نساء في ذاكرة الرسالة (9)
السيدة ميمونة بنت الحارث.. تسامعت الدنيا بأخبار تقواها
في رحاب السيدة ميمونة بنت الحارث..
ما أنا إلا أصغر
تلميذ يقف على باب التاريخ الإسلامي العظيم، وقد انحنت هامتي إجلالًا لسير أمهات
المؤمنين، وما سطرتُه لم يكن إلا محاولة للاقتراب من نورهن، فإن بان الجمال في
عبارتي كان ذلك انعكاسًا لبهاء صاحبة السيرة رضي الله عنها، وها نحن نختم سيرهنَّ
الوضَّاءة بأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها.
تسامعت الدنيا
بأخبار تقواها، التي وهَّجت الخوف من الله بين جوانحها، حتى باتت لا تخشى في الله
لومة لائم، يُجسِّد هذه المعاني مشهد نحسُّه، بل نراه إذا أغمضنا أعيننا، أجل،
مشهد قصير يبيِّن هذه المعاني بجلاء.
قال ابن سعد:
دخل ذو قرابة لميمونة عليها، فوجدت منه ريح شراب، فقالت: إن لم تخرج إلى المسلمين
فيجلدوك، لا تدخل عليَّ أبدًا(1).
لو تريثنا
قليلًا لاستجلاء المعنى الكامن وراء كلماتها، لأدركنا دون إعمال لفكرنا أن الذي
جال بذهنها على الفور أن قريبها قد اجترأ على حدٍّ من حدود الله وشرب خمرًا، ولا
بد من إقامة الحد عليه، فإلى هذا المعنى فحسب صرفت السيدة فكرها ومشاعرها، ولم
تُقِم في نفسها أي اعتبار لوشيجة دم أو نسب، أو تُقِم صراعًا بين عقيدة وقرابة.
يشي الخبر بأنه
لم تخلُ صفحة من صفحات سيرة السيدة من أخبار تقواها، وإن ضنَّ علينا التاريخ بكثير
من أخبارها، فقد حفظت لنا رواية واحدة صورة ناطقة لجانب من تقواها، وجعلتنا نقول
بملء أفواهنا وأفئدتنا: تسامعت الدنيا بأخبار تقواها، وإليكم هذه الصورة، ولكم
الحكم على ما ذهبتُ إليه.
يقول يزيد بن
الأصم: تلقيتُ عائشة وهي مقبلة من مكة، أنا وابن طلحة بن عبيد وهو ابن أختها، وقد
كنّا وقعنا في حائط بالمدينة فأصبنا منه، فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه،
ثم أقبلت عليَّ فوعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في
بيت من بيوت نبيّه، ذهبت والله ميمونة ورُمِيَ بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من
أتقانا لله، وأوصلنا للرحم(2)، وكانت ميمونة رضي الله عنها خالة يزيد
بن الأصم.
استأثرت روعة
تقوى السيدة باهتمامي، فلم أستطع فكاكًا من رغبتي في الحديث عن تقواها أولًا، ولم
أبدأ حديثي بالتعريف بها، والآن أقول: إنها السيدة ميمونة بنت الحارث بن حزن
الهلالية.
منحها النبي صلى
الله عليه وسلم مزيّة أسبغت على وجهها وقتذاك علامات الغبطة، وعلى سيرتها بعد ذاك
آيات التألق البهيج حينما جعلها أمًا للمؤمنين.
وهي خالة حبر
الأمة وتُرجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، الذي ملأ أرض الله علمًا
وفقهًا قبل رحيله، وبقيا أثرهما يطوف الأرض عطرًا زكيًّا بعد رحيله، وخالة خالد بن
الوليد رضي الله عنه، وحسبه أن عرفه التاريخ وعرفناه منه بسيف الله المسلول لما
سُطِّرت على جبين الدهر الكلمات النبوية الشريفة: «.. هذا سيف من سيوف الله».
قال أبو هريرة
رضي الله عنه: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلًا، فجعل الناس يمرون،
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟»، فأقول: فلان، حتى مرَّ خالد، فقال:
«من هذا؟»، قلت: خالد بن الوليد، فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم عبد الله، وأخو
العشيرة، خالد بن الوليد وسيف من سيوف الله»(3).
تزوجت السيدة
رضي الله عنها برجلين قبل النبي صلى الله عليه وسلم، تزوجها أولًا قبل الإسلام
مسعود بن عمرو الثقفي وفارقها، ثم تزوجها من بعده أبو رهم بن عبد العُزَّى
العامري، ثم تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد انتهائه من عمرة القضاء في السنة
السابعة من الهجرة الشريفة.
كان صلى الله
عليه وسلم قد بعث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى السيدة ميمونة قبل دخوله مكة
لأداء عمرة القضاء، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبدالمطلب زوج أختها أم الفضل،
فزوجها العباس للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من مكة
خلَّف أبا رافع ليحملها إليه حين يمسي، فبنى صلى الله عليه وسلم بها بسَرِف(4).
وكان يُقال
لأمها هند بنت عوف بن زهير: العجوز الحِرْشيَّة أكرم الناس أصهارًا، فأصهارها
النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث، ومن قبلها زينب بنت خزيمة وهي
أخت ميمونة لأمها، والعباس تزوج لبابة بنت الحارث الكبرى، وحمزة بن عبدالمطلب تزوج
سلمى بنت عميس، وأسماء بنت عميس تزوجها جعفر بن أبي طالب، وتزوجها من بعده أبو بكر
الصديق، وتزوجها من بعده علي بن أبي طالب.
كما كان لهند
بنت عوف أصهار آخرون من غير المسلمين، ولكنهم من ذوي المكانة، مثل الوليد بن
المغيرة المخزومي تزوج لبابة الصغرى بنت الحارث أم خالد بن الوليد، وأُبي بن خلف
الجمحي تزوج ابنتها عصماء بنت الحارث، وزياد بن عبدالله بن مالك الهلالي تزوج
ابنتها عزة بنت الحارث، فكانت لبابة الكبرى، ولبابة الصغرى، وعصماء، وعزة، شقيقات
السيدة، وزينب بنت خزيمة، وسلمي، وأسماء ابنتا عميس أخواتها لأمها.
في ذي القعدة 6هـ،
خرج صلى الله عليه وسلم بأصحابه لأداء العمرة، فصدتهم قريش عن المسجد الحرام، وكاد
الفريقان أن يحتكما إلى القتال، لولا أن أبرمت قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم «عهد
الحديبية»، وكان من بنود هذا العهد أن يعود النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا
العام، على أن يعودوا إلى مكة في العام الذي يليه، فيدخلوها ويقيموا بها 3 أيام،
ولا يدخلوها إلا والسيوف في القرب.
وعاد المسلمون
ومرت أيام عام كامل بطيئة ثقيلة الخطو، ولما استدارت السنة نادى صلى الله عليه
وسلم في أصحابه للتأهب والخروج إلى مكة.
ودخل صلى الله
عليه وسلم مكة بأصحابه، وشارفت الأيام الثلاثة التي نص عليها «عهد الحديبية» على
النهاية، وكان صلى الله عليه وسلم قد خطب السيدة ميمونة ولكنه لم يبنِ بها بعد،
وما أمهله القرشيِّون ريثما يبني بها، حذرًا من أن يبقى بمكة أيامًا أُخر، وأرسلوا
إليه أن يخرج عن مكة.
أفصح لهم صلى
الله عليه وسلم عن رغبته في أن يَعْرُس بالسيدة ميمونة بين أظهرهم، ويصنع لهم
طعامًا فيحضروه، وكان صلى الله عليه وسلم يتغيا من ذلك المزيد من الوقت علَّ الله
عز وجل يذلل صعاب قلوبهم للإسلام، فأجابوا بكلمات تقطر قسوة وجفاء: لا حاجة لنا
بطعامك فاخرج عنا(5).
فأمر صلى الله
عليه وسلم أصحابه بالرحيل وفاء بعهده الذي انقضى أجله، مخلِّفًا مولاه أبا رافع
بمكة ليصحب السيدة ميمونة ويلحق به، ولحقا به في سَرِف فبنى بها هناك في ذي القعدة
من سنة 7هـ، قالت رضي الله عنها: تزوجني رسول الله ونحن حلَالَانِ(6)
بسَرِفَ(7).
وقال ابن أختها
يزيد بن الأصم: خطبها صلى الله عليه وسلم وهو حلال، وبنى بها وهو حلال(8).
وكانت السيدة في
نحو السادسة والعشرين من عمرها، وكان اسمها بَـرَّة فسماها صلى الله عليه وسلم
ميمونة.
وعندما نطوف في
بستان السيدة ميمونة نتنسم على الفور عبير السيدة زينب بنت خزيمة التي تذكر بعض
المراجع أنها أختها لأمها، ولا تذكرنا هذه بتلك لأنهما من أمهات المؤمنين، أو
لأنهما بنتان لهند بنت عوف فحسب، وإنما تدفعنا رغبة فياضة بأن نورد هنا ما قلناه
في معرض الحديث عن السيدة زينب بنت خزيمة، لأنه يتوافق تمامًا مع مسلك السيدة
ميمونة.
قلنا: ولم
يوقفنا التاريخ على أخبار لها داخل البيت النبوي الشريف، بيد أنها كانت تحب شيئين؛
تقوى الله، واللون الهادئ من الحياة، قانعة بما قُسِمَ لها من شرف المأوى في رحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، متيقنة أن للحياة أهدافًا تأتي بعدها، وعليها ألا
تُضيعها، تترقب الأجل القريب وتتلقاه بإخلاص وهدوء يتضوعان من عبادتها وتقواها،
وتنحِّي عنها غيرة الضرائر، واهتمامات النساء.
حتى إن النبي
صلى الله عليه وسلم كان في بيتها لما اشتد عليه وجع المرض الأخير، ولا ريب أنها
كانت تتوق إلى أن يُمَرَّض في بيتها، وعلى عينها، ولكنها رضيت رضا السماح بأن
يُمَرَّض في بيت عائشة حيث يُحِبّ، وصعد صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى
ووجدت السيدة عليه وجدًا أرمض(9) فؤادها، وآلم حياتها، وباتت تنشد
الراحة وتتلمس العزاء فحسب في اللحاق به صلى الله عليه، والظفر بمقعد إلى جواره
هناك، كما لحقت به في سَرِف قبل أربعة أعوام، وظفرت بمقعد إلى جواره في دنياها.
وروت عن النبي
صلى الله عليه وسلم 13 حديثًا، اتفق البخاري، ومسلم، على 7 أحاديث، وانفرد البخاري
بحديث واحد، وانفرد مسلم بـ5 أحاديث.
وقال الإمام
الذهبي: وكانت من سادات النساء وروت عدة أحاديث، وحدَّث عنها ابن أختها ابن عباس،
وابن أختها عبدالله بن شداد ابن الهاد، وابن أختها يزيد بن الأصم، وعبيدة بن
السَّباق، وعبدالرحمن بن السائب الهلالي، وكريب مولى ابن عباس، ومولاها سليمان بن
يسار، وأخوه عطاء بن يسار، وآخرون.
ومضت 40 عامًا
بعد صعوده صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، والسيدة كدأبها هي والتقوى لا
يفترقان في ابتداء أو انتهاء، وفي سنة 51هـ كانت السيدة تحج بيت الله الحرام، وبعد
انتهاء شعائر الحج شعرت بِثِقل المرض، وحدثتها بصيرتها بأنه المرض الأخير، فطلبت
منهم أن يخرجوها من مكة، قال ابن أختها يزيد بن الأصم: ثقلت ميمونة زوج النبي صلى
الله عليه وسلم بمكة، وليس عندها أحد من بني أخيها، فقالت: أخرجوني من مكة فإني لا
أموت بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أني لا أموت بمكة، فحملوها حتى
أتوا بها سَرِف إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها، في
موضع القُـبَّة، فماتت(10).
طالما كانت
السيدة تحنُّ إلى سَرِف، وتُشَدُّ إلى هناك برباط من الشوق متين، وكلما هزّها
الحنين إلى هناك مدَّت بصرها إلى مقعدها بجوار الحبيب صلى الله عليه وسلم، واليوم
تشدّ بصرها لا في شوق العروس، بل في سكينة الراحلة، وتحت الشجرة ذاتها التي شهدت
بناءه صلى الله عليه وسلم بها، حدت تقواها بروحها فطارت خفيفة في رحلتها العلوية،
وما نحسب إلا ويتردد حولها في أجواء السماء الوسيعة أصداء ما كانت تتلوه ويرتجف له
قلبها: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
{54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) (القمر).
وخرج عبدالله بن
عباس من المدينة إلى سَرِف عاجلًا، وألقى على خالته النظرة الأخيرة، وقال: إذا
رفعتم نعشها فلا تزلزلوها، ولا تزعزعوها، وأرفقوا(11).
وثوت السيدة رضي الله عنها تحت ثرى أعز بقاع الأرض إلى نفسها، قال يزيد بن الأصم: دفنَّا ميمونة بسَرِف في الظُلَّة التي بنى بها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت حلقت في الحج، ونزلت في قبرها أنا وعبدالله بن عباس(12)(13).
الهوامش
- 1 خبر حسن أخرجه ابن سعد في طبقاته (8/ 139).
- 2 أخرجه ابن سعد في طبقاته (8/ 138) بسند صحيح، والحاكم (4/ 32).
- 3 رواه الترمذي (3849)، وأحمد (8716).
- 4 رواه البيهقي في الدلائل (4/ 314)، وابن حجر في فتح الباري (7/ 583)، وسَرِفْ موضع شمال غرب مكة، ويبعد عنها 12 كيلومتراً تقريبًا.
- 5 رواه الطبراني في المعجم الكبير (11401)، والحاكم في المستدرك (6796)
- 6 ليسا محرمين بملابس الإحرام.
- 7 حديث صحيح: أخرجه مسلم (1411)، وأبو داود (1843).
- 8 رواه أحمد (26815)، والترمذي (845).
- 9 أحزنه وأوجعه بشدة.
- 10 رواه البخاري في التاريخ الكبير (3157).
- 11 رواه مسلم في صحيحه (1465).
- 12 رواه ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري (1465).
- 13 أعلام النساء (5/ 138)، تجريد أسماء الصحابة (2/ 306)، الاستيعاب (3552)، الإصابة (11783)، أسد الغابة (7305).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً