الصدقة الإلكترونية!

الصدقة الإلكترونية!

يتوسع مفهوم الصدقة في الإسلام بشكل كبير وثري ومتنوع، ليتجاوز صورة المال فقط، وصولاً إلى صور أخرى عدة، تُمكن المرء، سواء كان غنياً أو فقيراً، من التصدق بما يستطيع.

وفي ضوء التطور التكنولوجي الهائل، وتنامي الاستغراق في الزمن الرقمي، من الحكمة استطلاع صور جديدة للصدقة، عبر العالم الافتراضي، أو ما يمكن وصفه بـ«الصدقة الإلكترونية»، بما يفتح أبواب الخير أمام مستخدمي الهاتف ووسائل التواصل ومواقع الفيديو.

الصدقة الرقمية

من أبواب الصدقة المتعارف عليها في الإسلام الكلمة الطيبة، والذكر، وإصلاح ذات البين، والتبسم، وإماطة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة مع من فاتته الجماعة، وسقي الماء، وغرس الشجر، وقضاء حوائج الناس، وإرشاد الضال، والمشي إلى المسجد، والنفقة على الأهل والأولاد، إلى آخره.

ومن صور الصدقة الإلكترونية أو الرقمية، التي يمكن استنساخها، لنفتح أبواب الخير أمام الجميع، نشر الكلمة الطيبة، وبث الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عبر منشورات ومقاطع مرئية تجوب مواقع التواصل والفيديو.

ويمكن للمسلم الأريب صناعة الصدقة الإلكترونية من خلال السيرة النبوية والفقه ومصادر العلم الشرعي، ليتصدق بكلمة طيبة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغ آية، وكتابة تعليقات هادفة ونافعة، والدعاء بظهر الغيب للناس، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي لمن يمر بضائقة أو مرض، وجبر خواطر الأهل والأقارب والزملاء من خلال منشورات مشجعة تسير على درب الحديث النبوي «الكلمة الطيبة صدقة» (رواه البخاري).

ويفتح باب «التبسم الرقمي» نافذة جديدة للصدقة، عبر إرسال رموز تعبيرية صادقة، ومن القلب، تماثل الابتسامة في الوجه خلال المحادثات والتعليقات عبر وسائل التواصل، وصناعة محتوى إيجابي وهادف يبعث على التبسم، ونشر الأمل والتفاؤل، وإشاعة مواقف إيجابية تُدخل السرور والبهجة على قلوب المتابعين.

الأذى الإلكتروني 

من صور الأذى الإلكتروني تداول الصور الفاضحة، والمقاطع الإباحية، والشائعات، والأخبار الكاذبة، والتنمر، وسفاسف الأمور، و«الترندات» السلبية، وهو ما يجب على المسلم أن يحتاط منه، ويدفعه عن طرق المسلمين في العالم الافتراضي، بالتجاهل، وعدم تداوله، والإبلاغ عنه، كمحتوى مسيء، وإماطته عن الطريق بما استحدث من وسائل تقنية حديثة.

ومن الصدقة الإلكترونية التي لا تحتاج إلى مال، قضاء حوائج الناس، وحل مشكلاتهم إلكترونياً، ومساعدتهم على الخير، من خلال نشر إعلانات العمل والتدريب، والإعلان عن المنح الدراسية، والمسابقات الثقافية، وإمدادهم بما يحتاجونه من دروس ودورات علمية واستشارات متخصصة، وغير ذلك، مما ينتفع به العباد، قال صلى الله عليه وسلم: «ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحبّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً» (رواه الطبراني).

ويدخل إرشاد الضال الرقمي، بإذن الله، في باب الصدقة، من خلال الإجابة عن تساؤلات الناس، بشأن مكان ما، أو عند الحاجة إلى طبيب، أو مسعف، أو حل لمشكلة تقنية، والتوعية بالأمان الرقمي، وإغاثة اللهفان ممن تعرض لابتزاز إلكتروني، واستعادة الحسابات الشخصية، والودائع المالية عبر الوسائط التقنية الحديثة، قال صلى الله عليه وسلم: «وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ» (رواه الترمذي).

صدقات مستحدثة

الصدقة الإلكترونية باتت حاجة ملحة وضرورية، فرضها التحول الرقمي، والتنامي الهائل في استخدام المنصات الرقمية والتطبيقات المتخصصة، مثل دفع الزكاة والصدقة عبر تطبيقات الدفع الإلكترونية، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك، شريطة أن تكون النية خالصة لوجه الله، وأن يصل المال إلى مستحقيه، قال تعالى: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: 272).

ومن الصدقات المستحدثة برمجة تطبيقات تقوم بخدمة الناس، وقضاء مصالحهم، مثل جدولة المهام، والتذكير بالصلاة والأذكار ومواعيد العمل، وتحويل صيغ الملفات، وتنظيم الوقت، وكتابة السير الذاتية، وترجمة فنون المعرفة، والتسجيل الصوتي للكتب، وتفريغ المحاضرات والدروس النافعة.

ويدخل في باب صدقة إصلاح ذات البين خدمات الاستشارات الأسرية والاجتماعية، وحل المشكلات الزوجية، ومواجهة ارتفاع معدلات الطلاق، وكشف مخططات الحركات النسوية الخبيثة، وتقديم الدعم للمتزوجين حديثاً، وتلافي أي منغصات ومشكلات حياتية، والتصدي لحملات التخريب والتحريض ضد الزواج، والإصلاح بين الأزواج بالنصح والتوجيه والتدريب، والعلاج النفسي والطبي إذا لزم الأمر.

وإذا كنت لا تملك المال وتريد المساهمة رقمياً في صدقة مثل سقي الماء أو غرس الشجر، يمكنك التسويق الرقمي للحالات المعسرة، وترويج حملات توصيل مياه لأسرة فقيرة، أو حفر بئر، وغرس الشجر وزراعة النخيل، وتطوير خريطة رقمية للمواقع التي تخلو من مصدر ماء أو بئر أو شجر، ليستدل أهل الخير بها، فالدال على الخير كفاعله.

أبواب الجنة

أبواب الجنة ثمانية، من بينها باب الصدقة، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة ثمانية أبواب..» (رواه البخاري).

قال ابن حجر في «فتح الباري»: «وقد وردت هذه العِدَّة لأبواب الجنة في عدة أحاديث»، وقال العلامة عبدالرؤوف المناوي، في «فيض القدير شرح الجامع الصغير»: «قال الحكيم الترمذي: وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر، باب الصلاة، باب الزكاة، باب الجهاد، باب الصدقة، باب الحج، باب العمرة، باب الكاظمين الغيظ، باب الراضين.. والظاهر أن الأبواب الأصول ثمانية وما زاد عليها كالخوخ (الأبواب الصغيرة) المعهودة».

وممن ينادَى منها كلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِن شيءٍ مِنَ الأشْياءِ في سَبيلِ الله، دُعِيَ مِن أبْوابِ، -يَعْنِي الجَنَّةَ- يا عَبْدَ اللَّهِ هذا خَيْرٌ، فمَن كان مِن أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِن بابِ الصَّلاةِ، ومَن كان مِن أهْلِ الجِهادِ دُعِيَ مِن بابِ الجِهاد، ومَن كان مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بابِ الصَّدَقَة، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصِّيامِ دُعِيَ مِن بابِ الصِّيام، وبابِ الرَّيّانِ»، فقال أبو بكر: هلْ يُدْعَى مِنْها كُلِّها أحَدٌ يا رَسولَ الله؟ قال: «نَعَمْ، وأَرْجُو أنْ تَكُونَ منهمْ يا أبا بَكْر» (رواه البخاري).

باب الصدقة ينادي، فهيا نتصدق مالياً وإلكترونياً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة