العرب وحرية الصحافة.. أين نحن؟!
حينما تطالع
مواقع البلدان العربية على مؤشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي تصدره منظمة
«مراسلون بلا حدود» سنوياً، ستشعر بغصة في الحلق، إزاء أمة، أول ما نزل إليها من
كتاب ربها (اقْرَأْ) (العلق: 1)، وقوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1).
لم تعد الصحافة
مجرد ورق مطبوع، أو منصات إلكترونية فحسب، أو صفحات على وسائل التواصل، بل باتت
أداة تأثير ثقافي وسياسي واقتصادي، ومكون رئيس للهوية، وخط دفاع حصين عن
المجتمعات، وسلطة قوية ضد الفساد والمحسوبية والرشى والإهمال والظلم، وغير ذلك من
أشكال الاستبداد، الذي يسعى دوماً لخنق الصحافة، والتضييق الممنهج على الصحفيين،
وفرض سياسة الصوت الواحد.
مراكز صحفية متدنية
للمرة الأولى في
تاريخ التصنيف، يقبع أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها
الوضع بأنه «صعب» أو «خطير».
نظرة سريعة
وفاحصة على مخرجات التصنيف الصادر عام 2026م، تثير تساؤلات حول تدني الترتيب للدول
العربية، إذ يحتل اليمن المرتبة (164)، والعراق (162)، والسودان (161)، بينما حققت
سوريا (141) وهو أكبر ارتقاء لها على جدول الترتيب، بعد سقوط نظام الأسد.
من أصل 180
بلداً بين عامي 2025 و2026م، تحتل مصر المرتبة (169)، والسودان في المركز (161)،
وفلسطين (156)، والجزائر في المرتبة (145)، والأردن في المرتبة (142)، وليبيا
(138)، وتونس (137)، والصومال (126)، ثم جنوب السودان (118)، ولبنان (115).
خليجياً، تقع
السعودية في المرتبة (176)، والبحرين في المرتبة (170)، بينما تحتل الإمارات
العربية المتحدة المرتبة (158)، والكويت (136)، وعُمان في المرتبة (127)، وقطر
(75).
وعلى صعيد
البلدان الثلاثة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصدرت موريتانيا
الترتيب بحلولها في المرتبة (61)، تلتها قطر في المرتبة (75)، ثم المغرب في
المرتبة (105)، بحسب «مراسلون بلا حدود».
عالمياً، تتربع
النرويج على عرش الصدارة، تليها هولندا، وإستونيا، والدنمارك، والسويد، وفنلندا، وأيرلندا،
وسويسرا، ولوكسمبورج، والبرتغال.
حرية الصحافة تتراجع
المنظمة الدولية
(تأسست عام 1985م)، تدق ناقوس الخطر، بإعلانها أنه خلال عام 2026م، لن يعيش سوى 1%
من سكان العالم في دول تتمتع بوضع «جيد» لحرية الصحافة.
لأول مرة في
تاريخ التصنيف الممتد لـ25 عاماً، وجدت أكثر من نصف الدول نفسها ضمن الفئتين
الأسوأ، حيث تدهور الإطار القانوني حتى في الدول الديمقراطية، إذ يتزايد تقييد حق
المواطنين في الحصول على المعلومات.
بحسب المنظمة
(غير حكومية مقرها باريس)، «لا يزال واحد فقط من كل 100 شخص في العالم قادراً على
الوصول إلى المعلومات عبر بيئة إعلامية متنوعة وصحية».
تجدر الإشارة
إلى أن المؤشر السنوي يعتمد على 5 مؤشرات رئيسة، هي: الحرية السياسية والبيئة
القانونية والبيئة الاقتصادية والسلامة البدنية والبيئة الاجتماعية، ويقوم على
تصنيف الدول إلى أربع فئات، هي: وضع جيد، وضع مُرضٍ، مشكلات ملحوظة، وضع صعب، وضع
بالغ الخطورة.
الصمت وسيلة للتعتيم
أن يصبح الصمت
مرادفاً للرضا بالأمر الواقع، وأن يصبح الصمت وسيلة للتعتيم على الفساد والمفسدين،
فهذا ما لا يرضاه الشرع والقانون، في أمة كان موضع خيريتها في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، قال تعالى: (كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ
لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
(آل عمران: 110).
ويخطئ من يظن أن
إسكات صوت الصحافة، والتضييق على حرية الإعلام، وتجريم العمل الصحفي، سيكون في
صالحه، أو في صالح الأمن القومي للأوطان والمجتمعات، بل الحقيقة أن الصحافة الحرة
رافعة للتقدم والنهضة، صانعة للشفافية والديمقراطية.
جدار الصمت ليس
في صالح أحد، والسكوت عن الخطأ جريمة، والتعتيم على مواطن الخلل في أي منظومة
كانت، سياسية، أو اقتصادية، أو تعليمية، أو رياضية، لهو مجلبة للشر والفساد،
وذريعة للتمادي في القصور والإهمال.
عندما يغيب
العرب جميعاً عن قائمة الخمسين الأوائل في التصنيف السنوي لعقود، ومنهم من يقبع في
المؤخرة، فإن الأمر جد خطير، يستدعي المصارحة والمكاشفة.
خارطة طريق للإنقاذ
الحكمة تقتضي
تعزيز حرية الصحافة، شريطة أن تكون صحافة جادة ومسؤولة، ذات ضمير وحس وطني عالٍ،
لا صحافة إثارة وشائعات تلهث وراء اللحاق بهوس «الترند».
ومن مقتضيات
الواجب إزاء ما تواجهه الأمة من تحديات وخطوب، تعزيز الخطاب الإعلامي، وتجديد
مضامينه، وإفساح المجال للوصول إلى المعلومات الموثوقة، وسن القوانين والتشريعات
التي تحمي حرية الرأي، وضبط عمل المنابر الإعلامية، وتقديم الدعم القانوني
والميداني والإعلامي للصحفيين.
من حق كل إنسان
الحصول على معلومات موثوقة، كذلك من حقه الحماية من الشائعات والمعلومات المضللة
والمقاطع المزيفة، التي امتلأ بها الفضاء المعلوماتي، وهذا لن يتحقق إلا بوجود
صحافة حرة جادة مستقلة، تصنع الوعي، وتواجه الخلل، وتسد الثغرات، وتساهم في صناعة
القرار، بصدق وأمانة ومسؤولية.
عرب بلا صحافة
حرة ليس في صالح العرب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً