيت ثابتة، كما استمرت معاناة العرب في الأحواز من التهميش السياسي والثقافي والاقتصادي، مع استمرار السياسات التي تحد من استخدام اللغة العربية وتعزز الهيمنة المركزية للدولة الإيرانية.

خلاصة السياسة الإيرانية تجاه الخليج

إن تتبع الجذور التاريخية للسياسة الإيرانية تجاه العرب والخليج العربي يكشف أن الصراع لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل يرتبط برؤية تاريخية طويلة تعتبر الخليج مجالاً حيوياً للنفوذ الإيراني.

وقد اختلفت الأدوات والشعارات بين الصفويين والقاجاريين والبهلويين والجمهورية الإسلامية، لكن الهدف المرتبط بتعزيز السيطرة والنفوذ بقي حاضراً بدرجات متفاوتة، وفي المقابل، أسهمت هذه السياسات في تعميق حالة الشك والتوتر بين إيران والدول العربية الخليجية، التي ما تزال تنظر بقلق إلى أي مشروع إيراني يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى،  ويمكن ملاحظة أن السياسة الإيرانية، عبر مختلف مراحلها التاريخية، اتسمت بمحاولة مستمرة لإدارة اختلال ميزان القوى مع الفاعلين الدوليين الكبار، سواء في الماضي مع روسيا القيصرية خلال العهد القاجاري والسوفييتي والبريطاني والأمريكي حسب التسلسل التاريخي خلال العهد البهلوي، أو في الحاضر مع الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي.

إيران والخليج اليوم.. صراع مباشر

وفي الحالتين، لم يكن ميزان الصراع مباشراً دائماً على مستوى المواجهة التقليدية، بل اتخذ أشكالاً متعددة من الضغط والتنافس غير المتكافئ؛ وصل أخيراً إلى الحرب المباشرة ابتداء من يونيو 2025م وإلى الوقت الحاضر، قبل أن كانت حروباً غير مباشرة عن طريق وكلائها في المنطقة من قبيل «حزب الله» اللبناني، والمليشيات الولائية العراقية، والحوثية في اليمن، وغيرها.

تتبع الجذور التاريخية للسياسة الإيرانية تجاه العرب يرتبط برؤية تعتبر الخليج مجالاً حيوياً للنفوذ الإيراني

وفي هذا السياق، تتجه إيران اليوم إلى توظيف المجال الإقليمي، وخاصة الساحة الخليجية، باعتباره فضاءً إستراتيجياً لإعادة بناء النفوذ وموازنة الضغوط الدولية، سواء من خلال السياسات الإقليمية أو أدوات التأثير غير المباشر.

وهذا النمط من السلوك يختلف في أدواته عن الصراعات التاريخية، لكنه يعكس استمرار فكرة البحث عن عمق إستراتيجي في الجوار الإقليمي عند مواجهة قوى كبرى تفوقها في القوة الشاملة.

ومن جهة أخرى، تشهد المنطقة العربية عموماً حالة من تراجع الدور الإقليمي التقليدي لبعض القوى العربية الكبرى؛ ما أدى إلى إعادة توزيع موازين التأثير في الشرق الأوسط لصالح قوى إقليمية أكثر نشاطاً في إدارة الصراعات والتأثير في الملفات الأمنية.

وفي هذا الإطار، يبدو الخليج العربي في قلب التفاعلات الجيوسياسية، باعتباره نقطة التقاء بين النفوذ الإيراني والوجود الأمريكي والتحولات في النظام الإقليمي العربي.

وبذلك يمكن فهم المشهد الحالي ليس بوصفه تكراراً مباشراً للتاريخ، بل باعتباره استمراراً لتحولات بنيوية في موازين القوى الإقليمية والدولية، حيث تتغير الأدوات والفاعلون، بينما يبقى جوهر الإشكالية مرتبطاً بإدارة التوازن بين قوى دولية كبرى ومجال إقليمي عربي يشهد تفاوتاً في مستويات النفوذ والتأثير، في المنطقة على حساب الهوية العربية والأمن الخليجي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة